جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في مرحلة تتغير فيها موازين الاقتصاد والسياسة العالمية، برزت آسيا الوسطى كمنطقة تحظى باهتمام متزايد من القوى الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي. وجاءت زيارة الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف إلى بروكسل يومي 22 و23 يونيو لتؤكد هذا التحول، حاملةً رسائل سياسية واقتصادية واضحة حول مستقبل العلاقات بين الجانبين، بدءًا من أمن الطاقة والمعادن الحيوية، وصولًا إلى النقل والتعليم وتعزيز التواصل بين الشعوب.
وقبيل وصول توكاييف إلى العاصمة البلجيكية، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين كازاخستان وآسيا الوسطى بأنهما “بوابة عالمية طبيعية”، في إشارة إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة ودورها المتنامي كحلقة وصل بين الشرق والغرب. وقد عكست الزيارة هذا التصور من خلال سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى والاتفاقيات التي تهدف إلى بناء تعاون طويل الأمد بين الاتحاد الأوروبي وأكبر اقتصادات آسيا الوسطى.
تأتي هذه الزيارة ضمن مسار متصاعد من التقارب بين الطرفين. فمنذ توقيع كازاخستان عام 2015 اتفاقية الشراكة والتعاون المعززة مع الاتحاد الأوروبي، شهدت العلاقات تطورًا ملحوظًا، حيث أصبح الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لكازاخستان. ومع تزايد الاهتمام الأوروبي بآسيا الوسطى، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات سياسية مهمة، من بينها عقد أول قمة بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى، الأمر الذي يعكس تنامي أهمية المنطقة في الحسابات الاستراتيجية الأوروبية.
الطاقة والمعادن الحيوية: محور الشراكة الجديدة
لقد احتل أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد موقعًا متقدمًا في المباحثات بين توكاييف وقادة الاتحاد الأوروبي. فقد وقّع الجانبان اتفاقية شراكة استراتيجية في مجالات المواد الخام المستدامة والبطاريات والهيدروجين المتجدد، بهدف تعزيز التعاون في القطاعات الحيوية للتحول الصناعي الأوروبي.
وتملك كازاخستان احتياطيات مهمة من المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات الحديثة، ما يجعلها شريكًا مهمًا للاتحاد الأوروبي في مساعيه لتنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الموردين. ولا تقتصر هذه الشراكة على استخراج الموارد، بل تمتد إلى تطوير تقنيات التكرير، وتحسين عمليات إعادة التدوير، ودعم الابتكار في مجال الطاقة النظيفة.
بظل مبادرة “البوابة العالمية” الأوروبية، وقّعت مؤسسات مالية أوروبية مذكرات تفاهم لدعم مشاريع مرتبطة بالمواد الخام الحيوية، من بينها إنشاء مختبر في أستانا للتحقق من محتويات هذه المواد، بما يعزز الشفافية والثقة في سلاسل التوريد.
الممر الأوسط: طريق استراتيجي بين الشرق والغرب
لم تقتصر المباحثات على قطاع الطاقة، إذ احتل الربط الإقليمي والنقل مكانة بارزة خلال الزيارة. فالممر الأوسط، الذي يربط الصين بآسيا الوسطى مرورًا ببحر قزوين والقوقاز وتركيا وصولًا إلى أوروبا، أصبح أحد المشاريع الاستراتيجية التي تحظى باهتمام الطرفين.
وقد دعمت مبادرة “البوابة العالمية” الأوروبية تطوير البنية التحتية للنقل في كازاخستان، بما في ذلك تحسين الطرق وتعزيز القدرات اللوجستية. كما شهدت الزيارة الإعلان عن استثمارات جديدة في قطاع الشحن والسكك الحديدية بالتعاون مع شركات أوروبية كبرى.
لذلك تسعى كازاخستان إلى ترسيخ موقعها كمركز عبور رئيسي بين آسيا وأوروبا، في حين يرى الاتحاد الأوروبي في تطوير هذا الممر فرصة لتعزيز مرونة طرق التجارة وتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على مسارات محددة.
