الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

تفكك النظام الدولي: من الثنائية القطبية إلى أحادية أميركا ترامب 1945-2026

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

يُعرَّف النظام الدولي بوصفه نتاجًا تاريخيًا لتوازنات القوة بين الفاعلين الدوليين الكبار، ولأنماط توزيع النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، وللأطر الأيديولوجية والمؤسساتية التي تنظّم العلاقات بينهم. وليس النظام الدولي بنية ثابتة، بل هو كيان متحوّل يتبدّل بتغيّر موازين القوى العالمية. ومن هذا المنطلق، عرف العالم منذ منتصف القرن العشرين

تبدلات كبرى؛ من تعددية أوروبية مهيمنة إلى ثنائية قطبية أميركية-سوفياتية، ثم إلى أحادية أميركية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وصولًا إلى مرحلة راهنة تتسم بالاضطراب والتفكك. من هنا، تسعى هذه الدراسة إلى تتبّع هذا المسار، من نشوء النظام القطبي الثنائي بعد الحرب العالمية الثانية إلى بروز الأحادية الأميركية اليوم بصيغتها الترامبلية.

أولًا: ولادة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية والثنائية القطبية

 شكّلت الحرب العالمية الثانية لحظة قطيعة تاريخية مع النظام الدولي الأوروبي الذي تشكّل منذ القرن التاسع عشر. فقد خرجت القوى الاستعمارية التقليدية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، منهكة اقتصاديًا وعسكريًا، وغير قادرة على الاستمرار في إدارة إمبراطورياتها. في المقابل، برزت قوتان عظيمتان غير أوروبيتين امتلكتا عناصر التفوق الشامل: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وولد بذلك نظام دولي جديد على أنقاض الهيمنة الأوروبية، تزامن مع تفكك الاستعمار الكلاسيكي وبروز عشرات الدول المستقلة حديثًا، ما أعاد رسم الخريطة السياسية للعالم.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، تصدّرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي واجهة النظام الدولي، كلٌّ وفق منطق مختلف. اعتمد السوفيات سياسة المجال الحيوي في أوروبا الشرقية، والانفتاح على دول العالم الثالث مستفيدين من خطاب مناهض للاستعمار والرأسمالية، مقدّمين نظامهم وأيديولوجيتهم الاشتراكية وأنفسهم حليفًا طبيعيًا لحركات التحرر الوطني. أما الولايات المتحدة، فاختارت مقاربة مزدوجة: فمن جهة، تدعيم الفكر الرأسمالي وليبراليتها، وإعادة بناء أوروبا الغربية، عبر تسوية استراتيجية تضمن استقرارها السياسي والاقتصادي (خطة مارشال). ومن جهة أخرى، حافظت على منطق الهيمنة في نصف الكرة الغربي، في امتداد عملي لمبدأ مونرو الذي حصر النفوذ الأوروبي خارج الأميركيتين. وبهذا المعنى، لم يكن النظام الثنائي مجرد توازن قوى، بل كان تقسيمًا وظيفيًا للعالم بين مجالين نفوذ.

ثانيا: الصراع الأيديولوجي وبناء المعسكرين الغربي والشرقي وحروب الوكالة

 سرعان ما تحوّل التنافس بين القوتين العظميين إلى صراع أيديولوجي واستراتيجي شامل. فتوازيا مع مشروع الولايات المتحدة إعادة إعمار أوروبا الغربية، هدفت إلى منع تمدد الشيوعية وترسيخ النموذج الليبرالي الديمقراطي في العالم. وحصل الشيء نفسه في الشرق الأوسط لأهميته لاقتصاد أميركا وحلفائها الأوروبيين ولموقعه الجيوسياسي. في المقابل، عمل الاتحاد السوفياتي على تثبيت أنظمة اشتراكية في أوروبا الشرقية بتبعية كاملة له، ودعم قوى سياسية وحركات تحرر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. ونتج من ذلك انقسام العالم إلى معسكرين متقابلين: شرقي وغربي، لكل منهما منظومته الاقتصادية، وتحالفاته العسكرية، ورؤيته للعالم الذي تحول إلى بؤر صراعات باردة بين الكتلتين الغربية والشرقية.

