الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

تفاهم 2026 : إيران على مفترق الدولة والدور ..!

جريدة الحرة بيروت

بقلم : العميد منذر الأيوبي*  مدونة الكاتب العميد منذر الأيوبي

عندما سُئل وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر عن جوهر المعضلة الإيرانية، لم يتحدث عن أجهزة الطرد المركزي ولا عن نسب تخصيب اليورانيوم، بل طرح سؤالاً بدا فلسفياً وسياسياً في آن واحد:
“هل تريد إيران أن تكون دولة أم قضية؟”. العبارة تختصر جانباً كبيراً من تاريخ العلاقة المعقدة بين واشنطن والجمهورية الإسلامية. فالمشكلة لم تكن يوماً محصورة بالبرنامج النووي، بل بطبيعة المشروع الإيديولوجي نفسه، وحدود الدور الذي تطمح اليه طهران داخل الإقليم وخارجه.

مع الإعلان عن تفاهم جديد بين الولايات المتحدة وإيران، وفهم طبيعة الاتفاق المرتجى خلال مهلة الستين يوم،
لا يكفي التوقف عند البنود التقنية او نصوص الالتزامات المُنتَجَة؛ بل ضرورة تفهم المناخ العام الدولي، والظروف التي أملته. ليعود السؤال ما إذا كانت طهران تقف أمام مراجعة استراتيجية تفرضها الوقائع الميدانية الجديدة، أم لجأت إلى إعادة تموضع مؤقت تقتضيه الظروف الراهنة.

عندما وُقّع الاتفاق النووي عام 2015، كانت إيران تتحرك في فضاء إقليمي مختلف تماماً؛ نفوذها يتوسع في أكثر من ساحة، دمشق استعادت توازنها، والعراق يشهد حضوراً إيرانياً متنامياً، فيما كانت الولايات المتحدة تبحث عن تخفيف انخراطها المباشر في الشرق الأوسط. تفاوضت طهران آنذاك من موقع قوة صاعدة، بينما تفاوضت واشنطن من منطلق الاحتواء؛ ليكون الاتفاق اعترافاً ضمنياً بموازين القوى على الأرض.

اما اليوم فالمشهد مختلف جذرياً. المنطقة في خضم صراع عسكري جيوسياسي مع إستنزاف إقتصادي وأمني.
إيران نفسها تواجه تحديات داخلية وإقليمية مغايرة؛ فبعد ضربات عسكرية قاسية استهدفت الرأس والأطراف، تحولت لغة المكاسب الكبرى، إلى حسابات الحد من الخسائر ومنع الانهيارات الكاملة..

في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة في موقع مُنتصر يفرض شروطآ امام مُنهزم، بل في موقع القوة الساعية إلى منع انفجار إقليمي واسع يهدد استقرار الأسواق العالمية وممرات الطاقة.

الفارق الأبرز بين المرحلتين أن الاتفاق الأول تمحور حول الملف النووي حصرآ، فيما يأتي التفاهم الحالي في ظل تشابك غير مسبوق بين الملفات. المسألة أصبحت تتعلق بأمن الإقليم ودول الخليج العربي وحماية المضائق (هرمز-باب المندب)، في ظل حضور قوي للقطبين الصين وروسيا الشريكين الاستراتيجيين في النظام الدولي المتحوّل.

أما إسرائيل، فالأمر عندها مختلف. إذ لم تعد مجرد معترض سياسي خارج غرف التفاوض كما في 2015، بل تحولت عام 2026 رقمآ صعبآ في المعادلة الاستراتيجية؛ إذ يسعى مستواها السياسي والعسكري عبر التفاوض بالنار إلى رسم حدود المناطق العازلة وفرض شروط ميدانية قاسية، ما يجعل أي تفاهم غير قابل للحياة، إن لم تفكك هواجسها الأمنية المزعومة، هذا ما يمنح التسوية المقبلة حساسية بالغة.

في هذا السياق، لن يكون لبنان مجرد ورقة تفاوضية بل المختبر الحقيقي لنجاح او سقوط. إذ ايآ يكن العامل المؤثر في وقف إطلاق النار وهو ضرورة ملحة، إلا أنّ مفاوضات واشنطن المستقلة لا تزال تتمتع بالثقل النوعي الاميركي حيث الرهان على الأثمان. المعادلة اللبنانية تساوي : ضمان استقرار امني بالصنف الدولتي وهدنة دائمة مقابل الانسحاب الكامل استعادة الاسرى وإعادة الإعمار…

في الخلاصة؛ بين 2015 و2026 تعدلت خرائط، وتبدلت موازين، كما تغيرت أولويات. قد يكون التفاهم الجديد أكثر من مجرد اتفاق تقني وأقل من تسوية تاريخية شاملة، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف أن كلفة ألمواجهة المفتوحة أغلى من كلفة التفاهمات. أما هل هذا المسار سيعيد هندسة التوازنات الإقليمية بوعي جديد، أم يبقى مجرد هدنة طويلة تؤجل الصدام، ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة.

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية .

https://hura7.com/?p=80360

 

الأكثر قراءة