جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تشهد المؤسسات الأوروبية تغيّرات هيكلية وسياسية متسارعة، أبرزها صراع النفوذ بين جهاز العمل الخارجي والمفوضية الأوروبية حول توجيه الدبلوماسية، إضافة إلى توسيع البرلمان الأوروبي إلى 720 مقعداً، وما يرافق ذلك من تحوّلات رقمية وبيئية، فضلاً عن استمرار النقاشات حول توسيع الاتحاد الأوروبي وضمّ دول جديدة.
وتتمثّل أبرز هذه التغيرات في صراع النفوذ داخل السياسة الخارجية، حيث يشهد الاتحاد الأوروبي توتراً مؤسسياً بين المفوضية الأوروبية من جهة، بقيادة أورسولا فون دير لاين، وجهاز العمل الخارجي الأوروبي من جهة أخرى، الذي تقوده الممثلة العليا للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس. وفي هذا السياق، تسعى المفوضية إلى تعزيز دورها في توجيه السياسات الدبلوماسية وتوسيع صلاحياتها في هذا المجال، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى إعادة تعريف حدود صلاحيات جهاز العمل الخارجي، وإعادة توزيع الأدوار بين المؤسستين ضمن بنية القرار الأوروبي.
وتعتقد الدائرة الدبلوماسية (مكتب الممثلة العليا للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية) أن تركز القرار في يد المفوضية قد يؤدي إلى تحويل السياسة الخارجية الأوروبية إلى امتداد للسياسات الاقتصادية والتنظيمية، في حين أن هذا المجال يُعد من المجالات الحساسة التي تتطلب رؤية مستقلة قادرة على استيعاب تباين مصالح الدول الأعضاء.
الاستجابة للأزمات الداخلية قبل تفاقمها
وترى هذه الدائرة أن المفوضية باتت توظّف مبدأ الاستجابة السريعة للأزمات لتبرير توسيع نطاق صلاحياتها، في وقت يتم فيه تهميش بعض الهياكل المؤسسية التي أُنشئت لضمان توازن المشاركة بين مختلف أجهزة الاتحاد. ويُخشى أن يؤدي هذا المسار إلى تقليص دور الخبراء المتخصصين في الشؤون الدولية، وتحويل عملية صنع الموقف الأوروبي إلى رؤية أكثر مركزية تصدر عن دائرة ضيقة داخل المفوضية.
وفي هذا السياق، عزّزت أورسولا فون دير لاين آلية التواصل المباشر مع عواصم الاتحاد الأوروبي في القضايا الحساسة، بما يعكس توجهاً متزايداً نحو مركزية القرار داخل المفوضية الأوروبية. وقد جاءت هذه الخطوات ضمن سلسلة تحركات مؤسساتية تراكمت خلال العامين الماضيين، من بينها إنشاء وحدات جديدة للتحليل الجيوسياسي داخل بنية المفوضية، إلى جانب توسيع صلاحيات مستشاريها للشؤون الخارجية، بما يعزز قدرتها على التدخل في صياغة التوجهات العامة للسياسة الخارجية الأوروبية.
التحولات السياسية في الاتحاد الأوروبي
يشهد الاتحاد الأوروبي تحولاً في موازين القوى، ومن المتوقع أن تكون كايا كالاس إحدى أبرز الشخصيات المتأثرة بهذا التحول. ويتقاطع هذا الوضع مع صراع أوسع داخل بنية الاتحاد، لا يقتصر على التوتر البيروقراطي بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وكبيرة الدبلوماسيين كايا كالاس، بل يعكس صراعاً أعمق تتجاوز نتائجه مجرد الخلاف بين شخصيات مختلفة، ليصل إلى طبيعة توزيع السلطة داخل الاتحاد الأوروبي.
من جهة، يقود هذا الصراع مجموعة من الدول المؤثرة والغنية التي تسعى إلى إصلاح جهاز السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، بهدف إعادة بعض صلاحياته إلى المستوى الوطني. وتأتي ألمانيا وفرنسا في مقدمة هذه الدول، إلى جانب دعم من إيطاليا وإسبانيا. وفي حال نجاح هذه الإصلاحات، فإن منصب الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية قد يتحول إلى منصب رمزي أكثر منه تنفيذي.
