
جريدة الحرة بيروت
بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
يعد قطاع النقل الشريان الحيوي الذي يغذي جسد الاقتصاد الوطني، وهو الركيزة الأساسية التي تبنى عليها سياسات التنمية المستدامة والنمو الشامل. في التجربة اللبنانية، يمثل تطوير هذا القطاع حاجة ملحة تتجاوز مجرد تسهيل حركة الأفراد لتصل إلى صلب العملية الإنتاجية، حيث تؤكد الدراسات الاقتصادية الموثقة أن غياب منظومة نقل عام متكاملة وكفوءة يكلف الخزينة والمواطن أعباءً مالية باهظة، إذ تستنزف الاختناقات المرورية وضياع الوقت وتكاليف المحروقات وصيانة المركبات الخاصة نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي. إن الانتقال من نمط النقل الفردي المعتمد حصراً على السيارات الخاصة إلى نمط النقل الجماعي المنظم، يمثل مدخلاً إلزامياً لتعزيز الكفاءة الاقتصادية وتخفيض التكاليف التشغيلية للمؤسسات والشركات، مما ينعكس إيجاباً على القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية اللبنانية.
إن الاستثمار في البنية التحتية للنقل، وخاصة في مشاريع الحافلات السريعة والربط السككي، يولد مفاعيل إيجابية فورية وطويلة الأمد. فعلى المدى القصير، تساهم هذه المشاريع في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في مجالات التشييد والإدارة والصيانة، وهو ما يمنح الدورة الاقتصادية دفعاً قوياً في ظل الظروف الراهنة. أما على المدى البعيد، فإن توفير بدائل نقل آمنة ومنخفضة التكلفة يسمح بتوزيع أفضل للكتلة النقدية لدى الأسر، حيث يتم توجيه الفائض الناتج عن توفير مصاريف النقل نحو الاستهلاك في قطاعات أخرى أو نحو الادخار والاستثمار. علاوة على ذلك، فإن الربط الجغرافي السلس بين المناطق اللبنانية يؤدي إلى كسر حواجز التباعد المكاني، ويسمح بانسياب اليد العاملة والسلع بحرية أكبر، مما يحفز النمو في المناطق البعيدة عن المركز ويخفف الضغط السكاني والعمراني عن المدن الكبرى.
تواجه الدولة اللبنانية في مسعاها لتحديث هذا القطاع تحديات إدارية وتمويلية وتشريعية تتطلب تنسيقاً عالياً بين كافة المؤسسات المعنية. فالعجز في ميزان المدفوعات والمديونية العامة يحدان من قدرة الدولة على التمويل الذاتي للمشاريع الكبرى، مما يجعل اللجوء إلى الشراكات مع القطاع الخاص، وفق نماذج عالمية ناجحة، ضرورة لا غنى عنها. إن تفعيل هذه الشراكات يتطلب إطاراً قانونياً يضمن حقوق المستثمرين ويؤمن استمرارية الخدمة للمواطنين بأسعار عادلة. كما تبرز التحديات اللوجستية المتمثلة في تهالك البنية التحتية للطرق الحالية وضرورة إعادة تأهيلها لتستوعب مسارات النقل العام الحديثة، بالإضافة إلى الحاجة الماسة لتحديث القوانين المنظمة للسير والنقل البري لتواكب التطورات التكنولوجية والمعايير الدولية للسلامة والبيئة.
تتضمن الرؤية المستقبلية للدولة مجموعة من المشاريع الطموحة التي تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في واقع النقل. يأتي على رأس هذه المشاريع إنشاء شبكة متكاملة من الحافلات السريعة التي تربط العاصمة بضواحيها وبقية المدن الساحلية والداخلية، وتجهيز محطات تسفير حديثة تعتمد التقنيات الرقمية في حجز التذاكر وإدارة المواعيد. كما تبرز أهمية إحياء قطاع السكك الحديدية، ليس فقط لنقل الركاب، بل كأداة استراتيجية لنقل البضائع من المرافئ اللبنانية نحو العمق العربي والدولي، مما يعزز دور لبنان كمنصة لوجستية رائدة في المنطقة. إن تكامل وسائط النقل المختلفة، من المرافئ والمطارات وصولاً إلى النقل البري والسككي، يشكل منظومة موحدة ترفع من قيمة الأصول الوطنية وتجذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئة عمل مستقرة ومتطورة.
للنهوض بالاقتصاد الوطني من خلال قطاع النقل، يتوجب تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على الحوار المستمر والتنسيق الوثيق بين كافة المكونات اللبنانية لضمان نجاح هذه المشاريع وديمومتها. إن الحلول المقترحة تتلخص في ضرورة الإسراع في إقرار المخطط التوجيهي الشامل للنقل، وتأسيس هيئة ناظمة مستقلة لقطاع النقل تتولى مهام التخطيط والرقابة ومنح التراخيص بعيداً عن التعقيدات الروتينية. كما يجب العمل على تشجيع الانتقال نحو النقل الأخضر والمستدام عبر تقديم حوافز ضريبية للمركبات التي تعتمد على الطاقة النظيفة، مما يقلل من الفاتورة الصحية والبيئية الناتجة عن التلوث. إن مستقبل لبنان الاقتصادي مرتبط بمدى قدرتنا على بناء دولة قوية تمتلك سيادتها على قراراتها التنموية وتدير مرافقها بكفاءة وشفافية، ليكون قطاع النقل هو القاطرة التي تعبر بالبلاد نحو الاستقرار والازدهار والنمو الدائم.


