جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير

إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف نحو مئة موقع في جنوب لبنان خلال ثمانٍ وأربعين ساعة لا يمكن التعامل معه كخبر عسكري عابر. الرقم وحده يكفي ليكشف أن ما يجري لم يعد مجرد خرق موضعي، ولا ردًّا محدودًا على حادث أمني، بل انتقالًا إلى مستوى جديد من إدارة الحرب تحت سقف وقف نار هش، أو بالأحرى تحت غطاء سياسي ودبلوماسي يسمح بتواصل النار فيما تستمر لغة التهدئة في البيانات.
فالجيش الإسرائيلي، عبر متحدثته إيلا واوية، أعلن أنه نفّذ خلال عطلة نهاية الأسبوع سلسلة غارات طالت نحو مئة هدف في مناطق مختلفة من الجنوب، شملت مواقع رصد ومستودعات أسلحة وبنى تحتية قال إنها تابعة لحزب الله. ووفق الرواية الإسرائيلية، فإن هذه المواقع استخدمت لتنفيذ مخططات ضد قوات الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل، كما شملت الغارات بنى تحتية عسكرية إضافية في منطقة صور. وفي المقابل، تحدثت إسرائيل عن إطلاق وسائل جوية معادية وقذائف هاون وطائرات مسيّرة مفخخة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وعن سقوطها قرب مناطق انتشار القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
لكن المعنى اللبناني لهذا الإعلان يتجاوز اللغة العسكرية الإسرائيلية. فحين تعلن إسرائيل استهداف مئة موقع في الجنوب خلال يومين، فإنها لا تقول فقط إنها ضربت بنى عسكرية. إنها تقول، عمليًا، إن جنوب لبنان كله موضوع تحت رصد دائم، وأن القرى والطرق والأطراف والمناطق المحيطة بمواقع الاشتباه تحولت إلى فضاء مفتوح للاستهداف. وفي بلد صغير كلبنان، وفي منطقة مأهولة ومثقلة بالنزوح والدمار والخوف، لا توجد ضربة “نظيفة” بالمعنى الإنساني. كل غارة، حتى حين تُقدَّم كضربة عسكرية دقيقة، تنتج أثرًا مدنيًا: رعبًا، نزوحًا، شللًا، انقطاعًا في الحياة اليومية، وتعميقًا للشعور بأن العودة إلى القرى أصبحت مخاطرة لا قرارًا عائليًا عاديًا.
وقد بلغ التصعيد مستوى خطيرًا رغم تمديد وقف النار. ففي 16 أيار/مايو 2026، قُتل ستة أشخاص على الأقل، بينهم ثلاثة مسعفين، في غارة إسرائيلية على مركز دفاع مدني/صحي في جنوب لبنان، بعد ساعات فقط من الإعلان عن تمديد وقف الأعمال العدائية خمسة وأربعين يومًا. وهذا يعطي صورة مكثفة عن التناقض القائم: وقف النار موجود في الصيغة السياسية، لكنه لا يمنع استمرار الضربات القاتلة على الأرض.
ولم يكن ذلك حادثًا منفردًا. فالأيام السابقة شهدت تصعيدًا واسعًا، إذ أفادت رويترز في 13 أيار/مايو بأن غارات إسرائيلية قتلت اثني عشر شخصًا في لبنان، بينهم طفلان، عشية محادثات أميركية ـ لبنانية ـ إسرائيلية في واشنطن. كما تحدثت أسوشييتد برس عن استهداف سبع سيارات في لبنان، بينها ضربات على طريق رئيسي جنوب بيروت ومناطق قرب صيدا والجنوب الأعمق. وهذا يعني أن التصعيد ليس تفصيلًا عرضيًا، بل جزء من نمط ضغط عسكري متدرج يسبق التفاوض ويرافقه وربما يسعى إلى توجيه نتائجه.
هذه هي خطورة المرحلة. وقف النار قائم في اللغة، لكنه يتآكل في الوقائع. التهدئة تُعلَن من فوق، بينما تنزل الغارات من الجو. المحادثات تُعقد في واشنطن، بينما يدفع الجنوب كلفة اختبار الشروط على الأرض. وهنا يصبح التصعيد العسكري رسالة سياسية بقدر ما هو فعل ميداني. إسرائيل تريد أن تقول إن أي وقف نار لن يمنعها من مواصلة العمل العسكري حين تعتبر أن هناك تهديدًا. وتريد أيضًا أن تفرض على التفاوض معادلة مسبقة: الأمن الإسرائيلي أولًا، حرية الحركة الإسرائيلية ثانيًا، ثم يأتي الكلام عن السيادة اللبنانية والعودة والاستقرار.
