الأكثر قراءة

جنوب لبنان واستراتيجية التفاوض بالدمار

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

يشهد المشهد في الجنوب اللبناني تحولاً ميدانياً وسياسياً بالغ الحساسية، حيث تتصاعد التوترات العسكرية بالتزامن مع تحركات جديدة ترسم ملامح مرحلة قادمة من المواجهة والترتيبات الأمنية، خصوصاً مع الاقتراب من موعد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المرتقبة في روما.

إن قراءة الواقع الميداني وما يرافقه من مواقف للقوى المؤثرة محلياً وإقليمياً ودولياً تكشف عن تعقيدات تتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية لتسهم في صياغة المعادلة الإقليمية المقبلة.

تتداخل التطورات الميدانية بين التصعيد القتالي ومحاولات فرض واقع جغرافي جديد على الأرض، ويظهر ذلك جلياً في التحركات العسكرية حول المرتفعات والتلال الاستراتيجية، وفي مقدمتها مرتفعات علي الطاهر المطلة على مناطق حيوية، حيث تسعى قوات العدو الإسرائيلي لفرض سيطرة عملياتية وإعادة تشكيل الميدان. كما يمتد نطاق العمليات ليشمل القصف والتحركات البرية في العديد من البلدات الجنوبية، بالإضافة إلى استئناف إنذارات الإخلاء واستهداف المنشآت والمرافق العامة والخدمية.

وفي مقابل ذلك، يسعى العدو الإسرائيلي إلى الترويج لما يُعرف بـ “الخط الرمادي”، وهو تموضّع على أراضٍ لبنانية بعمق يصل إلى بضعة كيلومترات من الحدود الدولية، في توجه يعكس رغبة في الانتقال من السيطرة المباشرة المكلفة إلى التموضع الدفاعي المعزز بالقوة النارية والمراقبة. إلا أن هذا التراجع التكتيكي يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بصعوبة تثبيت الحضور في الميدان المفتوح، وتخوفاً من استغلال حركة المقاومة للجمود والتمركز لخلق نقاط استنزاف جديدة.

ويكتسب هذا التصعيد دلالات استثنائية بالنظر إلى توقيته المباشر قبيل انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما، إذ يعتمد العدو الإسرائيلي استراتيجية “التفاوض بالدمار” لفرض واقع جديد قبيل الجلوس إلى الطاولة. يكمن الهدف الأساسي للعدو في تدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية في الجنوب، وتقويض فرص إعادة بناء شبكات الدفاع والاستطلاع لدى المقاومة، محاولاً تحويل السيطرة الميدانية الحالية إلى أوراق ضغط تفاوضية تنتزع بها تل أبيب مكتسبات أمنية واستقطاعاً جغرافياً مرناً لا تتيحه الاتفاقات الدبلوماسية المستقرة.

تتوزع المواقف حول هذا الواقع المعقد على مستويات متعددة؛ ففي الداخل اللبناني، يظهر تمسك المؤسسات الرسمية والقيادة اللبنانية بضرورة الوقف التام للتدمير وإطلاق النار قبل الانخراط في أي مسار تفاوضي استكمالي، مع رفض التفاوض تحت الضغط العسكري واستمرار الخروقات، بالتوازي مع مطالبات سياسية معارضة بمعالجة أصل أزمة السلاح وحصر القرار الأمني بالدولة،

بينما تستمر الحاضنة الشعبية والقوى الداعمة للمقاومة في التأكيد على حق التصدي للتوغل واستهداف الأراضي اللبنانية. أما على المستوى الإقليمي، فيرتبط التصعيد في الجنوب اللبناني ارتباطاً وثيقاً بمسارات المواجهة الشاملة، حيث تنعكس حدة التنافس والضغط المتبادل في المعابر والممرات البحرية على قواعد الاشتباك اللبنانية، وتعمل الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، على تثبيت معادلات الردع وعدم السماح لجانب العدو الإسرائيلي بتغيير قواعد اللعبة بشكل منفرد. ودولياً،

تقود الولايات المتحدة وبدعم من أطراف دولية مساعي دبلوماسية لوقف التدهور وإعادة تفعيل المفاوضات غير المباشرة لتثبيت ترتيبات أمنية مستقرة، غير أن هذا المسار يواجه عقبات جراء اشتراط إسرائيل ترتيبات أمنية مشددة لضمان عودة السكان، ومحاولتها استخدام الضغط الميداني لتحسين موقعها التفاوضي قبل الدخول في جولات حاسمة.

بناءً على المعطيات الميدانية والتحركات الدبلوماسية الراهنة، يمكن استخلاص جملة من التوقعات المستقبلية.

▪︎ أولاً، إن محاولة العدو الإسرائيلي توظيف تدمير المنشآت والضغط على تلة علي الطاهر كأوراق ضغط حاسمة في الجولة الثامنة من مفاوضات روما لن تحقق خرقاً جوهرياً، نظرًا لثبات الموقف اللبناني على رفض انتزاع تنازلات سياسية أو أمنية تحت القصف.

▪︎ ثانياً، إن اعتماد العدو لمفهوم “الخط الرمادي” لن يمنحه أماناً مستداماً، إذ إن فرض حزام أمني جزئي داخل الأراضي اللبنانية سيعيد إنتاج ظروف الاستنزاف الميداني، ويجعل القوات المتمركزة فيه هدفاً مستمراً للكمائن والعمليات النقطية.

▪︎ وأخيراً، سيبقى الوضع الأمني في الجنوب اللبناني رهناً بمسار التفاهمات أو المواجهات الكبرى في المنطقة، ولن يتحقق استقرار ناجز ومستدام إلا من خلال تفاهم شامل يضمن سيادة لبنان ويضع حداً للانتهاكات، ويوفر بيئة آمنة تمنع انفجار الموقف مجدداً.

https://hura7.com/?p=84348

الأكثر قراءة