التعليم والسفر: بناء جسور بين الشعوب
إلى جانب الملفات الاقتصادية، حملت الزيارة بُعدًا إنسانيًا تمثل في تعزيز التواصل بين شعبي الطرفين. فقد اتفق الاتحاد الأوروبي وكازاخستان على إجراءات لتسهيل الحصول على تأشيرات السفر قصيرة الأجل للمواطنين الكازاخستانيين، بما يشجع التبادل الثقافي والأكاديمي والسياحي.
كما اتفق الجانبان على تنفيذ اتفاقية طيران أفقية جديدة تتيح لشركات الطيران الأوروبية تشغيل رحلات إلى كازاخستان وفق قواعد أكثر مرونة، وهو ما قد يسهم في زيادة خيارات السفر وتعزيز المنافسة في قطاع النقل الجوي.
أما في المجال التعليمي، فقد توسعت الشراكات بين المؤسسات الكازاخستانية والبرامج الأوروبية مثل “إيراسموس+” و”هورايزون أوروبا”، بهدف دعم البحث العلمي والابتكار وتطوير مهارات الجيل الجديد.
شراكة تتجاوز المصالح الاقتصادية
تكشف زيارة توكاييف إلى بروكسل عن تحول أوسع في طبيعة العلاقة بين كازاخستان والاتحاد الأوروبي. فلم يعد التعاون يقتصر على التجارة والطاقة، بل أصبح يشمل التكنولوجيا والتعليم والنقل والابتكار والتواصل بين المجتمعات.
وبظل التحديات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل خريطة سلاسل الإمداد العالمية، أصبحت آسيا الوسطى أكثر حضورًا في الاستراتيجية الأوروبية. وتسعى بروكسل إلى بناء علاقات مستقرة مع شركاء قادرين على توفير مصادر بديلة للطاقة والمواد الحيوية، بينما تعمل كازاخستان على استثمار موقعها الجغرافي ومواردها لتعزيز مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية.
وبذلك، تمثل زيارة توكاييف محطة جديدة في مسار طويل من التقارب، حيث تتشكل ملامح شراكة تقوم على المصالح المشتركة، وتربط بين الموارد والابتكار والبنية التحتية والعلاقات الإنسانية. وقد يكون هذا التعاون بداية لمرحلة جديدة تجعل من آسيا الوسطى جسرًا حقيقيًا بين أوروبا وآسيا في القرن الحادي والعشرين.
الخاتمة
في النهاية، لا تبدو زيارة الرئيس قاسم جومارت توكاييف إلى بروكسل مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تمثل خطوة إضافية نحو إعادة رسم موقع كازاخستان في المشهد الدولي المتغير. فبينما يبحث الاتحاد الأوروبي عن شركاء موثوقين لتعزيز أمن الطاقة وتنويع سلاسل الإمداد، تسعى كازاخستان إلى توظيف موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وقدراتها البشرية لتصبح مركزًا مؤثرًا في شبكة العلاقات بين الشرق والغرب.
غير أن نجاح هذه الشراكة سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى مشاريع عملية تحقق منافع متبادلة في مجالات الطاقة النظيفة والنقل والابتكار والتعليم. ومع استمرار التحولات الجيوسياسية العالمية، تبدو آسيا الوسطى أمام فرصة تاريخية لتعزيز حضورها، بينما يجد الاتحاد الأوروبي في كازاخستان شريكًا استراتيجيًا قادرًا على الإسهام في بناء مستقبل أكثر ترابطًا واستقرارًا.
وهكذا، ترسم زيارة توكاييف إلى بروكسل ملامح مرحلة جديدة من التعاون لا تقوم فقط على المصالح الاقتصادية، بل على رؤية مشتركة لدور المنطقة في صياغة التوازنات العالمية المقبلة، حيث يمكن لجسر آسيا الوسطى بين أوروبا وآسيا أن يتحول من مجرد موقع جغرافي إلى شراكة استراتيجية فاعلة.


