الأكثر قراءة

جمهورية بلا لغة: من بيروت إلى دمشق!

محمد عبد اللطيف

 

جريدة الحرة ـ بيروت

قد تعيش دهراً تحت ظل سلطة لا تفهم ماذا تقول، لا لأنها تتحدث بلغة غير لغتك، بل لأنها ببساطة لا تتحدث أصلاً. لا لغة، لا خطة، ولا حتى إيماءة تدل على اتجاه أو بوصلة. إنها سلطة بلا ملامح، بلا صوت، بلا مشروع. تتكاثر في السراديب، وتتناسل في الزوايا المعتمة، ككائن غريب لا تدري أهو من فصيلة السلاحف أم من سلالة طفيليات لزجة اعتادت العيش على هوامش الأزمات.

في بلدان العالم، تتكلم السلطة. لها لغة، وإن كانت قمعية؛ تعرف كيف تستعرض قوتها، كيف تهدد، كيف تعد وتخلف، أو على الأقل، تعرف كيف تحرك الجنود على الحدود، وتدعو لمهرجان انتخابي، أو تنظم حفلاً شعبياً يُشغل العامة عن الفراغ الكبير.

أما في لبنان، فلدينا سلطة تبدو كأنها نبتت صدفة بين حريق وآخر. أي سلطة لا تمتلك مشروعاً تنموياً ولا برنامجاً واضحاً هي سلطة تثير الشفقة أكثر من الخوف. سلطة لا تعرف إن كانت في المركز أم في الأطراف، لا يُعرف من يصدر القرار فيها، ومن يعطّله، ومن يُلغي ما تبقّى من وهمها. هل هناك فعلاً من يتحكم بها؟ أم أنها مجرد ظلال لأشباح تتقاطع في عتمة العجز؟

منذ سنوات طويلة، والناس تبحث عن خريطة طريق، أو حتى بيان نوايا، أو خطاب يمكن فهمه، أو خطة تتجاوز الأسبوع المقبل. لا شيء. كأنهم يستكثرون على الشعب “أجندة”، أو ورقة مسوّدة منسية على مكتب موظف مغمور.

في جمهوريتنا، فإنك قد تقضي سنوات في محاولة فهم من يحكمك، ولن تصل إلى شيء. حتى لو ألقى المسؤول خطاباً مطنطناً، فلن تفهم ما يقول.

بسهولة تستطيع بناء علاقة مع طائر أو طفل لكن الصعوبة الكبرى تكمن في فهم الإنسان المقموع، المتشظي، المبعثر، الذي يفعل عكس ما يؤمن به، ويؤمن بما لا يعمل به، ويقول ما لا يفكر فيه.

لبنان اليوم يعيش هذا التيه الوجودي: يتنفس في فراغ السلطة، ينتخب ولا يختار، يحتج ولا يغيّر، يشاهد الانهيار ويعتاد عليه، كما يعتاد على انقطاع الكهرباء ونقص الدواء، ووعود النهوض التي لا تنهض.

وفي الجوار، حيث تُجرى “الترقيعات” تحت اسم الإصلاح، نراقب في سوريا نظاماً يُعاد تدويره كسلعة قديمة، بملصق جديد وواجهة مصقولة. نفس الآليات، نفس الدولة العميقة.

نحن نعيش في جمهوريات بلا لغة، حيث اللغة الوحيدة السائدة: أن لا تقول شيئاً… ولا تفعل شيئاً… وتظن أن كل شيء على ما يرام.

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

https://hura7.com/?p=64665

الأكثر قراءة