جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

استضافت الرياض في 18 مارس 2026، اجتماعًا رفيع المستوى على مستوى وزراء الخارجية لعدد من الدول العربية والإسلامية، حيث حضر الاجتماع ممثلون عن 11 دولة عربية وإسلامية لمناقشة القضايا الأمنية الإقليمية. جاء هذا الاجتماع في وقت حساس، حيث كانت الحرب على إيران والهجمات المتزايدة على لبنان في صدارة القضايا التي تم تناولها. هدف الاجتماع إلى توحيد مواقف الدول المشاركة والعمل على وقف الحرب الدائرة في المنطقة، وكذلك إعادة فتح قنوات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. وأعلنت المملكة العربية السعودية أنها ستستضيف هذا الاجتماع التشاوري بهدف دعم استقرار المنطقة وأمنها، وهو ما يعكس التزامها العميق بالحفاظ على الأمن الإقليمي.
الموقف التركي في الاجتماع:
في هذا الاجتماع، كان للموقف التركي حضور بارز. فقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أهمية إنهاء الحرب عبر المفاوضات السلمية، محذرًا من أن استمرار التصعيد العسكري قد يتسبب في أضرار دائمة للعلاقات بين دول المنطقة. وفي سياق ذلك، شدد فيدان على أن الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج لا يمكن قبولها، محذرا من أن استمرار تلك الهجمات قد يؤدي إلى تصعيد خطير يشمل دولًا أخرى في المنطقة.
وتابع فيدان بتأكيد ضرورة أن تتحلى دول المنطقة بضبط النفس وتجنب التصعيد العسكري، مشيرًا إلى أن الحلول العسكرية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوترات وتهديدات الأمن الإقليمي. وكان من الواضح في تصريحاته أن تركيا تسعى لدور أكثر فاعلية في المفاوضات، خاصة بعد أن شهدت المنطقة تصاعدًا في النزاعات والهجمات المسلحة.
وفي هذا السياق، دعت تركيا المجتمع الدولي إلى أن يلعب دورًا أكبر في منع النزاعات الإقليمية وتخفيف حدة التوترات في المنطقة. كما أشارت إلى أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان تعرض استقرار البلاد للخطر، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يعرض المنطقة لمزيد من التهديدات الأمنية، بما في ذلك الفراغات الأمنية التي قد تستغلها المنظمات الإرهابية.
موقف تركيا من الأزمة الإيرانية-الأمريكية:
تركيا كانت واضحة في موقفها تجاه الأزمة الإيرانية-الأمريكية، حيث أكدت أنه لا يمكن حل هذا النزاع إلا عبر القنوات الدبلوماسية. على الرغم من الهجمات الإيرانية المستمرة على القواعد الأمريكية في المنطقة، تواصل أنقرة جهودها الدبلوماسية لإنهاء هذه الحرب. تركيا، التي لطالما دافعت عن الحلول السلمية في المنطقة، تسعى إلى تجنب المزيد من التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى أضرار جسيمة لاستقرار المنطقة والعلاقات بين دولها.
تركيا أيضًا أكدت على ضرورة وقف الهجمات العسكرية على المنشآت النفطية والموانئ الحيوية التي تمثل شريان الحياة للعديد من الدول في المنطقة، وذلك حفاظًا على الاستقرار الاقتصادي العالمي وأمن الطاقة. وقد تطرقت تركيا إلى أن أي تصعيد إضافي في المنطقة سيكون له تأثير سلبي على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة.
مشاركة الدول العربية والإسلامية في الاجتماع:
من جانب آخر، كان لمشاركة الدول العربية والإسلامية في هذا الاجتماع أهمية بالغة، حيث جاء هذا الاجتماع ليعكس التوجهات الإقليمية التي تتوافق مع رغبة المجتمع الدولي في وقف التصعيد العسكري في المنطقة. الكاتب الصحافي غونغور يافوز أصلان أشار إلى أن الحرب الخليجية قد تحولت إلى أزمة عالمية، في إشارة إلى أن التوترات بين إيران والولايات المتحدة قد أثرت على العديد من القوى الكبرى.
في هذا السياق، يرى يافوز أن المملكة العربية السعودية، بفضل دورها المحوري في مجلس التعاون الخليجي وعلاقتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، تشكل نقطة ارتكاز هامة لجهود السلام الإقليمي. وأكد على أن السعودية، التي كانت تسعى لتعزيز علاقاتها مع الصين وإيران قبل اندلاع الحرب، قد تكون في وضع يمكنها من لعب دور الوساطة في هذا النزاع.
خريطة الطريق التركية ودورها في المفاوضات:
وأضاف يافوز أنه من المهم في هذه المرحلة النظر إلى الخريطة الطريق التي قدمتها تركيا سابقًا في إسطنبول، والتي دعت إلى وقف التصعيد وبدء مفاوضات دبلوماسية جديدة. يشير يافوز إلى أن هذه الخريطة قد تكون الأساس الذي يتم من خلاله وضع آلية لوقف إطلاق النار واستئناف الحوار بين إيران والولايات المتحدة. كما يعتقد يافوز أن تركيا يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق، من خلال دعم مساعي السلام في المنطقة والعمل على منع التحول الكامل للصراع إلى حرب إقليمية شاملة.
الجهود الدبلوماسية المشتركة:
من خلال الاجتماع الذي جمع الدول العربية والإسلامية، أصبحت المواقف الدبلوماسية أكثر وضوحًا بشأن ضرورة إيقاف الحرب واستئناف الحوار. ففي حين أن دول الخليج تواجه تهديدات مباشرة من إيران، فإن العديد من هذه الدول تدرك أن الحلول العسكرية لن تؤدي إلى استقرار طويل الأمد. وفي هذا الإطار، تلتقي مصالح الدول العربية والإسلامية مع مصالح تركيا، التي تبذل جهودًا دبلوماسية كبيرة لفتح قنوات تواصل مع كافة الأطراف الفاعلة في النزاع.
الدول المشاركة في الاجتماع أكدت مجددًا على ضرورة تجنب التصعيد العسكري والعمل على إيجاد حلول سلمية. كما تم الاتفاق على تعزيز التنسيق بين دول المنطقة والمجتمع الدولي لضمان استقرار المنطقة. تركيا، بدعمها المستمر للحلول السلمية، ترى أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة جديدة في التعامل مع القضايا الإقليمية، تتمثل في المفاوضات الجادة والتوصل إلى اتفاقات تضمن استقرار المنطقة على المدى الطويل.
يشكل اجتماع الرياض خطوة مهمة نحو تعزيز الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب في المنطقة. من خلال هذا الاجتماع، أكدت الدول العربية والإسلامية التزامها بالبحث عن حلول سلمية، وكان لتركيا دور بارز في دعم هذه الجهود، مشيرة إلى أهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي عبر المفاوضات والحلول الدبلوماسية. مع استمرار الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة، تواصل تركيا جهودها لتهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار بين إيران والولايات المتحدة، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تصعيد غير قابل للإصلاح.


