الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
10.2 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

ثلاثون عاماً هندسات

جان-كلود سعاده

 

جريدة الحرة ـ بيروت

حكاية الانهيار المالي والمصرفي في لبنان لم تبدأ عام 2019، بل انكشفت في خريف تلك السنة بعد ثلاثين عاماً من الألاعيب والهندسات المالية.
كانت بداية هذه الهندسات عندما قرّرت السلطة السياسية والنقدية تثبيت سعر الصرف عند 1507.5 ليرات للدولار الواحد، وتحويل الليرة إلى أداة لجني الأرباح وخلق دولارات وهمية استنزفت السيولة الحقيقية بالدولار، التي كان مصدرها الأساسي تحويلات المغتربين والصادرات اللبنانية.

وقد جعل عجز الميزان التجاري لسنوات متتالية، مع تسارع عمليات تهريب الأموال إلى الخارج، الانهيار مسألة وقت. لكن أرباب المنظومة استمرّوا في الشفط وتهريب الأرباح حتى اللحظة الأخيرة، فحين وقعت الواقعة وجدوا أنفسهم بحاجة ماسّة للخروج من لعبة البوكر التي ابتدعوها وأدمنوها سنوات طويلة، بأي ذريعة ممكنة.

كان الشعار المعلن هو “الحفاظ على الاستقرار”، أما حقيقة ما جرى فكانت هندسات مالية طويلة الأمد حوّلت المالية العامّة والنظام المصرفي إلى ماكينة للاستدانة تمتصّ ودائع الناس وتكافئ المنظومة السياسية – المصرفية. وقد وصف البنك الدولي هذه المنظومة صراحةً بأنها عملية “تمويل بونزي” لا “مالية عامّة”، أي نظام يُسدَّد فيه القديم بالجديد إلى أن يجفّ المصدر وينهار كل شيء. لكن ما فات البنك الدولي هو أن “البونزي” لم يكن سوى رأس جبل الجليد، إذ كانت تدعمه آليات متعدّدة للنهب المنظّم وجني الفوائد الفاحشة والعمولات والسمسرات بالليرة، ثم تحويلها إلى دولارات وعقارات وشركات في الخارج.

ما الذي حصل عملياً؟

بحسب بيان البنك الدولي في 3 آب 2022، استُخدمت المالية العامة في لبنان في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية كأداة لسيطرة ممنهجة على موارد البلاد، ما ساعد على خدمة مصالح نظام اقتصاد سياسي متجذّر. وقد استُخدِم التراكم المفرط للديون لخلق وهم الاستقرار وتعزيز الثقة في النظام المالي الكلي، بما يسمح باستمرار جذب الودائع. وأدى الكساد المتعمَّد طوال العقود الثلاثة الماضية إلى إفراغ الدولة من قدراتها على تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.

فمنذ منتصف التسعينيات، راكمت الدولة عجزاً ودَيناً عامّاً غذّته فائدة مرتفعة بالليرة، بينما تعهّد مصرف لبنان بتثبيت سعر الصرف. وكان ربح المصارف وشركائها من النافذين مزدوجاً: فائدة خيالية بالليرة، ثم تحويل هذه الأرباح نفسها إلى دولارات على سعر ثابت. ومع تضخّم الدين وخدمة فائدته، صار الحفاظ على الوهم يتطلّب دولارات أكثر فأكثر. وهكذا، فإن الركائز التي أعطت الانطباع بالاستقرار لم تكن سوى آلية لتحويل الخسائر بشكل منهجي إلى المجتمع بأسره.

بلغت الألاعيب ذروتها بين 2016 و2018 مع ما سُمّي بـ”الهندسات المالية”، وكان الهدف المُعلن جذب الدولار إلى ميزانية مصرف لبنان وتثبيت الاستقرار عبر عمليّات معقّدة منحت المصارف مكاسب فورية و”فلكية” مقابل ضخّ دولارات طازجة لدى المصرف المركزي. عملياً، قُيّدت أرباح بالليرة كان من المفترض عدم توزيعها، لكن هذه الليرات حُوّلت إلى دولارات حقيقية بالسعر الثابت وخرجت من البلد. وقد سمحت هذه العمليات لمجموعة من النافذين بتحقيق أرباح ضخمة على حساب تآكل احتياطات البلاد من العملات الأجنبية. أمّا الفجوة في احتياطات المصرف المركزي بمليارات الدولارات فكانت قائمة منذ 2015، ولم تُكشف للعلن إلا بعد ذلك بسنوات.

