جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
في بقعةٍ من هذا العالم، حيث تتواطأ الأرض مع السماء لتنجبا فجراً جنوبياً، يعيش إنسانٌ جُبلت طينته بماء اليقين وسرّ الصبر. هنا، في البيوت الوادعة المعلقة على أكتاف المنحدرات، لا تُقاس الأيام بحركة العقارب، بل بنبض الأفئدة ومواسم العطاء. ثمة فلسفة وجدانية عميقة، تتدفق في عروق هذا الريف كمياه الينابيع الغائرة في جوف الصخر، تُعلم السالكين في دروب الحياة أن الوجود في أصله ثنائية من ضياء وعتمة؛ فلا الضياء يدوم ليعمي البصيرة بالغرور، ولا العتمة تبسط رواقها إلى الأبد لتخنق أنفاس الرجاء. إنها صيرورة إلهية تتبدل فيها الأحوال، ليعقب هجير التعب ظلالُ راحةٍ وارفة، وينبثق من غياهب الوجع الشديد سرورٌ طال انتظاره، يعيد ترتيب الروح المتعبة وينفض عنها غبار الطين.
تنظر إلى هذا الأب الجنوبي، فترى وجهه وقد خطت عليه السنون تراتيل الرضا، وعيناه ممتلئتان بنور المعرفة الخفية. إنه القطب الذي تدور حوله منظومة العائلة؛ يفيض حناناً يرقّ حتى يكاد يلامس شغاف الأفئدة، ويحمل في وجدانه سراً من أسرار اللطف الإلهي. في علاقته بأولاده، وبابنته التي يراها أيقونة روحه وصورة النقاء الأسمى، تتجلى الأبوة كأعلى مراتب السلوك البشري والمحبة النورانية. يسكب في نفوسهم معاني عزة النفس وبناء الكبرياء، ويحثهم على أن يكونوا أقوى من عتب العابرين وظلم القريب. يعلمهم أن كرامة المرء هي محرابه الأول، وأن صون الذات لا يمت إلى الكبر بصلة، بل هو واجب مقدس يستلزم رسم حدود واضحة لحماية النور الداخلي من الانطفاء، والترفع عن اعتذارات الشرح وتكرار التبرير أمام جدران الصمم.
وعلى الرغم من غبار المعارك، وأصوات الدمار والمآسي والأحزان التي تحاول مراراً كسر طمأنينة هذا الريف، يبقى الحب هو المعجزة والدرع الحصين. تمتشق هذه الأسر عبارات الأمل بابتسامة دائمة لا تزول، ابتسامة العائلات العارفة بأن جمال الوجود مشروط بإتقان فن العيش بوعي وسكينة. وسط الركام, يزرعون الياسمين ويفتحون نوافذ قلوبهم مشرعة، ليس لأي عابر، بل فقط لمن يستحق التقدير وصدق الانتماء. يحولون حكي الناس وصخور التحديات إلى أبراج عالية يطؤونها بأقدامهم ليرتقوا نحو النجاح، متجاوزين خيبات الطيبين الذين إذا نفد صبرهم انطووا بصمت مهيب، تاركين وراءهم فراغاً لا يملؤه أحد.
سَكِينَةُ الروحِ فِي فِناءِ القَرْيَةِ
حين تضيق السبل بنبضات الروح، وتغدو الصدور حرجة بجهد المشقة وعناء السفر، تشرعُ القريةُ الجنوبية فضاءاتِ شفائها الروحي وملاذاتها الأدبية العميقة. هناك، تحت دالية الدار العتيقة، وحيث يمتزج شذا الرياحين الجبلية وعطر الأرض المبللة بالندى، يجلس السالكُ مستجمعاً عزيمته، مستعيناً بالصمت الجميل لترميم ما انكسر في أعماق ذاته. إن البرء الحقيقي في هذا الملاذ لا يكمن في المهدئات المادية، بل في التسامي فوق جراح الخذلان، وفي إدراك أن المنع غلافٌ للحماية، وأن العطاء الإلهي آتٍ في وقته الأجمل. ها هنا، يعود المرء إلى توازنه الأصيل، متلمساً طمأنينته في عمق هويته لا في عيون الآخرين، يرقب فجر الانفراج بيقين لا يتزعزع، هاتفاً بملء فؤاده في محراب السكينة: “يا رب”، ليغدو الانعتاقُ من أسر القيود حقيقة، والسلامُ الداخلي بستاناً يزهر في قلب العتمة.


