الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

جنيف ساحة اختبار جديدة لمستقبل الملف النووي الإيراني

جريدة الحرة

خاص ـ تشهد العلاقات بين الحكومة الإيرانية والوكالة الدولية للطاقة الذرية توترا متصاعدا منذ العام 2025، في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية يرتبط مباشرة بملف البرنامج النووي الإيراني وتداعياته السياسية والأمنية. ويقضي وزير الخارجية الإيراني جدول عمل مزدحما في جنيف، حيث تتقاطع مسارات التفاوض الفني مع الحسابات الدبلوماسية الواسعة المرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية فاعلة.

أجرت إيران محادثات رفيعة المستوى مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن النزاع القائم حول طبيعة برنامجها النووي ومدى التزامها بتعهداتها الدولية. وكتب المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، على موقع “إكس” عقب اجتماعه مع وزير الخارجية عباس عراقجي، أن “المناقشات الفنية المعمقة” التي جرت في جنيف يمكن أن تمهد الطريق للجولة المقبلة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. ويعكس هذا التصريح محاولة واضحة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، رغم حجم الخلافات التقنية والسياسية التي لا تزال عالقة.

جهود الدبلوماسية وتوترات عميقة

رافق وزير الخارجية الإيراني وفد من الخبراء النوويين، في إشارة إلى الطابع الفني الحساس للمباحثات. فالقضايا المطروحة لا تقتصر على مستوى التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تمتد إلى مسائل الرقابة، وآليات التحقق، والوصول إلى المواقع التي تطلبها الوكالة. وكان عراقجي قد توجه إلى سويسرا قبل هذه اللقاءات، تحضيرا لجولة تفاوضية مع الجانب الأمريكي، ما يدل على ترابط المسارين الفني والسياسي في آن واحد.

في فبراير 2026، وبعد تصاعد حدة الخطاب السياسي والتهديدات العسكرية التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياق الضغوط الإقليمية، استأنف البلدان قنوات الحوار غير المباشر. وتولى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي مجددا دور الوسيط، مستفيدا من رصيد الثقة الذي راكمته مسقط في أدوار وساطة سابقة بين طهران وواشنطن.

تعد سويسرا كذلك وسيطا محايدا ذا قيمة بالنسبة للحكومة الإيرانية، نظرا إلى تاريخها الطويل في استضافة المحادثات الحساسة واحتفاظها بقنوات اتصال مستقرة مع مختلف الأطراف. غير أن هذه الجهود الدبلوماسية تجري على خلفية توترات عميقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

فقد تدهورت العلاقات بشكل ملحوظ بعد الحرب الإسرائيلية على إيران العام الماضي، والتي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حساسة. وانضمت الولايات المتحدة إلى الهجمات عبر قصف منشآت نووية رئيسية، من بينها محطات تخصيب اليورانيوم. وأعلن ترامب أن هذه المنشآت “دمرت” بالكامل، في تصريح أثار جدلا واسعا حول مدى دقته وتأثيره الفعلي على القدرات النووية الإيرانية.

شكوك إيرانية حول الوكالة الدولية للطاقة الذرية

لا يزال مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح بصورة كاملة في التقارير العلنية. وتعد هذه الكمية ذات أهمية استراتيجية، نظرا إلى أنها تقرب إيران نظريا من العتبة التقنية اللازمة لإنتاج سلاح نووي، إذا ما تم اتخاذ قرار سياسي بذلك. وتؤكد طهران في المقابل أن برنامجها سلمي بحت، وأن أنشطتها تندرج ضمن حقوقها المشروعة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

في أعقاب الضربات العسكرية، فرضت إيران قيودا إضافية على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أن البيئة الأمنية لم تعد ملائمة للتعاون الكامل، وأن بعض التسريبات السابقة أضرت بأمن منشآتها. ولم يتم التوصل إلى تفاهم مبدئي لاستئناف عمليات التفتيش إلا في سبتمبر 2025، بعد مفاوضات شاقة تناولت نطاق الوصول وآليات تبادل المعلومات. ومع ذلك، لا يزال مدى تنفيذ هذا التفاهم غير واضح، كما لا توجد صورة مكتملة حول وتيرة الزيارات التفتيشية الحالية.