أما لبنان، فواقع بين ضغطين. ضغط إسرائيل التي تتصرف كأن وقف النار لا يقيّد يدها، وضغط حزب الله الذي يريد وقف النار من دون أن يقبل بأن يتحول هذا الوقف إلى مسار يستعيد للدولة قرار الحرب والسلم. وبين الاثنين، تقف الدولة اللبنانية أمام امتحان وجودي: هل تستطيع أن تفاوض بوصفها دولة، أم تبقى واجهة تفاوضية لميزان قوى لا تمسك به كاملًا؟ وهل يكون الجنوب جزءًا من السيادة الوطنية، أم ساحة مفتوحة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وبين واشنطن وطهران، وبين حسابات التهدئة وحسابات التعطيل؟
الأخطر أن البعد الإنساني لم يعد تفصيلًا. فبحسب تحديث مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة حتى 11 أيار/مايو 2026، بلغ عدد القتلى في لبنان 2869 شخصًا، والجرحى 8730، مع الإشارة إلى أن 10 في المئة من القتلى نساء. وهذه الأرقام سبقت ضربات 13 و16 أيار، أي أن الحصيلة الفعلية اللاحقة أعلى. هنا لا يعود الحديث عن جنوب لبنان حديثًا عسكريًا فقط، بل حديث عن مجتمع كامل يعيش تحت ضغط القتل والنزوح والخوف وانهيار شروط الحياة اليومية.
كما أن النزوح لم يعد ظرفًا عابرًا أو مؤقتًا، بل صار كتلة اجتماعية كبرى. فقد أفادت رويترز في منتصف نيسان/أبريل بأن أكثر من مليون شخص، أي أكثر من خُمس سكان لبنان، نزحوا بفعل الحرب بين إسرائيل وحزب الله، في بلد هش أصلًا اقتصاديًا ومؤسساتيًا. وهذا يفسر لماذا أصبح البعد الإنساني جزءًا من صلب الأزمة السياسية، لا مجرد نتيجة جانبية للحرب. فالنازحون ليسوا رقمًا في بيان دولي، بل عائلات فقدت منازلها أو تخشى العودة إليها، وأطفال خرجوا من مدارسهم، وكبار سن يعيشون على هامش الرعاية، وقرى معلّقة بين الذاكرة والخراب.
والجنوب، في هذا السياق، يتعرض لتحول وظيفي خطير. فالتقارير تتحدث عن أوامر إخلاء جديدة، وغارات كثيفة، وصعوبة عودة السكان، واستمرار نشاط عسكري إسرائيلي في مناطق جنوبية رغم الهدنة. كما تتحدث بعض التقارير عن إقامة إسرائيل أو سعيها إلى ترسيخ منطقة أمنية أو عازلة في الجنوب، مع تدمير قرى أو أجزاء منها، بما يجعل العودة أكثر صعوبة ويحوّل النزوح إلى خطر طويل الأمد. وهذا هو الخطر الأكبر: ألا يكون التهجير نتيجة مؤقتة للحرب، بل مدخلًا إلى إعادة تشكيل جغرافي وديموغرافي ووظيفي للمنطقة الحدودية.
لذلك، فإن الجنوب ليس خريطة عسكرية فقط. هناك سكان، عائلات، قرى، نازحون، كبار سن، أطفال، مدارس متوقفة، أرزاق مدمرة، بيوت لا يعرف أصحابها إن كانت لا تزال قائمة، وناس يعيشون بين رغبة العودة وخوف العودة. كل موجة قصف جديدة لا تقتل فقط من تصيبهم مباشرة، بل تضرب إمكان الحياة في القرى. وكل إعلان عن عشرات الأهداف المستهدفة يضيف طبقة جديدة من الخوف فوق طبقات سابقة من النزوح والخراب.
والاستهداف يطال المدنيين والمسعفين والبنى اليومية. فقد تحدثت المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن ضربات إسرائيلية أصابت مباني سكنية، وفي بعض الحالات دمّرتها، وقتلت عائلات بكاملها، كما أشارت إلى هجمات طالت مدنيين وعاملين طبيين، معتبرة أن بعض الوقائع قد تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني. وهذا يعني أن أثر الحرب لا يقف عند خط التماس، بل يدخل البيوت والملاجئ والمراكز الصحية وطرق الإسعاف وحركة المدنيين العادية.
