الأكثر قراءة

توجه زيلينسكي للحصول على أنظمة دفاع جوي…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

نجح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجددًا في تعزيز الالتفاف الأوروبي والدولي حول بلاده، من خلال التركيز على تطوير الصناعة الدفاعية والصاروخية الأوكرانية، وتحويل أوكرانيا إلى مركز للصناعات العسكرية بالتعاون مع عدد من الدول الغربية.

ويأتي هذا المسار في إطار محاولة كييف الانتقال من مرحلة الاعتماد الكامل على المساعدات العسكرية الخارجية إلى مرحلة الإنتاج المشترك وتطوير القدرات الدفاعية الذاتية، بما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة التحديات العسكرية المستمرة. وقد حصل هذا التوجه على دعم سياسي واضح، خصوصًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي عبّر فيها عن إعجابه بما حققه الرئيس زيلينسكي، وذلك بعد فترة طويلة شهدت توترًا في العلاقات بين الطرفين.

وأشارت صحيفة واشنطن بوست في تقرير نشرته بتاريخ 28 يوليو/تموز 2026 إلى أن ترامب أصبح أكثر تعاطفًا مع زيلينسكي بعد أن لفتت انتباهه التطورات التي حققتها أوكرانيا في ساحة المعركة. فقبل عام تقريبًا، كان ترامب، خلال محادثاته الخاصة مع مستشاريه، يرى أن أوكرانيا تخسر الحرب وأن وضعها العسكري يتجه نحو الصعوبة.

إلا أن عوامل عدة دفعت ترامب إلى تغيير نظرته تجاه الرئيس الأوكراني، وفي مقدمتها إصرار زيلينسكي على تحقيق السلام، ولكن من دون تقديم تنازلات تُضعف موقف بلاده، إضافة إلى تمسكه بمواصلة الدفاع عن أوكرانيا في حرب باتت تؤثر في شكل النظام الدولي وتعيد رسم موازين القوى العالمية. كما يخوض زيلينسكي، بالتوازي مع الحرب الخارجية، مواجهة داخلية ضد الفساد والفاسدين، معتبرًا أن إصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز الشفافية يمثلان جزءًا أساسيًا من قدرة أوكرانيا على الصمود وبناء دولة حديثة.

وتعكس هذه العوامل مجتمعة تحولًا في النظرة الأمريكية تجاه كييف، حيث بات الدعم لا يقتصر فقط على المساعدات العسكرية الطارئة، بل يتجه نحو شراكة استراتيجية طويلة الأمد في مجالات التصنيع الدفاعي وتطوير القدرات الصاروخية. وفي هذا السياق، جاء استقبال ترامب لزيلينسكي في البيت الأبيض بهدف تعزيز التنسيق بين البلدين، وبحث مستقبل التعاون في مجال الصناعات العسكرية، بما في ذلك تطوير أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والإنتاج الدفاعي المشترك، وهو ما يمثل مرحلة جديدة في العلاقة بين واشنطن وكييف.

بريطانيا تمنح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج معدات حربية

توجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى المملكة المتحدة، ومنها إلى الولايات المتحدة، في مسعى لتعزيز الدعم الغربي لكييف ونقل التعاون العسكري مع حلفائها إلى مرحلة جديدة. وكان الهدف الأساسي من هذه الزيارات هو التأكيد على أن الدعم الغربي لأوكرانيا لا ينبغي أن يقتصر على تزويدها بالأسلحة وأنظمة الدفاع الجوي فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا منحها حقوق تصنيع هذه الأنظمة والمعدات العسكرية داخل الأراضي الأوكرانية.

وفي هذا السياق، وافق رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام على منح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج نظام الحرب الإلكترونية ستون كلوك، الذي يهدف إلى تعزيز قدرات كييف في مواجهة التهديدات الجوية، ولا سيما من خلال التشويش على أنظمة الدفاع الجوي المعادية والتعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة. ويأتي هذا القرار في إطار التعهد البريطاني بمواصلة دعم أوكرانيا في الحرب الدائرة مع روسيا، وتعزيز قدرتها على تطوير صناعتها الدفاعية.

وقد أوفى رئيس الحكومة البريطانية الجديد، الذي خلف كير ستارمر، بوعده بدعم كييف، إذ كان زيلينسكي أول زعيم أجنبي يجري معه رئيس الوزراء بورنهام اتصالًا مباشرًا بعد توليه منصبه. ويعكس ذلك رغبة لندن في الحفاظ على مستوى مرتفع من التعاون السياسي والعسكري مع أوكرانيا. كما حملت زيارة الرئيس الأوكراني إلى المملكة المتحدة بعدًا سياسيًا داخليًا، إذ كان في استقباله لدى وصوله السفير الأوكراني فاليري زالوزني، الذي يُعد من أبرز الشخصيات المرشحة لخوض الانتخابات الرئاسية المحتملة في أوكرانيا.

ووفقًا لاستطلاعات الرأي، يحتل زالوزني المرتبة الأولى من حيث الشعبية لدى الرأي العام الأوكراني، بينما يأتي زيلينسكي في المرتبتين الثالثة أو الرابعة بحسب بعض الاستطلاعات. وبينما لا تزال طبيعة المحادثات بين الرئيس الأوكراني وسفيره، الذي يطمح إلى أدوار سياسية رفيعة، موضع تكهنات، فإن مضمون اللقاء السياسي لم يُعلن بشكل واضح.