 وقد اتسمت الحرب الباردة بطابعها المباشر وغير المباشر. ففرض السوفيات السيطرة بالقوة الصلبة داخل المجال الحيوي القريب، فيما فرض الأميركيون نفوذهم عالميا بأدوات وطرق متعددة، عسكرية وغير عسكرية. لكن الصراع لم يأخذ، مع ذلك، شكل مواجهة عسكرية مباشرة بين القطبين، بل تجسّد في حروب الوكالة. فدعمت كل قوة أطرافًا موالية لها، في إطار صراع عالمي على النفوذ والمصالح. وقد سمحت هذه الصيغة بتفادي حرب نووية شاملة، لكنها أدّت إلى حروب مدمّرة في أطراف النظام الدولي دفعت دول العالم الثالث ثمنها.

في كوريا تدخل الاتحاد السوفياتي تسليحا وتخطيطا وتدريبا، وفي فيتنام عبر دعم قدرات الدفاع الجوي وأنظمة الصواريخ، فيما حصلت مصر وسورية على دعم لقدراتهما العسكرية بفيض من المستشارين بعد هزيمة العام 1967. وفي إفريقيا، انغولا وإثيوبيا والصومال وموزنبيق، من خلال تسليح وتمويل ومستشارين، وقوات حليفة تقاتل ميدانيا. وتُعتبر كوبا نموذجا صارخا على رعاية السوفيات لها، اقتصاديا وعسكريا واستخباراتيا، التي أدت إلى تدخل الاستخبارات الأميركية في العام 1961 لإسقاط نظام الرئيس كاسترو، وإلى “أزمة الصواريخ” النووية السوفياتية التي نشرت في كوبا في العام التالي لتشكل الأخيرة أخطر لحظة مواجهة نووية بين العملاقين في مسار الحرب الباردة، إذ كادت القوتين العظميين أن تنزلقا إلى حرب مباشرة، من دون أن تمثّل تلك الأزمة ذروة الصراع كله، الذي عرف محطات تصعيد أخرى، ولا سيما التدخلات السوفياتية في أوروبا الشرقية، وغزو أفغانستان في العام 1979.

في المقابل، خاضت الولايات المتحدة حروب الوكالة بأسلوب أكثر تنوّعًا وأوسع انتشارًا جغرافيًا، جامعة بين التدخل العسكري المباشر المحدود، وتغيير الأنظمة، والدعم العسكري والاقتصادي للحلفاء، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفياتي. ففي كوريا، قادت واشنطن تحالفًا عسكريًا دوليًا لاحتواء التمدد الشيوعي، وفي فيتنام خاضت حربًا طويلة بالوكالة بعد انسحاب الفرنسيين منها، انتهت بهزيمة استراتيجية. وقد هدفت إلى منع سقوط جنوب شرق آسيا في المدار السوفياتي. وباعتبار أميركا الجنوبية مجال نفوذ حيويًا، وفقا لمبدأ مونرو، لا يُسمح بخروجه عن السيطرة، اعتمدت الولايات المتحدة، منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، سياسة الانقلابات والتدخل غير المباشر في أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، بدءًا من غواتيمالا (1954)، مرورًا بتشيلي (1973)، وصولًا إلى نيكاراغوا والسلفادور خلال الثمانينيات، وذلك في إطار احتواء المدّ الشيوعي خلال الحرب الباردة. أمّا في الشرق الأوسط، فمارست نفوذها عبر دعم إسرائيل والتحالف معها عسكريًا وسياسيًا، كذلك مع الأردن ودول عربية خليجية، فضلا عن التدخل غير المباشر في الأزمات الداخلية.

