الأكثر قراءة

توكاييف يرفض الوساطة في النزاع الأوكراني ويدعو إلى العودة إلى مسار إسطنبول للتسوية السياسية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أعلن الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، خلال لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن كازاخستان لا تسعى إلى لعب دور الوسيط المباشر في المفاوضات المتعلقة بالنزاع الأوكراني، مؤكدًا أن بلاده تفضل الحفاظ على موقعها كدولة تربطها علاقات استراتيجية مع مختلف الأطراف، مع التركيز على دعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات الدولية.

لقاء الرئيس الروسي مع الرئيس الكازاخستاني

التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف في مدينة أومسك الروسية يوم 25 يوليو/تموز 2026، وذلك على هامش منتدى التعاون الإقليمي بين روسيا وكازاخستان. وقبل الجلسة العامة للمنتدى، عقد الرئيسان محادثات ثنائية تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية، ومن بينها الملف الأوكراني.

وخلال اللقاء، أعلن توكاييف أنه لا يعتزم القيام بدور الوسيط في النزاع الأوكراني، مشيرًا إلى أن روسيا قادرة على معالجة القضايا المتعلقة بها بشكل مباشر. وفي الوقت نفسه، رأى أن العودة إلى صيغة مفاوضات إسطنبول قد تشكل أساسًا محتملًا للتوصل إلى تسوية، داعيًا إلى تجميد النزاع والبحث عن مسار تفاوضي جديد.

ويأتي موقف توكاييف في سياق السياسة الكازاخستانية التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقتها الاستراتيجية مع روسيا وانفتاحها على الحوار مع مختلف القوى الدولية. فكازاخستان، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، تسعى إلى لعب دور داعم للاستقرار الإقليمي دون الدخول المباشر في أدوار الوساطة التي قد تضعها في مواجهة حساسيات أطراف النزاع.

كما يعكس اللقاء أهمية آسيا الوسطى في الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأوكرانية، إذ أصبحت دول المنطقة معنية بتداعيات الصراع على الأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. لذلك، يحرص قادتها على المحافظة على علاقات متوازنة مع موسكو والغرب في آن واحد، مع التأكيد على أهمية الحلول السياسية والتفاوضية للأزمات الدولية.

موقف توكاييف

جاءت تصريحات توكاييف خلال اللقاء الذي جمعه بالرئيس الروسي في مدينة أومسك الروسية، حيث ناقش الجانبان ملفات التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية والدولية، وذلك على هامش مشاركتهما في منتدى التعاون الإقليمي. وأوضح الرئيس الكازاخستاني أن بلاده تتابع تطورات الأزمة الأوكرانية باهتمام، لكنها لا ترى نفسها طرفًا قادرًا أو راغبًا في تولي مهمة الوساطة بين روسيا وأوكرانيا.

وأشار توكاييف إلى أن الطريق نحو تسوية النزاع قد يمر عبر العودة إلى الصيغ التفاوضية السابقة، ولا سيما المفاوضات التي احتضنتها مدينة إسطنبول، معتبرًا أن تلك المحادثات تضمنت عناصر يمكن البناء عليها في أي عملية سياسية مستقبلية. وقال إن “تجميد النزاع والعودة إلى صيغة إسطنبول 2.0 ربما يكونان خيارًا واقعيًا”، نظرًا لما اعتبره نتائج ملموسة تحققت خلال تلك المرحلة من الحوار.

العودة إلى اتفاقيات إسطنبول كخيار سياسي

تشير تصريحات الرئيس الكازاخستاني إلى أهمية المسار التفاوضي باعتباره أحد الخيارات الممكنة للخروج من الأزمة، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية وصعوبة تحقيق حسم كامل في الميدان. فالدعوة إلى العودة إلى مسار إسطنبول تعكس رؤية تقوم على استعادة قنوات الحوار السياسي، وإيجاد أرضية تفاهم بين الأطراف المتنازعة، بدلًا من استمرار المواجهة المفتوحة.

وكانت مفاوضات إسطنبول قد شهدت في مراحل سابقة نقاشات حول مجموعة من القضايا المتعلقة بمستقبل النزاع، والأمن الإقليمي، والضمانات السياسية، إلا أنها لم تؤدِّ إلى اتفاق نهائي بسبب استمرار الخلافات بين الجانبين الروسي والأوكراني، وتغير الظروف العسكرية والسياسية. إن طرح توكاييف لصيغة “إسطنبول 2.0” يعكس محاولة لإعادة إحياء فكرة المفاوضات باعتبارها وسيلة لتقليل التصعيد والبحث عن تسوية طويلة الأمد، خصوصًا مع تزايد الدعوات الدولية التي تؤكد أن الحل العسكري وحده قد لا يكون كافيًا لإنهاء الأزمة.

كازاخستان بين موسكو والغرب

تأتي مواقف توكاييف في إطار السياسة الخارجية التي تنتهجها كازاخستان، والتي تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة. فموقع كازاخستان الجغرافي والسياسي يجعلها مرتبطة بشكل وثيق بروسيا من خلال التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والأمن، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تطوير علاقاتها مع أطراف دولية أخرى.

