جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في تطور لافت في الصراع القائم في الشرق الأوسط، كشفت التقارير الصحفية عن استراتيجيات متعددة الأطراف في التعامل مع إيران، حيث تؤكد إسرائيل على ضرورة استهداف مصادر الدخل الرئيسية لإيران، وخاصة حقول الغاز، باعتبارها جزءًا من استراتيجيتها لإضعاف النظام الإيراني. هذا التحرك يثير القلق على أكثر من صعيد، سواء على مستوى النتائج العسكرية، أو التداعيات الاقتصادية التي قد تعكس بشكل غير متوقع على المنطقة والعالم.
إسرائيل وخطة “انهيار الدولة” الإيرانية
تعتقد إسرائيل أن تفكيك المصادر الاقتصادية الإيرانية، بما في ذلك ضرب حقول الغاز الرئيسية، سيساهم في إضعاف قدرة إيران على تمويل مشاريعها العسكرية والإقليمية، وبالتالي يؤدي إلى ما تسميه “انهيار الدولة” الإيرانية. هذه الاستراتيجية تهدف إلى ضرب الاقتصاد الإيراني في مقتل، خاصة وأن الغاز يعتبر أحد المصادر الرئيسية التي تدير الاقتصاد الإيراني. على وجه الخصوص، كان الهجوم الإسرائيلي الأخير على حقل الغاز “بارس الجنوبي”، الذي يعد أكبر حقل غاز في العالم ويقع على الحدود بين إيران وقطر، بمثابة خطوة رئيسية في هذا الاتجاه. لكن هذه الاستراتيجية، كما يظهر من ردود الفعل الدولية، قد تؤدي إلى تصعيد غير متوقع.
نتائج معاكسة: تصعيد الهجمات الإيرانية
على الرغم من الاعتقاد الإسرائيلي أن الهجمات على البنية التحتية الإيرانية ستؤدي إلى انهيار النظام، حذر العديد من المسؤولين الأوروبيين من أن هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا. ووفقًا لهذه التحذيرات، من المتوقع أن تصعد إيران هجماتها، باستخدام ما تبقى لديها من صواريخ وطائرات مسيّرة، بشكل كبير ضد أهداف في دول الخليج. حيث ضربت إيران مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، وهو مركز رئيسي للطاقة، مما ألحق أضرارًا جسيمة بالمرافق الحيوية. النتيجة هي تصعيد الحرب، وتحويلها إلى “معركة وجودية” قد تمتد إلى مناطق واسعة في الشرق الأوسط.
التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل: خلاف في الاستراتيجيات
على الرغم من أن إسرائيل تتبنى سياسة أكثر هجومية في مواجهة إيران، وتعتبر استهداف حقول الغاز جزءًا من استراتيجيتها العسكرية، يبدو أن هناك خلافًا واضحًا بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن هذا التكتيك. بحسب التقارير الصحفية، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم تكرار هجومه على المنشآت الإيرانية للغاز، مشيرًا إلى أن هذه الهجمات قد تؤدي إلى تصعيد إضافي في المنطقة. في هذا السياق، بينما كانت إسرائيل قد أبلغت الولايات المتحدة مسبقًا بالهجوم، فإن ترامب عبر عن قلقه العميق من التصعيد المحتمل على أسواق الطاقة الدولية، وخاصة أسعار النفط التي قد تتأثر سلبًا جراء الهجمات المتواصلة على المنشآت الإيرانية.
القلق الأمريكي: تأثير على أسعار النفط والغاز
الرئيس الأمريكي ترامب لم يخفِ قلقه من التداعيات الاقتصادية لهذا التصعيد العسكري، خاصة في ما يتعلق بارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية. منذ بداية الصراع، كان يُخشى من أن استمرار الهجمات على المنشآت الإيرانية قد يؤدي إلى نقص حاد في المعروض العالمي من النفط، وهو ما قد يرفع الأسعار بشكل كبير. ووفقًا للتقارير، فإن ترامب كان يسعى جاهدًا للحفاظ على استقرار أسواق النفط العالمية، عبر منع تدمير المنشآت الحيوية التي تعتمد عليها إيران في تصدير الغاز والنفط. هذا القلق دفعه إلى التفكير في استراتيجيات قد تشمل التفاوض مع الدول الأخرى لإيجاد حلول تضمن استمرارية تدفق النفط، مثل تعليق بعض العقوبات المفروضة على إيران بشأن صادراتها النفطية، بهدف تجنب أي زيادة كبيرة في الأسعار خلال الأسابيع القادمة.
التناقض بين الروايتين الأمريكية والإسرائيلية
من الأمور المثيرة للدهشة التي كشفتها الصحافة الأمريكية هو التناقض الواضح بين الروايات الرسمية الأمريكية والإسرائيلية حول الهجوم على المنشآت الإيرانية. ففي حين أعلن ترامب على منصته “تروث سوشيال” أنه “لم يكن على علم” بالهجوم على حقول الغاز الإيرانية، وأشار إلى أن “الولايات المتحدة لم تشارك في الهجوم”، كشفت تقارير أخرى من مصادر إسرائيلية أن الولايات المتحدة كانت على علم بالهجوم قبل وقوعه. هذا التناقض يعكس الفجوة في التنسيق بين الحليفين الاستراتيجيين في مواجهة إيران، حيث يتضح أن إسرائيل تتبع نهجًا أكثر تشددًا وعسكرية في التعامل مع إيران، في حين يسعى ترامب إلى تفادي التصعيد الذي قد يؤدي إلى نتائج اقتصادية كارثية.
مناقشة “الخنق بالغاز”: ضغط متبادل
ما يُسمى “الخنق بالغاز” يشير إلى استراتيجية محاولة تدمير البنية التحتية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، وخاصة تلك المتعلقة بصادرات النفط والغاز. لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الاستراتيجية تؤدي إلى عواقب عكسية؟ في الوقت الذي تهدف فيه إسرائيل إلى إضعاف قدرة إيران على الاستمرار في تمويل أنشطتها العسكرية، فإنها قد تجد نفسها في صراع ممتد مع إيران، التي أصبحت أكثر استعدادًا لاستخدام ما تبقى لديها من أسلحة هجومية. وفي ظل هذه الديناميكية، قد تتحول المنطقة إلى ساحة قتال طويلة الأمد، مع تزايد عدد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي قد تُطال دولًا أخرى في المنطقة، مما يفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية في الشرق الأوسط.
ختامًا: التصعيد ونتائجه
تشير التطورات الحالية إلى أن الشرق الأوسط قد يدخل في مرحلة تصعيد عسكري واقتصادي كبير، حيث يعزز كل طرف استراتيجيته في مواجهة الآخر. على الرغم من أن إسرائيل تأمل في إضعاف إيران بشكل حاسم عبر استهداف حقول الغاز، إلا أن النتائج المحتملة قد تكون عكسية، مما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. من جانبها، تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على استقرار الأسواق العالمية والحد من التصعيد العسكري، مما يعكس فجوة بين مواقف الحليفين الرئيسيين في مواجهة إيران. مع استمرار التصعيد، قد تكون المنطقة على حافة أزمة اقتصادية وعسكرية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.