تكفّلت الطُرق المحاسبية الغريبة التي اعتمدتها السلطة النقدية بإخفاء الخسائر الناتجة عن هذه اللعبة. لكن تقرير التدقيق الجنائي لشركة “ألفاريز آند مارسال” (2023) انتقد “سوء الحوكمة ونُظم إدارة المخاطر” في مصرف لبنان، ورصد ممارسات مثل تأجيل الاعتراف بالخسائر وغياب الضوابط على عمليات أساسية. وتُظهر هذه التقارير كيف جرى ترحيل الفجوة وتوسيعها، فيما استمر الوهم إلى أن انفجر لاحقاً.

في عام 2019 توقفت التدفقات، فتبيّن أنّ “الاستقرار” كان قائماً على سرقة الودائع لا على إنتاجية الاقتصاد “المعجزة” التي حاولوا تسويقها. وعندما أقفلت المصارف أبوابها أسبوعين وحصل الذعر الحتمي والتهافت على السحوبات، لم تُقر السلطات السياسية والنقدية “كابيتال كونترول” حازماً وشفافاً وسريعاً لضبط الأزمة وإبقاء العملات الصعبة في الداخل، بل فُرضت قيود عرفية وانتقائية من قبل المصارف بلا أي إطار قانوني. وهكذا حُجزت ودائع المواطنين العاديين، فيما تسلّلت تحويلات المصرفيين والنافذين إلى الخارج.

فما هي طبيعة الجريمة المالية التي حصلت؟

من المؤكد أنها لم تكن “عملية واحدة”، بل شبكة متكاملة من العمليات المالية المشبوهة:

  • تثبيت قسري لسعر الصرف مع فوائد مفرطة جذبت الودائع بدلاً من الاستثمار؛
  • عمليات منظَّمة لخلق ما سُمّي بـ”الدولار المحلي” عبر تثبيت سعر الصرف والإقراض المصرفي وطباعة الليرات، ثم خلط هذه الدولارات الوهمية بالدولارات الحقيقية التي حوّلها المغتربون، ليُعاد جمعها من قِبل النافذين وتهريبها إلى الخارج؛
  • هندسات نقلت الثروة من الجمهور إلى المصارف عبر أرباح آنية ممولة بالخسائر المؤجّلة؛
  • أساليب محاسبية تُخفي الفجوات؛
  • وقيود عرفية بعد الانفجار منعت المودعين من أموالهم، بينما تركت مخارج للنافذين لترتيب أوضاعهم وتهريب ثرواتهم.

فعندما أقفلت المصارف أبوابها، وهرّب النافذون أموالهم، وشحّت الدولارات الحقيقية، وجد المواطنون العاديون حساباتهم عالقة، ولا وجود لدولارات حقيقية لتغطيتها إلّا إذا تحمّلت المصارف ومصرف لبنان والدولة مسؤولياتها وقامت بتسييل جزء من أصولها لتسديد ديونها.

وقد لخّص البنك الدولي هذا المشهد بالقول: “نخب سياسية – مالية أدارت نموذجاً ريعيّاً أطعم نفسه بنفسه إلى أن انتهى الانكشاف الكلّي على حساب المودعين والمجتمع”.

النتيجة معروفة: انهيار قيمة الليرة، هبوط الدخل الفردي والوطني، تضخّم ثروات القلة المحظيّة، تفشّي الفقر بين المواطنين، وتبديد أكثر من 120 مليار دولار من المدّخرات.

أمّا الطريق إلى الخروج من هذه الحفرة فيمرّ عبر ثلاث خطوات واضحة لا لبس فيها:

  • تحقيقات قضائية مستقلة تستند إلى التدقيق الجنائي في جميع الحسابات المصرفية وسجلات العقود العامّة والهندسات المالية لتحديد المسؤوليات الجزائية والإدارية؛
  • توزيع الخسائر بحسب المسؤوليات القانونية؛
  • إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد، بدءاً بالقطاع المصرفي والمصرف المركزي، وإلغاء الامتيازات الريعية التي صنعت الأزمة.

ومن دون ذلك، سيبقى “الاستقرار” كلمة جميلة تُغطّي لعبة قديمة جوهرها: تحميل الخسائر للناس وتوزيع الأرباح على المنظومة.

https://hura7.com/?p=66623

 

 

الأكثر قراءة