وفيما فضل السوفيات اجتياح أفغانستان نهاية العام 1979، قدم الأميركيون نموذجا صارخًا لحرب الوكالة، حيث دعموا قوى محلية فيها لاستنزاف الاتحاد السوفياتي عسكريًا واقتصاديًا حتى انسحابه منها في العام 1989. وأدّى الاحتلال السوفياتي إلى نشوء بيئة جهادية عابرة للحدود، حول الحرب إلى ساحة استقطاب لمقاتلين متطوّعين من العالم الإسلامي بدعم أميركي–باكستاني–خليجي لمواجهة السوفيات، وبالتالي ظهور تنظيم “القاعدة”. وسمح هذا النمط من التدخل لواشنطن بإدارة صراع عالمي طويل الأمد، وتفادي الحرب النووية، مع نقل كلف المواجهة البشرية والاقتصادية إلى أطراف النظام الدولي، وصولًا إلى تفكك المعسكر الشرقي وسقوط الاتحاد السوفياتي العام 1991.

ثالثا: أنماط التدخل الدولي السوفياتي والأميركي: المجال الحيوي وبؤر الصراع

 غالبًا ما فضّل الاتحاد السوفياتي، ومن بعده روسيا، استخدام القوة العسكرية المباشرة داخل ما اعتبره مجالَه الحيوي القريب. فقد نُظر إلى أوروبا الشرقية باعتبارها عمقًا أمنيًا مغلقًا لا يحتمل التعدد السياسي أو الاستقلال الاستراتيجي عنها. ففرض السوفيات السيطرة بالقوة الصلبة على المجر في العام 1956، وتشيكوسلوفاكيا في العام 1968، انطلاقًا من منطق دفاعي–أيديولوجي يهدف إلى منع الاختراق الغربي، مع وجود عسكري دائم وهيمنة أمنية وسياسية مباشرة. وامتد هذا النمط لاحقًا إلى غزو أفغانستان في العام 1979، كما سبق الذكر، ثم إلى السياسة الروسية في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا سيما التطلع إلى أوكرانيا، كما سنرى بعد قليل.

واعتمد السوفيات، في الوقت ذاته، نموذج الدولة الحليفة والتأثير غير المباشر خارج المجال الحيوي، ولا سيما في الشرق الأوسط، عبر تسليح مصر وسورية، وإيفاد الخبراء والمستشارين إليهما، وتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي، مع ضبط صارم لسقف التصعيد، يجنّب الانزلاق إلى مواجهة نووية مباشرة مع الولايات المتحدة. وقد تمكنت واشنطن من إخراج مصر من تحت عباءة السوفيات في عهد السادات، وجعلها تدور في فلكها، فيما أبقى حافظ الأسد على علاقة بلاده الجيدة بالاتحاد السوفياتي لحاجة الأخير إليه بعد تحول مصر إلى المعسكر الغربي من جهة، مع عدم قطع خطوط الدبلوماسية مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، الذي سهل عليه التدخل في لبنان وتقاسم النفوذ فيه مع إسرائيل (اتفاق الخط الأحمر) بين العامين 1976 و2005.

في المقابل، نظرت الولايات المتحدة إلى نصف الكرة الغربي بوصفه مجال نفوذ تقليديًا، لكنها نادرًا ما ضمّته بالقوة العسكرية المباشرة، مفضّلةً تطوير نموذج تدخّل أكثر مرونة وشمولًا.  فجمعت بين تغيير الأنظمة عبر الانقلابات أو الضغط غير المباشر، كما سبق الذكر، والهيمنة الاقتصادية القائمة على التحكم بمصادر الطاقة، ولا سيما النفط، وبالممرات والمواقع الجيو-استراتيجية في الشرق الأوسط والخليج، فضلًا عن توظيف التحالفات الدولية والقوة الناعمة.

وعليه، لم يكن التباين بين الطرفين في درجة التدخل فحسب، بل في طبيعته ووظيفته ضمن النظام الدولي: فبينما سعى السوفيات والروس إلى حماية مجالهم الحيوي ومنع اختراقه، هدفت الولايات المتحدة، من خلال مزيج من الحروب بالوكالة، والانقلابات، والتدخل العسكري والاستخباراتي المحدود، والهيمنة الاقتصادية، إلى إدارة النظام العالمي، واحتواء الخصوم، ودمج العالم في منظومة ليبرالية تقودها واشنطن.