تعزيز مركزية القرار الأوروبي داخلياً
وفي المقابل، تسعى أورسولا فون دير لاين بدورها إلى تعزيز مركزية القرار داخل بروكسل، مستندة إلى تصور تاريخي يشير إلى مرحلة كان فيها الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية ورئيسها بمثابة قيادة تنفيذية عليا لأوروبا، قبل أن يتم لاحقاً إنشاء مناصب إضافية مثل الممثلة العليا للسياسة الخارجية ورئيس المجلس الأوروبي.
وقد كان الرئيس الأوروبي السابق شارل ميشيل أكثر خضوعاً لنفوذ المفوضية، بينما يتعامل الرئيس الحالي أنطونيو كوستا بهدوء وانسجام أكبر مع هذا التوازن المؤسسي. وفي هذا السياق، تنظر فون دير لاين إلى كايا كالاس لا كمنافسة في المستوى نفسه، بل كعنصر معيق أو مُربك ضمن بنية القرار الأوروبي، وهو تقييم تشترك فيه بعض العواصم الأوروبية مثل برلين وباريس ومدريد.
وتتمحور الإشكالية الأساسية حول سؤال جوهري: من سيرث هذه الصلاحيات؟ إذ إن عودتها بالكامل إلى المستوى الوطني لا تتماشى مع رؤية فون دير لاين التي تميل إلى مزيد من المركزية داخل مؤسسات الاتحاد.
وترى فون دير لاين أن هدفها يتمثل في تعزيز تركيز السلطة داخل بروكسل، بما يساهم في تحويل الاتحاد الأوروبي من كيان فوق وطني إلى قوة كبرى أكثر تماسكاً، وهو توجه يتقاطع مع تصورات أوسع داخل بعض الدوائر الأوروبية، خاصة في ظل تراجع الثقة بإمكانية الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، وتزايد الحاجة إلى دور أوروبي أكثر استقلالية في النظام الدولي. غير أن باريس وبرلين تسيران في الاتجاه نفسه من حيث المبدأ، لكنهما لا تبدوان مستعدتين بعد لدعم تعزيز المفوضية بالسرعة والعمق المطلوبين.
وفي هذا السياق، كان التفاوض بين هذه الأطراف أمراً حتمياً، حتى في حال تولي شخصية كفؤة منصب الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، غير أن تولي كايا كالاس لهذا المنصب قد ساهم في تسريع هذا المسار بدلاً من تهدئته.
بعبارة أخرى، لو لم تكن كالاس بهذه الحدة في مقاربتها، لما تسارعت وتيرة إعادة توزيع السلطة داخل الاتحاد الأوروبي بالشكل الحالي.
سياسة كايا كالاس المتشددة تجاه روسيا
تُعد كايا كالاس، رئيسة وزراء إستونيا السابقة، شخصية سياسية مؤهلة تماماً للمهام التي عُيّنت من أجلها، ولا سيما فيما يتعلق بتبني موقف أكثر تشدداً في التعامل مع روسيا. وقد أثار التحول في الموقف الروسي اهتماماً متزايداً بالسياسات الأمنية التي تتبناها، حيث يُنظر إليها في بعض التحليلات بوصفها من أبرز الأصوات الأوروبية الداعية إلى اعتماد مقاربة صارمة تجاه موسكو.
ويعود ذلك إلى السياق الجغرافي والاستراتيجي لدول البلطيق، وخاصة إستونيا، التي تتمتع بحدود قريبة من روسيا، ما يجعلها أكثر حساسية تجاه التغيرات في البيئة الأمنية الإقليمية. وفي هذا الإطار، تنطلق رؤية هذه الدول من إدراكها لطبيعة التوازنات التاريخية والجيوسياسية في المنطقة، حيث ترى أن أمنها الوطني يرتبط بشكل وثيق ببنية العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي.
الردع الأوروبي الداخلي
لذلك تميل بعض هذه الدول إلى تعزيز سياسات الردع داخل الإطار الأوروبي الأطلسي، مع الاعتماد على الشراكات مع حلف شمال الأطلسي لضمان الاستقرار الأمني ومنع أي تصعيد محتمل في محيطها الجغرافي. وفي المقابل، تعكس هذه المقاربة تبايناً داخل الاتحاد الأوروبي نفسه حول درجة التشدد أو المرونة في التعامل مع روسيا، حيث تتراوح المواقف بين الدعوة إلى الردع الصارم من جهة، والبحث عن مسارات تهدئة وتوازن سياسي من جهة أخرى، وهو ما يجعل ملف العلاقة مع موسكو أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الأوروبية المعاصرة.
