المحامي د. جاد طعمه
جريدة الحرة ـ بيروت
لا تنتظر قيادة “حزب الله” الحالية، ولا جمهوره، جلسة مجلس الوزراء المرتقبة اليوم لتفكيك شيفرة موقف الدولة اللبنانية المتأثّر بالضغوط الدولية، ولا سيما تلك الآتية من واشنطن، المكلّفة بالإشراف على اتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة بوساطة أميركية، قادها ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي. علمًا أن معظم المبعوثين الدبلوماسيين يدورون في فلك تحقيق المصالح الإسرائيلية حصراً، تماماً كما هو حال الإدارات الأميركية المتعاقبة.
فخطاب القسم الرئاسي، والبيان الوزاري، واتفاق وقف إطلاق النار الذي تولّى التفاوض بشأنه حليف “حزب الله”، أي رئيس البرلمان اللبناني ورئيس حركة أمل، كانت جميعها نصوصاً مكشوفة المعنى، لا تحتاج إلى كثير من الحنكة لكشف ثغراتها. لذا، فالسؤال الجوهري ليس: “ماذا ستقرر الحكومة اللبنانية اليوم؟” بل: “كيف سيتعامل حزب الله مع قرار سبق أن وافق عليه، وكان عليه توقّع صدوره؟”.
ثلاث حقائق تُفكّك أوراق التمويه
في هذا السياق، يمكن رصد ثلاث وقائع أساسية:
- الضغط الدولي الذي بات واضحاً في ازدواجيته الفاضحة في المعايير.
- “الجمرة” التي يُخفيها شهر آب تحت رماده، بما يحمله من مفاجآت سياسية وأمنية.
- محور المقاومة المنهك، الذي لا يزال من تبقّى له هامش استقلالية فيه يواجه التحديات على مختلف الجبهات.
لا يمكن لأي مراقب موضوعي أن يغفل حقيقة أن المجتمع الدولي، الذي أطلق يد إسرائيل في غزة منذ نحو عامين لارتكاب أبشع الجرائم الإنسانية – من إبادة جماعية وتجويع شعب أعزل، إلى دعم عسكري مفتوح – هو نفسه الذي يفرض اليوم على لبنان وجوب مقاربة مسألة “حصرية السلاح”. المفارقة الساخرة أن واشنطن تزوّد إسرائيل بأحدث الأسلحة النوعية، فيما تُجبر لبنان على نزع سلاح حزب الله، بل وإتلافه، بدل تسليمه إلى مخازن الدولة الشرعية.
هذه الازدواجية لا تعني غياب الضغط، بل تؤكّد أن اللعبة السياسية باتت بلا أقنعة، وأن المطلوب هو استسلام بلا شروط، ودون حتى إخراج لائق يحفظ ماء الوجه لأي طرف.
أما توقيت هذا الضغط المتصاعد، المقرون بالتهديد بإطلاق يد إسرائيل في لبنان، فليس اعتباطياً. إذ يجري التمهيد لاعتراف دولي غير مسبوق بالدولة الفلسطينية في أيلول 2025، ما يجعل شهر آب ساحةً محتملة لمعركة يائسة من جانب إسرائيل وأميركا لـ”قلب الطاولة”، عبر “انتصار عسكري” يأملون أن يُحدث انقلاباً على المسار الدبلوماسي المتنامي ضدهم، وخصوصاً لدى حكومات كانت حتى الأمس منحازة لإسرائيل لكنها صُدمت من حجم الإجرام في غزة. لا يُقصد بذلك العالم العربي، الذي لم يعد أحد يقيم له وزناً، بل شعوبه المنتفضة انتصاراً للإنسانية.
في هذا المشهد، “حزب الله” ليس فاعلاً منفرداً، بل يعود ليُستَخدَم كورقة في صراعٍ أوسع. أما الرهانات على تبدّل الموقف الدولي تجاه الحزب، فمجرد وهم. فـ”المساعدات الإنسانية” للبنان معلّقة، على الأقل حتى ما بعد انتخابات 2026 النيابية، في محاولة لـ”كسر شوكة الحزب”. وقد كشفت عن ذلك إشارات دبلوماسية عديدة، تُظهر مناورةً لكسب الوقت، فيما كانت نتائج الانتخابات البلدية مؤشراً مقلقاً للأسرة الدولية، بسبب استمرار الحاضنة الشعبية للحزب، وهو ما رفع منسوب التهديدات الموجّهة إلى الحكومة اللبنانية.
بين إيران ولبنان: انعكاسات الضربة الصهيو-أميركية
من جهة أخرى، لا بد من التنبه لتبعات الضربة العسكرية الصهيو-أميركية على إيران، والتي انتهت دون إسقاط النظام، على عكس ما حصل مع النظام السوري. فإن كان الهدف الاستراتيجي هو تفكيك البنية اللوجستية لحزب الله، فذلك يجري عبر:
- فوج العملاء المحليين
- اختراقات استخباراتية تعتمد الذكاء الاصطناعي
- ضغوط متعددة تُمارس على النظام الإيراني بغرض تقديم تنازلات لضمان بقائه.
كل ذلك جرى وسط تحديات إقليمية متلاحقة فرضت قيوداً شديدة على “محور المقاومة”، وأضعفت هامش حركته. وقد عكست تصريحات بعض قيادات “حزب الله” إدراكاً حقيقياً لهذه التحديات، وإن حاولوا الحفاظ على الخطاب المبدئي في مواجهة تعقيدات المرحلة.
أما الاحتفاظ بقوة عسكرية “مدخَّرة”، فلا يُبرّر استخدام التهديد أو الترهيب في معركة سياسية داخلية، حتى لو اختلفت الرؤى جذرياً مع الشركاء في الوطن. فكل الحروب – بما فيها السياسية – معارك كرّ وفرّ، والانتصار فيها لا يُقاس فقط بالنتائج الظاهرة.