رابعا: تفكك المعسكر الشرقي: من الثنائية القطبية إلى الأحادية الأميركية

 بدأت أزمة المعسكر الشرقي تتكشّف منذ السبعينيات من القرن العشرين، لكنها بلغت ذروتها في الثمانينيات. فقد عجز الاقتصاد الموجه عن مواكبة التطور الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي الغربي، وتفاقم الركود والجمود السياسي. وقد شكّلت مبادرة الدفاع الاستراتيجي (حرب النجوم) التي أطلقها الرئيس الأميركي رونالد ريغن في العام1983  أحد العوامل المفصلية في إنهاك الاتحاد السوفياتي اقتصاديًا واستراتيجيًا. وهدفت المبادرة إلى نقل سباق التسلح من المجال التقليدي إلى الفضاء، بما فرض على موسكو الدخول في سباق تكنولوجي–عسكري فاق قدراتها الاقتصادية والعلمية والاستجابة لحاجات شعبها.

وفي حين لم يتجاوز الإنفاق العسكري الأميركي في الثمانينيات 5–6% من الناتج القومي، اضطرّ الاتحاد السوفياتي إلى تخصيص ما بين 15 و25%، وربما أكثر، من موارده الاقتصادية لسباق التسلح الذي يُعرف بـ “حرب النجوم”. وبذلك تحول الدفاع الاستراتيجي إلى حرب استنزاف اقتصادية واستراتيجية غير متكافئة، عجّلَت بتفكك اقتصادات المعسكر الشرقي وانهياره، وخصوصا الاتحاد السوفياتي الذي عبّر عنه الرئيس ريغن في العام 1983 بـ: “إسقاط دولة الشر”، وذلك في ذروة التصعيد الإيديولوجي في الثمانينيات ومناخ المواجهة النفسية والسياسية الذي رافق استراتيجية إنهاك الخصم، أكثر من كونه إعلانًا زمنيًا مباشرًا لسقوطه. وقد أدركت القيادة السوفياتية أن مجاراة “حرب النجوم” تتطلب إنفاقًا هائلًا على منظومات تسليح متقدمة، بما فيها الأسلحة النووية المتطورة (ومنها الجيل النيوتروني)، في وقت كان فيه الاقتصاد السوفياتي يعاني أصلًا من الركود البنيوي وضعف الإنتاجية.

وقد شكّلت بولندا وحركة “تضامن” منذ تأسيسها في العام 1980 مؤشرًا مبكرًا على اهتزاز السيطرة السوفياتية في أوروبا الشرقية. ومع إصلاحات غورباتشوف (البيريسترويكا والغلاسنوست)، انفتح الباب أمام تفكك المنظومة الاشتراكية، وصولًا إلى انهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، ونهاية النظام الثنائي القطبي.

خامسا: سقوط الاتحاد السوفياتي: الأحادية الأميركية بين الهيمنة والتردّد (1991-2016)

 أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي عقدٌ من التفوق الأميركي شبه المطلق. فقد أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، وقادت النظام العالمي، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. في المقابل، غرقت روسيا في أزمة انكفاء اقتصادي وسياسي عميقين، تمثلت في تراجع نفوذها الدولي. واتسمت تلك المرحلة بتوسع حلف شمال الأطلسي شرقًا، ما فُهم في موسكو بوصفه تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا. وبرزت الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة القادرة على إدارة النظام الدولي. وقد اتسمت المرحلة الممتدة من إدارة بوش الأب إلى وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة مطلع العام 2017، بنمط من الأحادية الأميركية المتفاوتة، التي جمعت بين التدخل العسكري الواسع أحيانًا، والتراجع المقصود أحيانًا أخرى.

