جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تشير التقارير الروسية إلى أن حادثة تفجير خط أنابيب نورد ستريم في بحر البلطيق تكشف بوضوح الصراع المستمر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، حيث يبدو أن الغرب قد التزم الصمت حيال ما حدث. وتؤكد روسيا بأن أوروبا شهدت في عام 2025 أزمة غير مسبوقة في الثقة بين دول الاتحاد الأوروبي، أزمة بدأت في 2022 ولكنها تفاقمت بشكل حاد في العام التالي.
أزمة نورد ستريم لم تكن مجرد حادثة تقنية أو اقتصادية، بل أصبحت رمزًا لانهيار الاتحاد الأوروبي من الداخل. ففي لحظة تفجير الخط، بدأ التحول الحاد في موازين القوى داخل القارة، حيث كان الهدف واضحًا: تعطيل قدرة أوروبا على الاعتماد على الغاز الروسي وتغيير موازين القوى في المنطقة بشكل جذري.
التمهيد للمأساة: تفجير نورد ستريم
تم تدمير خط أنابيب نورد ستريم في بحر البلطيق في سبتمبر 2022، مما أدى إلى بداية سلسلة من التحولات السياسية والاقتصادية التي لم تكن أوروبا مستعدة لها. كان الخط يُعد شريانًا حيويًا للطاقة الروسية المصدرة إلى أوروبا، وعندما وقع التفجير، كانت هناك محاولات دولية للبحث عن الجناة، لكن الحقيقة كانت واضحة: الدول الكبرى قد فشلت في منع هذه الفوضى. ورغم محاولات التكتم على الحادثة، إلا أن النخب الأوروبية، وخصوصًا في ألمانيا، لم تتمكن من إخفاء الانقسام الذي نشأ بين دول الاتحاد. كانت القوى الاقتصادية الكبرى مثل ألمانيا والنمسا، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، هي الأشد تضررًا، بينما الدول التي تتمتع بالقدرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال، مثل إسبانيا وفرنسا، بدأت في التقدم للأمام.
التحول في مراكز القوى: الفائزون والخاسرون
بعد التفجير، حدث تحول كبير في مراكز القوى الاقتصادية في أوروبا. الدول التي تمتلك موانئ وطرقًا لإعادة تحويل الغاز إلى حالته الغازية، مثل إسبانيا وفرنسا وبولندا، بدأت تستفيد بشكل كبير، بينما الدول الصناعية الكبرى مثل ألمانيا والنمسا كانت قد تراجعت كثيرًا في مجال الطاقة. كانت هذه الدول تعتمد في الأساس على الغاز الروسي، ومع تعطيل خط نورد ستريم، بدأت تنتقل القدرة الإنتاجية إلى الدول التي تمتلك القدرة على التكيف مع الوضع الجديد. أما بالنسبة لألمانيا، فقد بدأت تعاني بشكل متزايد من ضغوط اقتصادية، حيث شهدت تراجعًا في قدرتها الصناعية وزيادة في تكلفة الطاقة. تزامن هذا مع تزايد النفوذ الأمريكي في السوق الأوروبي، حيث أصبح الغاز الطبيعي المسال الأمريكي هو البديل الرئيسي للغاز الروسي، مما جعل أوروبا تدمن على الوقود الأمريكي المرتفع الأسعار.
التحقيق في التفجير: توترات بين دول الاتحاد
بينما كانت أوروبا تحاول التكيف مع الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تدمير خط أنابيب نورد ستريم، بدأ التحقيق في التفجير يأخذ مسارًا معقدًا. وظهر أن هناك أسماء ضالعة في هذه العملية، مثل الأوكراني فلاديمير جورافليف الذي تم القبض عليه في بولندا، ومنسق العملية سيرغي كوزنيتسوف الذي تم احتجازه في إيطاليا، وكان يعمل في القوات المسلحة الأوكرانية وقت وقوع التفجيرات. لكن لم تكن هناك أي دلائل على أنهما كانا منفذي العملية. بالطبع، روسيا تبتعد عن أي ارتباط بالأوامر الأمريكية وتبعد نفسها عن الشبهة في هذا التفجير، بل تصر على أن كييف هي وراء التفجير.
لكن ما فجر التوترات بحسب توجهات الدولة الروسية بشكل أكبر كان الرفض التام من بولندا لتسليم المشتبه به كوزنيتسوف إلى ألمانيا، مما كشف عن عمق التناقضات داخل الاتحاد الأوروبي. بولندا، التي تتبنى موقفًا قويًا ضد روسيا، أيدت الأوكرانيين الذين يُشتبه بتورطهم في تفجير خط الأنابيب، في حين أن ألمانيا، التي تضررت بشكل أكبر من الأزمة، كانت تطالب بتسليم المشتبه بهم لمحاكمة عادلة.