بدوره، أكد توكاييف خلال اللقاء استمرار التعاون الاستراتيجي بين كازاخستان وروسيا، مشددًا على عمق العلاقات بين البلدين. وقال إن روسيا “دولة عظيمة والشعب الروسي شعب عظيم”، مشيرًا إلى أن موسكو قادرة على التعامل مع القضايا المرتبطة بها. وتعكس هذه التصريحات حرص القيادة الكازاخستانية على الحفاظ على شراكتها مع روسيا، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والأمنية، مع تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الدولية الكبرى.

روسيا ترى في المواقف الإقليمية أهمية سياسية

تنظر روسيا إلى علاقاتها مع دول آسيا الوسطى، ومن بينها كازاخستان، باعتبارها عنصرًا مهمًا في الحفاظ على نفوذها الإقليمي. وتمثل العلاقات الروسية الكازاخستانية نموذجًا للتعاون الذي يجمع بين المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية. وتكتسب مواقف الدول المجاورة لروسيا أهمية خاصة في سياق الأزمة الأوكرانية، حيث تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع شركائها التقليديين، في حين تحاول هذه الدول الحفاظ على استقلالية قراراتها الخارجية وتجنب الانجرار إلى صراعات مباشرة.

دبلوماسية الحذر في الأزمات الدولية

إذًا، يعكس موقف توكاييف نهجًا دبلوماسيًا يقوم على الحذر والتوازن، فهو يرفض الدخول في دور الوسيط الرسمي، لكنه يدعم في الوقت نفسه فكرة الحوار والتفاوض.  وهذا يعكس طبيعة السياسة الخارجية للدول المتوسطة والصغيرة التي غالبًا ما تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع مختلف القوى، وعدم الانحياز الكامل إلى طرف على حساب آخر.

ففي الأزمات الدولية الكبرى، تلعب هذه الدول دورًا مختلفًا عن القوى الكبرى، إذ تركز على حماية مصالحها الوطنية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وفتح قنوات التواصل بدل الدخول في مواجهات سياسية مباشرة.

مستقبل المفاوضات الأوكرانية

تبقى إمكانية العودة إلى المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا مرتبطة بمجموعة كبيرة من العوامل السياسية والعسكرية، من بينها تطورات الوضع الميداني، ومواقف الأطراف الدولية الداعمة لكل جانب، ومدى استعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات متبادلة. فإن تصريحات توكاييف لا تقدم مبادرة وساطة جديدة بقدر ما تعيد التأكيد على أهمية المسار الدبلوماسي، وعلى أن أي تسوية مستقبلية تحتاج إلى إطار تفاوضي يراعي مصالح الأطراف المختلفة، ويأخذ في الاعتبار التحولات التي شهدتها الأزمة منذ بدايتها.

من هنا، يمثل موقف الرئيس الكازاخستاني محاولة للحفاظ على دور بلاده كدولة مستقرة في منطقة حساسة، تجمع بين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا ودعم فكرة الحلول السياسية للأزمات الدولية، في وقت لا تزال فيه الحرب الأوكرانية تشكل أحد أكبر التحديات أمام النظام الدولي المعاصر.

الخاتمة

تعكس تصريحات الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف مقاربة دبلوماسية تقوم على الواقعية والحذر في التعامل مع النزاع الأوكراني، حيث ترفض كازاخستان الدخول في دور الوسيط المباشر، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أهمية العودة إلى الحوار والبحث عن حلول سياسية تقوم على التفاوض بدل استمرار المواجهة العسكرية.

إن الإشارة إلى صيغة إسطنبول تمثل محاولة لإعادة طرح فكرة التسوية السياسية باعتبارها أحد المسارات الممكنة لإنهاء الأزمة، خصوصًا في ظل تعقيداتها الدولية وتشابك مصالح القوى الكبرى. فالحرب الأوكرانية لم تعد مجرد صراع بين طرفين، بل أصبحت قضية ترتبط بتوازنات الأمن الأوروبي، والنظام الدولي، ومستقبل العلاقات بين روسيا والغرب.

لذلك، تسعى كازاخستان إلى الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع روسيا، وبين دورها كدولة مستقلة تسعى إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في البيئة الدولية. ويؤكد هذا الموقف أن الدبلوماسية في الأزمات الكبرى لا تعتمد فقط على تقديم المبادرات، بل تقوم أيضًا على إدارة العلاقات والحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة بين الأطراف المختلفة.

وبالتالي، فإن مستقبل الأزمة الأوكرانية سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التفاوض، حيث تظل الدبلوماسية الخيار الأساسي للوصول إلى تسوية تضمن الأمن والاستقرار، ليس فقط للدول المتنازعة، بل للنظام الدولي بأكمله.

https://hura7.com/?p=82077

الأكثر قراءة