في عهد جورج بوش الأب، دشّنت الولايات المتحدة مرحلة القيادة المنفردة للنظام الدولي عبر حرب الخليج الثانية (1991)، إذ قادت تحالفًا دوليًا واسعًا بتفويض من الأمم المتحدة لطرد الجيش العراقي من الكويت، وكرّست نفسها، منذ ذلك الحين، القوة الضامنة للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ولا سيّما في ما يتعلّق بأمن النفط وتدفّقاته. وتلا ذلك توسيع الانتشار العسكري الأميركي عبر شبكة قواعد دائمة في الخليج العربي (السعودية سابقًا، ثم قطر، والإمارات، والبحرين، الكويت)، وفي مناطق أخرى من العالم، جرى تكريس الوجود العسكري الأميركي باعتباره ركيزة للأحادية الجديدة.

وبلغت تلك الأحادية ذروتها الصدامية في عهد جورج بوش الابن، ولا سيما مع غزو أميركا وبريطانيا العراق في العام 2003، الذي جرى خارج إجماع دولي فعلي، وتحت شعار “الحرب الوقائية” بذريعة امتلاك العراق “أسلحة الدمار الشامل”. ومثّل هذا الغزو التعبير الأوضح عن الأحادية القسرية واستخدام القوة العسكرية، بهدف إعادة تشكيل نظام سياسي إقليمي بالقوة، مع ما ترتب على ذلك من اختلالات بنيوية في الشرق الأوسط.

وبعد ذلك، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة هندسة العراق عبر نموذج مفروض من الخارج، بتفكيك مؤسساته وجيشه، تزامنا مع ارتفاع كلفة احتلاله، اقتصاديا واستراتيجيا وبشريا، وتحوله إلى عبء استراتيجي، ما انتهى بالانسحاب من العراق في العام 2011، في واحدة من أبرز إخفاقات الأحادية الأميركية. وقد فتح هذا الفراغ المجال أمام تعاظم التدخل الإيراني، وأسهم في إضعاف الدولة وتهيئة البيئة لظهور تنظيم داعش عام 2013.

في المقابل، شهد عهد باراك أوباما عودة إلى أحادية متحفّظة، برزت بالاتفاق النووي مع إيران (2015) بوصفه نموذجًا لاستخدام الدبلوماسية والضغط الاقتصادي بدلا من الحرب. وتم الانكفاء النسبي عن التدخل العسكري المباشر في الأزمة السورية، والاكتفاء بإدارة الأزمة من بعيد، ما أفسح المجال أمام روسيا للتدخل العسكري المباشر في سورية في العام 2015، واستعادة دور دولي فاعل نسبيا في الشرق الأوسط.

هكذا، لم تختفِ الأحادية الأميركية بين 1991 و2016، لكنها تحوّلت من هيمنة عسكرية مباشرة إلى قيادة متردّدة، تجمع بين القوة الصلبة، والدبلوماسية، والعقوبات، والتحالفات، من دون استعداد دائم لتحمّل كلفة التدخل الشامل. وقد مهّد هذا التردّد البنيوي الطريق أمام صعود قوى أخرى، ولا سيما روسيا، وفتح المجال لوصول الأحادية الترامبلية لاحقًا بصيغة أكثر تصادمية.

سادسا: ترامب من قيادة النظام الدولي إلى ردع الخصوم والحلفاء

مثّلت مرحلة دونالد ترامب في رئاسته الأولى منذ مطلع العام 2017، انعطافًا في السياسة الأميركية. فبدل قيادة نظام دولي ليبرالي متعدد الأطراف، تبنّت الولايات المتحدة سياسة شعبوية انفرادية ببعد انتخابي تقوم على شعار “أميركا أولًا”. واتسمت هذه المرحلة بالانسحاب من اتفاقات دولية، وإضعاف مؤسسات أممية إنسانية واجتماعية متعددة الأطراف، والاعتماد على منطق القوة والصفقات الثنائية. وبذلك، تحوّلت الأحادية الأميركية من قيادة للنظام العالمي إلى هيمنة صدامية، ما أسهم في زيادة الاضطراب الدولي. ولم تعد روسيا ما يخيف الولايات المرحلة، كما كانت في أثناء الحرب البادرة، كما لم يعد الاتحاد الأوروبي، العاجز دوليًا، يمتلك قرارًا موحَّدًا، في حين برز عملاق جديد في آسيا، هو الصين، ليس لمواجهة الولايات المتحدة عسكريا، بل كقوة اقتصادية عالمية، تجاريا واقتصاديا وتكنولوجيا تتوسع في مناطق النفوذ الأميركي.

ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، اتّجه هذا النهج إلى مزيد من التشدد والاتساع، إذ أُعيد إطلاق الصراع التجاري مع الصين وتوسيعه، وتكثيف الضغوط على شركاء تقليديين وحلفاء اقتصاديين، ضمن رؤية حمائية ترى في التجارة العالمية أداة لإعادة تكريس الهيمنة الأميركية وجعل الولايات المتحدة “سيدة النظام الاقتصادي العالمي” .وترافقت هذه السياسة مع تشديد غير مسبوق في سياسات الهجرة، حيث باتت الحدود والهجرة عنصرًا مركزيًا شعبويا في تعريف الأمن القومي والهوية السياسية الداخلية، والنفوذ السياسي الانتخابي.

في الوقت ذاته، عاد خطاب التوسّع الجيوسياسي والصفقات الإقليمية إلى الواجهة، من خلال طرح أفكار صادمة، مثل الاهتمام بالاستحواذ على غرينلاند وضم كندا بعد انحسار الثلوج في القطب الشمالي، كانعكاس لإعادة تعريف العلاقة مع الجوار المباشر، ليس باعتبارها سياسات تقليدية سهلة التنفيذ، بل كأدوات ضغط تفاوضي تعبّر عن فلسفة سياسية ترى العالم ساحة صفقات لا منظومة قواعد. وعلى المنوال نفسه، مارس ترامب سياسة التصعيد المباشرة في أميركا الجنوبية، على بنما في ملف قناة قناتها المائية، مطالبًا بمعاملة تفضيلية لعبور البضائع الأميركية وخفض الرسوم، بذريعة الأحقية التاريخية والأمن التجاري، مقترنًا بقلق أميركي معلن من تنامي النفوذ الصيني في محيط القناة. وقامت سياسته على منطق الأحادية القائم على إعادة التفاوض القسري وانتزاع المكاسب عبر الضغط السياسي والاقتصادي.

وشكّل التعاطي مع فنزويلا نموذجا لنبرته التهديدية العالية، والسعي إلى فرض تغيير سياسي عبر الضغط والعقوبات واستخدام القوة العسكرية المباشرة. وبلغ هذا المسار ذروته مطلع العام 2026، حين قامت واشنطن بتنفيذ عملية عسكرية خاطفة انتهت بالقبض على رئيسها مادورو ونقله لمواجهة اتهامات في الولايات المتحدة، وسط نقاش واسع حول الدوافع التي خالط فيها الاعتبار الأمني (المخدرات/النفوذ) بالاعتبار الاقتصادي، ولا سيما إعادة فتح قطاع النفط والمعادن أمام مصالح وشركات أميركية. واستخدام ترامب تلك “الصدمة” لتوجيه رسالة ردع لكل من يتحدّى المصالح الأميركية في نصف الكرة الأرضية الغربي.

وبالمنطق الترامبي، امتدّت مقاربة “الصفقة-الردع” إلى الحرب الأوكرانية، حيث سعت إدارة ترامب إلى تسريع مسار تفاوضي يُقدَّم بوصفه “صناعة سلام”، بالتوازي مع ترتيبات أمنية واستحواذ روسيا على أراضٍ أوكرانية، مقابل ضمانات تُناقش مع الحلفاء الأوروبيين لمرحلة ما بعد أي وقف لإطلاق النار. وهذا يعكس محاولة الجمع بين إيقاف الاستنزاف وبين تثبيت نفوذ أميركي في هندسة التسوية وشروطها، ولو كان على حساب أوكرانيا.