أصبح المدير العام للوكالة نفسه موضع انتقاد حاد داخل إيران، خاصة من قبل تيارات متشددة تتهمه بالانحياز أو بعدم اتخاذ موقف صارم تجاه قصف المنشآت النووية. وذهبت بعض التقارير الإيرانية إلى اتهامه بالتجسس لصالح إسرائيل، وطالبت بإجراءات قضائية بحقه.

وفي المقابل، يرى بعض المسؤولين الإيرانيين أن الوكالة لم تكن ناقدة بما فيه الكفاية للهجمات التي استهدفت البنية النووية الإيرانية، وأنها لم تدافع بقوة عن مبدأ حماية المنشآت النووية الخاضعة للرقابة الدولية. هذا المناخ المشحون يعقد مهمة إعادة بناء الثقة بين الطرفين.

فالوكالة تحتاج إلى وصول كاف ومعلومات دقيقة لضمان الطابع السلمي للبرنامج، بينما ترى إيران أن التعاون يجب أن يكون متوازنا ويحترم سيادتها وأمنها القومي. كما أن أي تقدم تقني في المحادثات يظل رهينا بالقرار السياسي الأوسع المتعلق بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وبتخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية التي تثقل كاهل الاقتصاد الإيراني.

مؤسسات الدولة والأمن الإيرانية في مرمى تهديدات واشنطن

تقف العلاقات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية عند مفترق طرق حساس. فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في جنيف في ترميم الحد الأدنى من الثقة وفتح مسار تفاوضي مستدام، وإما أن يستمر التصعيد المتبادل بما يحمله من مخاطر إقليمية ودولية. وبين هذين الخيارين، يبقى الملف النووي الإيراني أحد أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا في النظام الدولي المعاصر.

وبحسب مسؤولين حكوميين، فإن الخطط أكثر تعقيدا من العمليات السابقة. وفي عملية عسكرية مطولة، قد تستهدف إيران كذلك منشآت الدولة والأمن، وليس البنية التحتية النووية فقط، وتتوقع الولايات المتحدة ردا إيرانيا، ما قد يؤدي إلى ضربات متبادلة على مدى فترة طويلة. تقول آنا كيلي، نائبة السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، ردا على سؤال حول الاستعدادات لانتشار عسكري أمريكي أطول: “الرئيس ترامب لديه جميع الخيارات مطروحة بشأن إيران”.

يبقى مسار العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية محكوما بتوازن دقيق بين الضرورات الفنية والحسابات السياسية. فإذا نجحت جولات التفاوض في جنيف في تثبيت آليات رقابة أكثر وضوحا وشفافية، فقد يشكل ذلك مدخلا لخفض حدة التوتر وإعادة بناء قدر من الثقة المتبادلة.

غير أن هذا السيناريو يظل مرتبطا بمدى استعداد واشنطن لتقديم حوافز ملموسة، سواء عبر تخفيف العقوبات أو تقديم ضمانات بعدم اللجوء إلى الخيار العسكري ما دامت القنوات الدبلوماسية قائمة.

يظل احتمال التصعيد قائما، خاصة إذا تعثرت المفاوضات أو ظهرت تقارير جديدة تثير الشكوك حول مستوى التخصيب أو نطاق التعاون مع المفتشين. عندئذ قد تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بينما قد ترد إيران بتوسيع أنشطتها النووية أو تقليص مستوى التعاون مع الوكالة. مثل هذا المسار قد يفتح الباب أمام دورة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها سريعا.

يمكن القول أن إدخال مؤسسات الدولة والأمن الإيرانية في دائرة الاستهداف المحتمل يوسع نطاق الأزمة من ملف نووي تقني إلى مواجهة استراتيجية شاملة. وفي حال اندلاع ضربات متبادلة، فإن ذلك قد يدفع أطرافا إقليمية إلى الانخراط بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.

يتوقف المسار المستقبلي على قدرة الأطراف على الفصل بين منطق الردع ومنطق التفاوض. فإذا طغت الحسابات العسكرية، فإن المنطقة قد تشهد مرحلة طويلة من عدم الاستقرار. أما إذا جرى تثبيت إطار تفاوضي مستدام، فقد يتحول الملف النووي من مصدر تهديد دائم إلى ورقة تفاوضية قابلة للإدارة ضمن توازنات دولية أوسع.

https://hura7.com/?p=74862

الأكثر قراءة