ومع ذلك، فإن زيارة زيلينسكي إلى لندن لم تكن مرتبطة فقط بالملفات السياسية الداخلية، بل ركزت بصورة أساسية على مستقبل التعاون العسكري، إذ تسعى كييف إلى الانتقال من مرحلة تلقي المساعدات الدفاعية إلى مرحلة المشاركة في إنتاج المعدات الحربية، بما يعزز استقلالية قرارها العسكري وقدرتها على مواصلة الحرب طويلة الأمد.

نظام “ستون كلوك” ورهان أوكرانيا على الحرب الإلكترونية

أوضح رئيس الوزراء البريطاني بورنهام أن بلاده ستواصل الوقوف إلى جانب أوكرانيا، مؤكدًا أن روسيا لا ينبغي أن تشك في استمرار الدعم البريطاني لكييف. وكان منح أوكرانيا ترخيص إنتاج نظام ستون كلوك أحد الإجراءات العملية لترجمة هذا الدعم.

ويُستخدم هذا النظام في مجال الحرب الإلكترونية، حيث صُمم للتشويش على أنظمة الدفاع الجوي المعادية وتعطيل قدرتها على تتبع الأهداف. وتقوم المملكة المتحدة بالفعل بتزويد أوكرانيا بهذه الأجهزة، إذ تُستخدم على طائرات مسيرة هجومية أوكرانية، بما يساعد على منع اكتشافها أو تضليل الطائرات المسيّرة الروسية. ووصف بورنهام هذا النظام بأنه من أبرز الابتكارات البريطانية الحديثة في المجال العسكري.

لكن طموحات زيلينسكي لا تقتصر على هذه الصفقة فقط، إذ يسعى إلى توسيع التعاون الدفاعي مع الغرب ليشمل مجالات متعددة، أبرزها الإنتاج العسكري المشترك، وتعزيز ما تسميه كييف الأمن البحري، أي تطوير قدراتها على استهداف الأسطول الروسي بدعم غربي، إضافة إلى الحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة.

الحصول على أنظمة باتريوت أولوية أوكرانية

يُعد ملف أنظمة الدفاع الجوي من أكثر الملفات التي يطرحها زيلينسكي خلال لقاءاته مع الحلفاء الغربيين. ومن المتوقع أن يكون موضوع نقل أنظمة باتريوت للدفاع الجوي إلى أوكرانيا محورًا أساسيًا في محادثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وخلال قمة الناتو في أنقرة في 8 يوليو/تموز، تحدث الرئيس الأمريكي عن أهمية أنظمة الدفاع الجوي، وأعلن إمكانية منح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج منظومات باتريوت. ومع ذلك، فإن كييف والدول الغربية تدرك أن هذه الخطوة لن تمنح أوكرانيا تفوقًا حاسمًا في الحرب الجوية خلال المستقبل القريب.

وأشارت صحيفة التلغراف، نقلًا عن خبراء، إلى أن إنتاج منظومة باتريوت في أوكرانيا قد يتم على مرحلتين. المرحلة الأولى تتضمن تجميع الصواريخ من مكونات جاهزة، بينما تبدأ المرحلة الثانية بعد إنشاء خطوط الإنتاج وتدريب الكوادر اللازمة، وهو أمر قد يحتاج إلى وقت طويل. وتستشهد الصحيفة بالتجربة الألمانية، حيث استغرق إنشاء إنتاج منظومة باتريوت نحو ثلاث سنوات. وفي ظل توقع تعرض منشآت الطاقة الأوكرانية لهجمات خلال فصل الشتاء، فإن زيلينسكي لا يسعى فقط للحصول على تراخيص التصنيع، بل يطالب أيضًا بتأمين إمدادات فورية من أنظمة الدفاع الجوي.

محاولة ربط الحرب الروسية الأوكرانية بالملف الإيراني

إضافة إلى الجانب العسكري، يُتوقع أن يحاول الرئيس الأوكراني تعزيز موقف بلاده أمام الإدارة الأمريكية من خلال ربط الحرب الروسية الأوكرانية بالملف الإيراني. فقد اتهمت السلطات الإيرانية أوكرانيا بمهاجمة سفينة إيرانية في بحر قزوين، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد طاقمها. وردّ زيلينسكي باتهام إيران بـ”العدوان على أوكرانيا”، في إشارة إلى الدعم الإيراني لروسيا في الحرب.

المقترح البولندي لإنتاج باتريوت بشكل مشترك

في سياق دعم القدرات الدفاعية الأوكرانية، اقترحت بولندا رسميًا إنشاء إنتاج مشترك لمنظومة باتريوت. وأعلنت ذلك نائبة وزير الدفاع البولندي ماغدالينا سوبكوفياك-تشارنيكا خلال زيارة لها إلى واشنطن. وقالت إن الاقتراح البولندي يهدف إلى معالجة بعض مخاوف الجانب الأمريكي، موضحة أن الفكرة تقوم على تعاون ثلاثي بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وبولندا.

ويرتبط هذا المقترح بمخاوف واشنطن من احتمال تعرض منشآت إنتاج باتريوت داخل الأراضي الأوكرانية لهجمات روسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدميرها. ومن المتوقع أن يكون هذا الاقتراح أحد الملفات التي ستُناقش خلال لقاء زيلينسكي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبذلك، يسعى زيلينسكي من خلال جولته الغربية إلى الانتقال بالدعم العسكري من مرحلة الإمدادات المباشرة إلى مرحلة التصنيع المشترك، بهدف تعزيز قدرة أوكرانيا على الصمود في الحرب طويلة الأمد، وتأمين منظومة دفاع جوي قادرة على مواجهة الضربات الروسية المستقبلية.

https://hura7.com/?p=82236

الأكثر قراءة