أما في الشرق الأوسط، جاءت لحظة سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، بتنسيق أميركي-تركي، ثم تعيين أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا مطلع العام الجديد، لتشير إلى تغييرات داخلية وإقليمية عميقة تجاوزت قدرة أي طرف خارجي على التحكم الكامل بمسارها، حتى لو سعت واشنطن إلى توظيفها ضمن خطاب “إنهاء محور الممانعة”، قيادة وأذرعا، وإعادة ترتيب الإقليم. وقد سعى ترامب إلى تقديم نفسه بوصفه “صانع سلام بالقوة”، بربط إنهاء النزاعات بصفقات كبرى مريبة تعيد ترتيب الإقليم وفق منطق النفوذ والمصالح، لا وفق مسارات دبلوماسية تقليدية. وفي هذا الإطار، قدّم نفسه راعيًا لاتفاق/خطة لوقف حرب غزة في خريف 2025، تزامنا مع غض الطرف عن انتقال سياسة نتنياهو من قتل الفلسطينيين بالألاف، بالقنابل والتجويع والمرض والتهجير، إلى سياسة قتلهم في خيم النزوح، تحت المطر والبرد القارس، بعدما لم يعد القتل في البيوت المدمرة ممكنًا. وقد حظيت خطة ترامب بإطار أممي عبر قرار في مجلس الأمن، بما عزّز صورته كـ “وسيط وقائد”، لا مجرد الداعم من بُعد.

وفي المقابل، لم يتردد ترامب في الانتقال من خطاب “الردع” إلى الفعل العسكري المباشر حين أعلنت إدارته في حزيران 2025 تنفيذ ضربات أميركية على ثلاث منشآت نووية إيرانية بالتنسيق مع إسرائيل، وقدّمها ترامب بوصفها “تحطيمًا” لقدرات التخصيب وفرضًا لـ”السلام عبر القوة”. وجاءت تصريحاته بدعم الانتفاضة الشعبية في إيران ضد النظام القاهر تجاه أحداث كانون الثاني/يناير ترجمة للأحادية التي يصمت قادة العالم عنها أو  يستنكرون فقط.

سابعًا: الاستنتاج

صحيح أن سعي ترامب إلى الأحادية أو “العالمية يبقى في معظمه خطابيًا أو انتقائي التطبيق، إلا أن ضعف “الأعداء والحلفاء”، وكذلك تغييب دور مجلس الأمن، يطلق مخططات الرئيس الأميركي على فرض التحولات السياسية في كل مكان من العالم. وفي المحصلة، تقوم فلسفته تجاه العالم على أحادية غير مريحة للجميع: أحادية تزعج الخصوم، وتربك الحلفاء، وتُحدث انقسامًا حادًا في داخل الولايات المتحدة نفسها، بين من يرى فيها استعادة للسيادة القومية، ومن يعدّها تقويضًا لدور أميركا القيادي التقليدي. وهكذا، لم تعد الأحادية الأميركية في عهد ترامب مشروعًا لنظام عالمي بديل، بل إدارة صدامية لعالم مضطرب، تُفاقم أزماته بقدر ما تسعى إلى استثمارها. وبهذا المعنى، لا تمثّل الأحادية الترامبية مجرد تشدد ظرفي في السياسة الأميركية، بل انتقالًا بنيويًا من منطق قيادة النظام الدولي إلى منطق ردع الخصوم والحلفاء معًا، وهو ما يفتح الباب أمام بحث آثار “السلام بالقوة” من غزة إلى أوكرانيا، ومن غرينلاند إلى كندا، ومن بنما إلى فنزويلا، ومن إيران إلى فلسطين، وحدود هذا النهج في عالم متعدّد الأزمات. حتى أن هوس ترامب بالعالمية، جعله يبدأ في التفكير من الان بطريقة غير دستورية لرئاسة ثالثة.

https://hura7.com/?p=73167

الأكثر قراءة