الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

نتنياهو “اليهودي المُتشدّد” يعترف بعظمة السيّد المسيح

جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس

ليس من باب الدفاع عن “إسرائيل”، ولا من موقع التبرير لسياسات بنيامين نتنياهو، إنّما من منطلق قراءة واقعيّة لا تخضع لابتزاز العواطف ولا لضجيج الاتهامات الجاهزة. فالحقيقة، مهما كانت مُزعجة، لا تُقابل بالهروب، ولا تُطمس خوفاً من نعوت مستهلكة كـ”عميلة” أو “صهيونية”، لأنّ تسخيف النقاش لا يصنع وعياً ولا يبني موقفاً.

لقد أحدث خطاب نتنياهو الأخير حالةً من الاضطراب، خصوصاً عند مقارنته بين جنكيز خان وسيّدنا يسوع المسيح. وسرعان ما انحدر النقاش لدى البعض إلى مستوى الابتزاز العاطفي، فاستُخدم التصريح كأداة لمهاجمة كل مسيحي لا ينسجم مع مشروع “ولاية الفقيه”، وكأنّهم يريدون القول: “انظروا يا مسيحيين، هذا من تدّعون معارضته لإيران يهين معتقدكم”.

وهنا تتجلّى السطحية بأوضح صورها، إذ يُراد اختزال العالم بخيارين متقابلين، إمّا أن تكون مع الجمهورية الاسلاميّة في إيران أو مع إسرائيل، وكأن الوقوف ضدّ الاثنين معاً ضرب من الخيال.

ففي مضمون حديثه، سعى إلى ترسيخ فكرة أن الشرّ، كما تجسّد في شخصيّة جنكيز خان، كان أشدّ تأثيراً من الخير الذي مثّله المسيح، محاولاً استمالة الرأي العام عبر خطاب انتقائي، يلمّح فيه إلى أن شريحة كبيرة من المسيحيين في لبنان تقف إلى جانب “الخير” في مواجهة “حزب الله، الذي يقدّمه كرمز للشرّ. غير أنّ هذا الطرح لا يعدو كونه دعاية سياسية مكشوفة، توظّف الرموز الدينية لخدمة سرديّات آنية.

غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ هذا الخطاب نفسه، على الرغم من انحيازه، يتضمّن إقراراً ضمنياً من يهودي متشدّد بأنّ السيد يسوع المسيح كان رمزاً للخير والسلام. وهذه النقطة تحديداً غابت عن كثيرين انشغلوا بردود الفعل السطحية، بدل التوقّف عند الدلالات الأعمق، فالمشكلة ليست في الموقف من إسرائيل، إنّما في تحوّل هذا الموقف إلى حالة من الفوضى الفكرية والشعبوية الفارغة.

وللتاريخ شواهده التي لا تُجادل، حين واجه القدّيس يوحنا بولس الثاني من حاول اغتياله، لم ينتصر بالسلاح حينها، بل بالغفران، فحوّل لحظة العنف إلى انتصارٍ أخلاقي، انتهى باعتراف المعتدي بعظمة هذا النهج. تلك هي قوة القيم حين تتفوّق على منطق القوة.

أمّا في ما يتّصل بالرسالة الضمنيّة في خطاب نتنياهو، فهي تقوم على الإيحاء بأنّ مواجهة ما يصفه بـ”الشرّ”، أي إيران، لا يمكن أن تُدار بمنطق المسيح القائم على السلام. وكأنّه، من حيث لا يصرّح، يُقرّ بعجزه عن تمثيل هذا النهج، وبأنّه لا يمكن أن يكون امتداداً له.

وعليه، فإنّ المسيحيين ليسوا بحاجة إلى من يُملي عليهم مفهوم السلام أو يعرّفهم به، فهم، بعد أسابيع قليلة، ينتظرون قيامة سيّدهم يسوع المسيح، تلك القيامة التي تُجسّد، في جوهرها، انتصار الحياة على الموت، والخير على الشر. ومن هذا الرجاء المتجدّد، ينبثق الإيمان بأن لبنان، بدوره، قادرٌ على النهوض، وأنّ الخير، مهما طال ليل الصراع، هو الغالب في نهاية المطاف

https://hura7.com/?p=76422

الأكثر قراءة