ولا ضرر في الاعتراف بأن المعركة السياسية خُسرت، منذ لحظة القبول باتفاق وقف إطلاق النار، والالتزام التام به، رغم الخروقات اليومية من الطرف الآخر.
٧ أيار شبحٌ يجب ألّا يعود
كثير من التحليلات تتوقّع تكرار سيناريو 2008 (اجتياح بيروت)، لكن اتخاذ قرار مماثل اليوم سيكون بمثابة انتحار مزدوج، تغيب عنه كل مقوّمات الحكمة. فمن الناحية العسكرية، ترك غياب الأمين العام السابق لحزب الله السيّد حسن نصر الله أثراً بالغاً في الخطاب والتأثير، في ظلّ ضعف ملحوظ للقيادات البديلة، ما من شأنه تحويل أي مواجهة محتملة إلى فوضى مفتوحة. أما من الناحية السياسية، فإن قراراً كهذا قد يُعيد تصنيف الحزب في الوعي العام من “قوة مقاومة” إلى “فاعلٍ مسلح داخلي”، ما يُضعف شرعيته حتى في أوساط مناصريه.
وعلى المستوى الوطني، فإن فتح ثغرة أمام إسرائيل لتهجير الناس وتدمير لبنان مجدداً، وصولاً إلى اتفاقية مُذلّة جديدة لوقف إطلاق النار، لن يكون بأي حال من الأحوال انتصاراً للمقاومة، بل هدية مجانية لإسرائيل.
وعليه، يجب على القيادة الجديدة أن تُدرك أن “المكابرة ليست شجاعة، والانتحار ليس بطولة.” إنها تواجه خياراً مصيرياً: إما التمسّك بمنطق المواجهة الشاملة مع تبعاتها غير المحسوبة، أو الانخراط في عملية إعادة إنتاج دورها ضمن مؤسسات الدولة.
المقاومة وطنية… لا حزبية
إذا كان لا بد من الاستفادة من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها “حزب الله” سابقاً، فإن خيار احتكار المقاومة قد سقط سقوطاً ذريعاً، وقد كشفت تجربة “السرايا الوطنية” هشاشة هذا المشروع.
وفي هذا السياق، يجب التأكيد أن مبدأ المقاومة في لبنان لم يكن يوماً حكراً على “حزب الله”، بل سبقته أطراف عدة في هذا المسار، مثل المقاومة الفلسطينية، الحزب الشيوعي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركة أمل. فالفكر المقاوم يجب أن يستمر، مع “حزب الله” أو من دونه، على أساس وطني خالص، لا بوصاية إيرانية مباشرة، أثبتت التجربة أنها كانت حبلى بتنازلات استراتيجية في لحظات الشدّة.
أما الخيار الثالث في العمل المقاوم، فيعني العودة إلى الأصالة اللبنانية دون تقديم الولاء لطهران. والانفتاح المطلوب اليوم على الغرب والعرب معاً، يجب ألّا يعني الارتماء في أحضان السياسات الأميركية. فقد كان لبنان تاريخياً رافعة للعمل السياسي العربي، نموذجاً وقدوة، إلى أن بدأ يفقد هذا الدور تدريجياً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الحكماء من قدامى المقاومين، بمن فيهم أولئك الذين انشقوا عن أحزابهم بعدما اختارت أن تصبح مطواعة أو متكيّفة مع الأمر الواقع. هؤلاء مدعوّون اليوم للمساهمة في إعادة تشكيل فكر مقاوم منزّه عن التبعية.
الدولة ليست خصماً، والوطن ليس ساحة انتقام
إن جلسة الحكومة المقرّرةو بعد ظهر اليوم ليست محاكمة لحزب الله، بل اختباراً للوعي السياسي والتاريخي لقيادته الجديدة. فالانسحاب من مواقع المواجهة مع الداخل نحو “المشاركة في الخيار الوطني”، ليس استسلاماً ولا يجب تسويقه كذلك أمام الحاضنة الشعبية، بل هو الباب الوحيد لإنقاذ فكرة المقاومة، بدل تحويلها إلى تراجيديا طائفية.
قبل أيام قليلة، رحل عنّا زياد الرحباني، الذي كان دوماً مقاوِماً ونصيراً للمقاومة. وقبل رحيله بساعات، عاد إلينا جورج عبد الله ليتحدث بلغة المقاومين الذين لا يبخلون بالتضحية من أجل الوطن.
إن حقن الدماء اللبنانية يتطلّب تقديم المصلحة الوطنية على أي انتماء حزبي أو عقائدي، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات أو زجّه في معادلات إقليمية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض. فكلنا يعلم أن النظام الإيراني باشر التفاوض بشأن ملفه النووي، في حين كان اللبنانيون يدفعون الدماء والقيادات ثمناً في ساحات المقاومة.
هذه دعوة لجميع اللبنانيين، بمن فيهم المؤيدون للفكر المقاوم، لتوحيد الجهود من أجل حماية لبنان من تداعيات الصراعات الخارجية، والانطلاق من مبدأ أن مصلحة الوطن تعلو فوق كل الخلافات. فالوطنية الحقيقية تقتضي أن نحمي لبنان معاً من طعنات الغدر، سواء جاءت من أعدائه أو من أولئك الذين يدّعون صداقته.
لبنان لم يُخلق ليكون غرفة عمليات لمحور إيراني يلفظ أنفاسه، ولا قاعدة عسكرية للغرب يُحاكم فيها المقاومون. وأقسى ما تعلمناه من تجربتنا، أن
“تحرير الأرض لا يكون باحتلال الدولة، ومواجهة العدو لا تعني خوض حروب بالوكالة”.