كما أن الأزمة الإنسانية تتجاوز القتل والنزوح المباشر. هناك ضغط متزايد على الملاجئ، ونقص في الغذاء والمواد الأساسية، وصعوبة وصول المساعدات، وخطر خاص على النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، وتعطّل واسع لسبل العيش اليومية. وقد تحدثت الأمم المتحدة عن هشاشة وقف النار، واستمرار النزوح المدني، وضغط الخدمات، وتراجع التمويل الإنساني. وهذه العناصر تجعل الحرب أكثر من مواجهة عسكرية: إنها أزمة حماية، وأزمة معيشة، وأزمة كرامة، وأزمة دولة.
لذلك، فإن الحديث عن “مئة هدف” خلال ثمانٍ وأربعين ساعة يجب ألا يمر كرقم في نشرة عسكرية. هذا الرقم يعني أن التصعيد بلغ مستوى بالغ الخطورة. يعني أن وقف النار لم يتحول بعد إلى حماية فعلية للمدنيين. يعني أن الجنوب يتجه إلى نمط جديد من الحرب: حرب منخفضة أو متوسطة الوتيرة، لكنها دائمة الأثر، تستنزف الناس وتمنع العودة وتحوّل القرى الحدودية إلى مناطق معلّقة بين الحياة والفراغ.
في المقابل، لا يكفي أن يرد حزب الله أو من حوله بالقول إن إسرائيل تعتدي، ولا يكفي أن يطالب بوقف النار من دون أن يقدّم جوابًا على السؤال الجوهري: من يملك قرار الحرب في لبنان؟ فإذا كانت الحرب تُخاض من الأرض اللبنانية، وتدفع كلفتها القرى اللبنانية، وينزح بسببها اللبنانيون، فلا يمكن أن يبقى السلاح خارج المساءلة بحجة أنه شأن داخلي. فالشأن الداخلي يصبح شأنًا وطنيًا ودوليًا حين يتحول إلى سبب لاستدراج حرب لا تملك الدولة قرارها ولا تملك وقفها.
من هنا، فإن التصعيد الأخير يكشف مأزقًا مزدوجًا. إسرائيل تستعمل فائض القوة لتثبيت وقائع أمنية جديدة في الجنوب، وحزب الله يستعمل فائض السلاح ليمنع الدولة من امتلاك قرار تفاوضي كامل. وبين فائض القوة وفائض السلاح، تضيع الدولة ويُترك الناس أمام الخوف والتهجير وانتظار المجهول.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدانة الغارات، رغم أن إدانتها واجبة. المطلوب أن يتحول وقف النار من عبارة دبلوماسية إلى نظام حماية فعلي، وأن يتحول التفاوض من واجهة شكلية إلى مسار تستعيد فيه الدولة اللبنانية حقها الحصري في القرار. فلا معنى لوقف نار لا يمنع مئة ضربة في يومين. ولا معنى لمفاوضات لا تملك فيها الدولة الكلمة الأخيرة. ولا معنى للسيادة إذا بقي الجنوب مساحة اختبار بين حسابات إسرائيل الأمنية وحسابات حزب الله الإقليمية.
التصعيد في جنوب لبنان لم يعد مجرد تبادل عسكري محدود، بل تحوّل إلى أزمة إنسانية ووطنية مفتوحة: وقف نار هش، غارات مستمرة، نزوح واسع، استهداف يطال المدنيين والمسعفين، وخطر تحويل مناطق حدودية لبنانية إلى فراغ سكاني طويل الأمد.
جنوب لبنان لا يحتاج إلى إدارة حرب طويلة تحت اسم التهدئة. يحتاج إلى وقف نار فعلي، انسحاب واضح، حماية للمدنيين، عودة آمنة للنازحين، وحصرية لبنانية واحدة في قرار الحرب والسلم. وما لم يحصل ذلك، سيبقى كل إعلان عن تهدئة قابلًا لأن يتحول، خلال ساعات، إلى إعلان جديد عن عشرات الأهداف وعشرات الضربات، فيما يدفع السكان الثمن من حياتهم وبيوتهم ومستقبل قراهم.