غير أن هذا التوجه يثير في المقابل مخاوف لدى بعض الأصوات الأوروبية المعتدلة، مثل رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو وبعض أعضاء البرلمان الألماني، الذين يدعون إلى مزيد من الحذر وإلى الدفع نحو حلول سلمية في إدارة العلاقة مع موسكو. ومع ذلك، فإن هذه الأصوات لا تحظى بالزخم الكافي داخل دوائر صنع القرار في بروكسل وبرلين وباريس، في ظل استمرار الاتجاه العام داخل الاتحاد الأوروبي نحو تبني سياسات أكثر صرامة تجاه روسيا، خاصة في سياق التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في القارة الأوروبية.
ومن جهة أخرى، تُعد كايا كالاس نموذجاً لسياسية من دول البلطيق نشأت ضمن بيئة سياسية تتسم بتصورات حادة تجاه روسيا، وتتشابه في بعض سماتها مع نخب سياسية غربية تتقاطع توجهاتها مع السياسات الأمريكية، وإن اختلفت من حيث درجة الحدة في التعبير عن هذه المواقف.
وفي هذا الإطار، تُفسَّر العلاقة مع روسيا ضمن سرديات تاريخية وسياسية ممتدة تعيد صياغة التفاعل معها من منظور صراعي طويل الأمد. وفي المقابل، يتقاطع هذا النهج مع توجهات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، حيث تسود رؤية تميل إلى تجنب القطيعة مع واشنطن، في ظل استمرار الموقف الأمريكي الداعم للسياسات المناهضة للصين.
لكن في الوقت نفسه، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي الدخول في مواجهة تجارية شاملة مع الصين، نظراً لاعتماد عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى على العلاقات الاقتصادية والتجارية معها، ما يجعل من الصين شريكاً محورياً في الحفاظ على التوازن الاقتصادي الأوروبي.
التصويب على كالاس من بعض الأطراف الأوروبية
وفي هذا التوجه، تقوم بعض وسائل الإعلام الأوروبية التي توجّه انتقادات حادة لنشاط كايا كالاس بجزء من نقاش أوسع داخل الفضاء العام الأوروبي حول طبيعة السياسة الخارجية للاتحاد، في حين تعكس بعض هذه الانتقادات أيضاً تبايناً في التقديرات داخل الدول الأوروبية نفسها بشأن مستوى التشدد المطلوب في التعامل مع القضايا الدولية، بما في ذلك العلاقة مع روسيا. ويأتي ذلك في إطار توجه عام داخل الاتحاد الأوروبي يسعى إلى بلورة سياسة خارجية أكثر تماسكاً وصرامة في بعض الملفات، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في البيئة الدولية.
من جهة أخرى، باتت بعض الاستراتيجيات الأوروبية تميل، خصوصاً لدى ألمانيا وفرنسا، إلى النظر إلى الصين باعتبارها شريكاً اقتصادياً ذا أهمية استراتيجية، في سياق الحفاظ على التوازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية. كما تسعى مدريد إلى لعب دور الوسيط بين الاتحاد الأوروبي والصين، بما يعكس تنوع المقاربات الأوروبية تجاه بكين داخل الإطار المؤسسي للاتحاد.
وفي المقابل، تتبنى كايا كالاس موقفاً أكثر تشدداً تجاه الصين، وهو ما يعكس إلى حد كبير الخلفية السياسية لدول البلطيق وتصوراتها الجيوسياسية الخاصة، التي تميل إلى مقاربة أكثر حساسية تجاه قضايا الأمن والتحالفات الدولية.
وفي النهاية، يبرز هذا المشهد كيف يمكن لشخصية سياسية من دولة صغيرة نسبياً أن تصبح جزءاً من جدل أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، لا يقتصر على السياسة الخارجية فحسب، بل يمتد إلى توازنات القوة بين مؤسسات بروكسل والعواصم الأوروبية، وإلى طبيعة علاقات الاتحاد بكل من روسيا والصين والولايات المتحدة، في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل عميقة لموازين القوى العالمية.


