جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تشهد الساحة الدولية إعادة صياغة جذرية للتوازنات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، تتجسد معالمها في المقاربة الأمريكية المستجدة تجاه الدور المحوري لتركيا. وتأتي الزيارة الرئاسية الأمريكية إلى أنقرة في إطار قمة حلف شمال الأطلسي لتمثل منعطفاً استراتيجياً بالغ الأهمية، عكسه الإعلان الصريح عن الرغبة في تمتين العلاقات الثنائية وتلبية تطلعات القيادة التركية.
يحمل هذا التقارب في طياته مكاسب استراتيجية كبرى لأنقرة، تبدأ من السعي لإنهاء عزلتها العسكرية عبر التوجه نحو رفع العقوبات المفروضة عليها بموجب قانون “كاتسا”، وإعادة إحياء مسار دمجها في برنامج المقاتلات الشبحية وتزويدها بمحركات الطائرات الحديثة، مما يكرس دورها كقوة موازنة قادرة على التموضع المرن بين الشرق والغرب، بالتوازي مع دفع التبادل التجاري نحو مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن هذه التفاهمات لا تبدو معبدة بالورود؛ إذ تواجه عقبات تشريعية واضحة داخل الكونغرس ترهن هذه الوعود بالتخلص الكامل من المنظومات الدفاعية الروسية، فضلاً عما تثيره من تباينات داخل حلف الأطلسي نتيجة انتقاد بعض المواقف الأوروبية، وما قد تجره من تعقيدات في العلاقات التركية مع موسكو.
تتمدد مفاعيل هذا الحراك لتلقي بظلالها على الملفات الإقليمية الأكثر تعقيداً، لا سيما في ظل المواجهة المستمرة بين واشنطن وطهران. وتبرز في هذا السياق مساعي ترتيب المشهد السوري عبر آليات واضحة تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة وخاصة لبنان واليمن، وهو ما يتقاطع مباشرة مع جوهر قانون “كاتسا” الأمريكي المخصص لمواجهة خصوم الولايات المتحدة عبر فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية صارمة لتجفيف منابع الدعم والتمويل، بالتزامن مع البدء في إجراءات رفع دمشق من قائمة الدول الراعية للإرهاب تماشياً مع صعود القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع. وتصاغ هذه الخطوات لإعادة دمج سوريا في بيئتها الإقليمية وضبط نفوذ الفصائل الكردية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر وديناميكي على الساحة اللبنانية، حيث تفرض ضرورة صياغة أطر مستقرة لضبط الحدود ووقف التدفقات غير المشروعة عبر التنسيق مع الدولة السورية وإشراف تركي أمريكي، مقابل معارضة تركية حازمة لأي فكرة تتعلق بدخول عسكري سوري مجدد إلى لبنان تفادياً لانزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع.
تتزامن هذه التحولات الإقليمية مع ترتيبات سياسية داخلية في بيروت، تقودها آمال معقودة على الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون إلى واشنطن، والتي تهدف إلى تثبيت الضمانات الأمنية والاقتصادية وحماية الاستقرار وتحييد البلاد عن الصراعات الخارجية، وهو ما يشكل حجر الزاوية في بناء عقيدة سياسية واقتصادية تحمي لبنان من الارتدادات الكارثية للمحاور المشتعلة. إن مقاربة المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من ضيق الحسابات الآنية إلى رحاب الرؤية الوطنية الجامعة التي ترتكز على إعلاء مفهوم السلم الأهلي وجعل السيادة مظلة شاملة لجميع اللبنانيين، حيث تصبح الدولة بمؤسساتها العسكرية والإدارية هي المرجعية الوحيدة القادرة على صياغة خيارات البلد الاستراتيجية وحماية مصالحه العليا في مواجهة العواصف الخارجية، بعيداً عن منطق الاستقواء أو التفرد.
في المقابل، يقرأ العدو الإسرائيلي هذا التقارب التركي الأمريكي بمزيج من القلق الاستراتيجي العميق ومحاولة الالتفاف على الضغوط المتزايدة للبلدوزر الأمريكي؛ إذ ترى الأوساط الأمنية في تل أبيب أن تعاظم القوة العسكرية التركية ونفوذها البحري في شرق المتوسط يهدد تفوقها النوعي ومشاريع طاقة الغاز الخاصة بها، ويؤلف واقعاً إقليمياً جديداً لا يضع مصالحها في صدارة الأولويات. ويتجلى هذا التوجس للعدو الإسرائيلي في محاولات التشويش على التفاهمات الدبلوماسية المستجدة، والسعي المستمر لعرقلة اندفاعة اتفاق الإطار الأمني بين لبنان والعدو الإسرائيلي، والذي بات يواجه قراءة إسرائيلية متصلبة ترى في الاندفاعة الأمريكية نحو أنقرة وتغييب المطالب الاسرائيلية دافعاً للتمرد الميداني وتجاوز الرغبة الدولية بنقل السيطرة الميدانية في جنوب لبنان إلى الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية.
بناءً على هذه المعطيات، تتلخص الاستنتاجات والتوقعات المستقبلية في أرجحية تصاعد المخاوف من سيناريو الحرب الواسعة التي يقودها العدو الإسرائيلي ضد حزب الله ولبنان ، في ظل إصرار تل أبيب الحازم على منع أي شكل من أشكال إعادة التموضع العسكري أو تفكيك المنشآت في المناطق المتأخرة والمتاخمة للخطوط الصفراء التي حددها العدو، لا سيما في جبهة علي الطاهر ومرتفعات الريحان وسجد؛ وهو ما يجعل الخيارات الميدانية للعدو الإسرائيلي تنحصر ضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة:
▪️︎ يمثل السيناريو الأول في التراجع الحذر والانسحاب التجريبي التدريجي من مناطق محددة داخل الشريط المحتل وتسليمها للجيش اللبناني تحت وطأة الضغط الأمريكي للتأكد من استتباب الأمن.
▪️︎ أما السيناريو الثاني، فيعكس التوجه العسكري المتصلب لتل أبيب عبر محاولة فرض أمر واقع وتثبيت منطقة عازلة خالية من السكان من خلال عمليات التجريف الواسع للقرى الحافية في الخط الأمامي لضمان عدم عودة أي تهديد للمستوطنات الشمالية.
▪️︎ في حين ينطوي السيناريو الثالث على اللجوء إلى تصعيد موضعي مكثف وضربات نارية مركزة لاستدراج الأطراف وإفشال اتفاق الإطار قبل دخوله حيز التنفيذ. ويتضح في الختام أن نتائج زيارة ترامب إلى تركيا قد أعادت صياغة الأولويات الأمريكية، مفرزةً معادلات جديدة تختبر قدرة الأطراف على التكيف، مما يفرض على لبنان تحصين ساحته الداخلية بالتوافق التام، واعتماد الدبلوماسية السيادية القائمة على تمكين مؤسساته العسكرية لتفويت الفرصة على مخططات العدو الإسرائيلي وضمان الانتقال الآمن نحو مرحلة الاستقرار المستدام.


