جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشير المعطيات المسربة من مراكز التخطيط العسكري إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبعد اصطدامه بصعوبات ميدانية في تثبيت مواقع جغرافية دائمة في القرى الأمامية بجنوب لبنان، انتقل إلى مرحلة استهداف البنى التحتية وخطوط الإمداد في العمق. الهدف من هذا التحرك هو ممارسة ضغط خارجي مكثف لعزل الساحة الميدانية عن امتداداتها اللوجستية، ومحاولة دفع الدولة اللبنانية نحو القبول بشروط تفاوضية تتضمن حق التدخل الأمني المباشر، وهو ما يواجه برفض سيادي قاطع في بيروت.
في كواليس السلطة اللبنانية، يبرز انقسام حاد حول كيفية التعامل مع هذه الضغوط. فرئاسة الجمهورية تلتزم بموقف يشدد على حصرية الدفاع والسيادة بيد المؤسسة العسكرية والشرعية الدولية، رافضة أي تنازلات تحت وطأة الغارات الخارجية. في المقابل، تبرز داخل الحكومة وجهات نظر متباينة حول جدوى التفاوض المباشر مع إسرائيل؛ حيث ترى قوى سيادية أن هذا المسار قد يوفر حماية دولية للبنان، بينما تعتبر المقاومة ومعها أطراف سياسية وازنة أن التفاوض تحت النار هو محاولة لانتزاع مكاسب أمنية لإسرائيل فشلت في تحقيقها عسكرياً.
ومن هنا، تضع المقاومة شروطاً صارمة للقبول بأي ترتيبات، تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط، وترفض المساس بسلاحها الذي تعتبره الضمانة الوحيدة في وجه الأطماع الخارجية.
على المستوى الإقليمي، تبرز السيناريوهات العسكرية الأمريكية كأحد أخطر احتمالات التصعيد. فإغلاق مضيق هرمز بقرار سيادي إيراني وضع واشنطن أمام خيار تنفيذ الرد الحركي المتناسب لفتح الممر المائي بالقوة. التوقعات تشير إلى أن أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية لإيران ستقابل برد مزلزل من طهران ومحور المقاومة، يتضمن استهدافاً واسعاً للأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة ومنشآت الطاقة، مما يهدد بدخول الإقليم في كارثة اقتصادية وأمنية كبرى.
هذه التداعيات تضع دول المنطقة أمام مأزق الاختيار بين الانخراط في مواجهة شاملة أو البحث عن قنوات تهدئة بعيدة عن الشروط الأمريكية الصعبة.
أما في الداخل اللبناني، فإن التداعيات تتجاوز البعد الميداني لتطال الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالانقسام حول قضايا الحرب والسلم، وشروط التفاوض، ودور المقاومة، يجعل من الساحة اللبنانية عرضة لتأثيرات الصراع الإقليمي المفتوح. ويبرز هنا دور القوى العربية، وخاصة التحركات السعودية الصامتة، التي تسعى لخلق شبكة أمان تمنع انهيار مؤسسات الدولة، مع التأكيد على أن أي استقرار مستقبلي لن يتحقق إلا عبر توافق وطني يحفظ كرامة لبنان ويحميه من التحول إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
في الختام، يظل السؤال معلقاً حول قدرة الدبلوماسية على استدراك الانفجار الشامل. فالمفاوضات التي تجري في قنوات الظل، سواء في القاهرة أو نيقوسيا، تسابق الزمن لإنتاج صيغة تقنية توقف تدحرج النيران، إلا أن النتائج النهائية تبقى رهينة بمدى استعداد القوى الخارجية للتراجع عن شروطها المسبقة، ومدى قدرة المكونات اللبنانية على إنتاج رؤية موحدة تصون السيادة الوطنية بعيداً عن منطق الاتهام والارتهان للخارج.