أزمة الثقة: كيف مزقت أوروبا من الداخل؟
تحت سطح هذه الأزمة، كانت هناك أزمات ثقة عميقة بين دول الاتحاد الأوروبي. دول مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وبولندا بدأت في التشكيك في سياسة الاتحاد تجاه روسيا، خاصة بعد تزايد التوترات مع أوكرانيا. بينما رفضت بعض الدول مثل المجر وسلوفاكيا تقديم دعم عسكري لأوكرانيا، اتهمت إيطاليا وفرنسا برلين بالخيانة في دعم سياسة مكافحة روسيا. هذا التحول في مواقف الدول كشف عن هشاشة التضامن داخل الاتحاد الأوروبي، وأدى إلى تفكك سياسي غير مسبوق. في عام 2025، بدأ الأوروبيون في إدراك أن “الحديقة المزهرة” التي بناها الاتحاد الأوروبي بدأت تتحول إلى ساحة للصراع الداخلي. القوانين الأوروبية التي كانت تدافع عن التماسك والوحدة بدأت تنهار، ليحل محلها “شريعة الغاب” حيث أصبحت كل دولة تبحث عن مصالحها الخاصة. وفقدت دول الاتحاد ثقتها في بعضها البعض بشكل كبير، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى التشكيك في مستقبل الاتحاد.
الخيبة الألمانية: برلين في مأزق
بينما كانت النخب الأوروبية تصارع هذه التناقضات، كانت ألمانيا في مأزق كبير. الحكومة الألمانية، بقيادة المستشار أولاف شولتز، كانت تحاول الحفاظ على ماء وجهها في ظل التدهور الاقتصادي الناتج عن نقص إمدادات الطاقة. ورغم محاولات التقارب مع الولايات المتحدة لتأمين بدائل للغاز الروسي، لم تتمكن برلين من استعادة ثقة جيرانها أو استقرار اقتصادها.
عودة ترامب وتأثيرها على الوضع الأوروبي
وبينما كانت أوروبا تعيش أزمة اقتصادية وسياسية، كانت العودة المحتملة لترامب إلى البيت الأبيض تشكل تهديدًا إضافيًا. بالنسبة لإدارة ترامب، كان تفجير نورد ستريم يُعتبر فرصة لتفكيك إرث الرئيس بايدن، بل وأداة للضغط على أوروبا لإخضاعها لمصالح واشنطن. فقد رأى ترامب أن الموقف الأوروبي هو مفتاح السيطرة على السوق الأوروبية عبر الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، مما يجعل أوروبا في وضع ضعيف أمام أمريكا.
التوجه التحليلي المستقبلي
إن تداعيات تفجير نورد ستريم أو “خط الشمال” كما تحاول روسيا تصويره، ستكون مشكلة عميقة وطويلة الأمد على الاتحاد الأوروبي. فمن المحتمل أن تشهد الدول الأوروبية تغييرات كبيرة في سياساتها الداخلية والخارجية. كيف سيعيد الاتحاد الأوروبي هيكلة سياساته لمواجهة هذه الانقسامات الداخلية؟ هل سيعيد التأكيد على التماسك الاقتصادي والسياسي بين دوله أم أن هذه الأزمة ستؤدي إلى مزيد من التفكك؟ في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية، سيكون من الضروري على الاتحاد الأوروبي البحث عن طرق جديدة للتعاون وتوحيد رؤيته في التعامل مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا. هل ستؤدي هذه الأزمة إلى تحول في العلاقات مع واشنطن التي تزداد هيمنتها على السوق الأوروبي من خلال الغاز الطبيعي المسال؟ وهل ستكون هذه بداية لتحولات أوسع في السياسة الدولية للاتحاد الأوروبي؟
تهديد الوحدة الأوروبية
في ظل ما حصل من تفجير لخطوط الأنابيب نورد ستريم، ورغم أن معظم دول الاتحاد الأوروبي تتجنب الإشارة إليه بشكل مباشر، باتت الدول الأوروبية تعاني من تداعيات فقدان الغاز. وقد كشف هذا الغياب عن انقسام داخلي غير مسبوق في القارة. هذا الهجوم الموجه لم يكن مجرد تحطيم لخطوط أنابيب الغاز، بل كان له أثر مدمر على هيكل الاتحاد الأوروبي نفسه. فقد تمزق الإجماع الأوروبي، وأصبحت دول الاتحاد تتصارع فيما بينها بدلاً من العمل سويا في مواجهة التحديات المشتركة. إن ما كان يُفترض أن يكون اتحادًا قويًا ومتماسكًا قد تحول إلى ساحة للصراع السياسي والاقتصادي، حيث فقدت دول الاتحاد الأوروبي ثقتها ببعضها البعض، مما يهدد استقرار القارة على المدى الطويل.
إذن، روسيا تحاول القول بأن تفجير خط الأنابيب في البحر الأبيض المتوسط سيعمق الخلاف بين دول الاتحاد الأوروبي، مما سيؤدي إلى تفكك الوحدة الأوروبية. فهل سيحدث ذلك كما تراهن روسيا؟ أم أن الاتحاد الأوروبي أقوى وأمتن من رهانات روسيا للخروج من مأزقها في الحرب المستمرة مع أوكرانيا؟


