جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

دخلت المواجهة الكبرى في أسبوعها الرابع مرحلة “تكسير الهياكل”، حيث انتقل التحالف الأمريكي الإسرائيلي من استراتيجية الاستنزاف إلى محاولة “البتّ الاستراتيجي”. إن الأسابيع القادمة (الخامس والسادس) تمثل الذروة الحرجة التي ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستنزلق نحو “صدام القرن” الشامل أو ستخضع لعملية قيصرية تعيد رسم حدود النفوذ والسيادة في الشرق الأوسط.
■ المسار الميداني: من الجراحة إلى الاستئصال.
تشير المعطيات الميدانية والتسريبات إلى أن الهدف القادم لغرف العمليات المشتركة في “تل أبيب” وواشنطن يتجاوز تدمير المفاعلات، ليشمل السيطرة الفيزيائية على “نقاط الاختناق” الجيوسياسي. التوجه الحالي يركز على عزل طهران بحرياً عبر السيطرة على جزر (خرج، وأبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى)، مما يعني وضع اليد على ٨٠٪ من قدرة تصدير النفط الإيراني. هذا التحول يحول الحرب من صراع صواريخ إلى “حرب جغرافيا سياسية” تهدف إلى تجريد الدولة الإيرانية من أوراق قوتها السيادية وتحويلها إلى كيان محاصر داخلياً.
■ السيناريوهات القادمة: صراع الإرادات الكبرى
تتأرجح المنطقة بين ثلاثة سيناريوهات حاسمة في الأسابيع المقبلة:
١. سيناريو “السكتة القيادية”: تعتمد واشنطن وتل أبيب على عمليات “الرؤوس المقطوعة” لاستهداف الصف الأول من القيادة العسكرية والسياسية، مراهنة على أن غياب “مركز القرار” سيؤدي إلى تآكل الانضباط في أذرع المنطقة، مما يدفع حزب الله والقوى الحليفة إلى الانكفاء للدفاع عن الوجود المحلي بدلاً من الهجوم العمالياتي.
٢. سيناريو “الأرض المحروقة بحرياً”: في المقابل، تُعد طهران لرد “انتحاري” في الأسبوع الخامس، يعتمد على إغلاق الممرات المائية بالألغام الذكية واستهداف منصات الغاز في المتوسط والخليج. الرسالة الإيرانية هنا هي “الكل أو لا أحد”، وهو ما يضع إدارة ترامب أمام اختبار “التضخم النفطي” الذي قد يهدد استقرار الأسواق العالمية.
٣. سيناريو “توسيع العمق”: سيعمل حزب الله على نقل المواجهة إلى مرحلة “شلّ المركز”، عبر استخدام صواريخ فرط صوتية أو دقيقة تستهدف المطارات والموانئ الإسرائيلية، بهدف خلق ضغط شعبي داخلي يجبر نتنياهو على القبول بتهدئة تضمن بقاء الهيكل الأساسي لمحور المقاومة.
■ المواقف الدولية والحراك الدبلوماسي
تتحرك موسكو وبكين في “المساحة الرمادية”؛ فروسيا التي تكتفي بالدعم الاستخباراتي والسيبراني لطهران، تجد في انشغال أمريكا بالشرق الأوسط فرصة ذهبية لترسيخ مكاسبها في جبهات أخرى. أما الصين، فهي اللاعب الأكثر حذراً، إذ تجري اتصالات سرية مع العواصم الخليجية لضمان عدم وصول الحريق إلى منابع الطاقة، وهي تنتظر “لحظة الإنهاك” لتقدم نفسها كراعٍ لصلح تاريخي يضمن مصالحها الاقتصادية.
■ الموقف الخليجي: الحياد المسلح والرهان على “اليوم التالي”
تتبنى دول الخليج استراتيجية “النأي الفعّال”. هي ترفض الانخراط العسكري المباشر وتمنع استخدام أراضيها للهجوم، لكنها في ذات الوقت تدرك أن ضعف النفوذ الإيراني قد يفتح الباب أمام استقرار إقليمي جديد. الرهان الخليجي ينصب على أن تكون هذه الدول هي “المحرك الإعماري” والسياسي للمنطقة بعد انتهاء العاصفة، مع ممارسة ضغوط قصوى لمنع تحويل الحرب إلى صراع “طاقة” يدمر البنى التحتية النفطية.
■ التحديات والنتائج المحتملة
إن التحدي الأكبر يكمن في “فقدان السيطرة”؛ حيث إن أي خطأ في تقدير قوة الرد الإيراني أو المبالغة في أهداف الهجوم الإسرائيلي قد يؤدي إلى حريق لا يمكن إطفاؤه بالوسائل الدبلوماسية التقليدية.
■ النتائج المحتملة تشير إلى أننا أمام “اتفاق ضرورة” قد يولد في الأسبوع السادس تحت ضغط الانهيار الاقتصادي العالمي، أو “تفكك استراتيجي” يغير مفهوم الدول الوظيفية في المنطقة.
المنطقة لا تخوض حرباً عابرة، بل تعيش مخاض ولادة نظام إقليمي جديد تُكتب مسودته بالدم في غرف العمليات. إن الأسابيع القادمة هي التي ستحدد من سيجلس على طاولة المفاوضات ومن سيكون موضوعاً على الطاولة، في ظل سباق محموم بين الحسم العسكري الميداني وبين الانهيار الاقتصادي والسياسي للقوى المتصارعة.


