الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

حرب أوكرانيا تدفع أوروبا لتعزيز استقلالها الدفاعي

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تسعى أوروبا إلى أكبر عملية إعادة تسلح منذ عقود في ظل تصاعد التوترات الدولية واستمرار حرب أوكرانيا، مدفوعة بمخاوف متزايدة من تراجع الالتزام الأمريكي بأمن القارة. وبينما ترفع الحكومات الأوروبية إنفاقها الدفاعي بوتيرة غير مسبوقة، تتزايد التساؤلات حول التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا التحول الاستراتيجي داخل أوروبا.

أثار تسارع وتيرة إعادة التسلح الأوروبية خلال السنوات الأخيرة نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والأمنية في القارة، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بحرب أوكرانيا، وتزايد الشكوك بشأن مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية تجاه أوروبا، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي واحتمالات تقليص التزام واشنطن تجاه حلف شمال الأطلسي. ما دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى التركيز بصورة أكبر على مفهوم “الاستقلالية الأمنية الأوروبية”.

كان ترامب قد لمح خلال العام 2025، في أكثر من مناسبة، إلى إمكانية تقليص دور الولايات المتحدة داخل الحلف الأطلسي أو الانسحاب منه. كما عززت الخطوة الأمريكية الأخيرة المتعلقة بسحب نحو 5000 جندي من ألمانيا، إلى جانب القلق الأوروبي من التحركات الأمريكية تجاه إيران، الدعوات إلى بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا. وجاء الإعلان الأمريكي بعد انتقادات وجهها المستشار الألماني فريدريش ميرتس لسياسات ترامب في الشرق الأوسط.

أوروبا تمضي في تنفيذ أكبر عملية إعادة تسلح

تمضي أوروبا في تنفيذ أكبر عملية إعادة تسلح منذ عقود، رغم استمرار الحاجة إلى رفع الإنفاق الدفاعي للوصول إلى الهدف الجديد الذي حدده الناتو عند 5% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا للبيانات الدفاعية لعام 2025، بلغ إنفاق الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو إضافة إلى كندا نحو 574 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 422 مليار جنيه إسترليني، بزيادة تقارب 20% مقارنة بالعام 5، وهي أكبر زيادة سنوية تشهدها القارة منذ سبعين عامًا.

لكن هذا التحول العسكري المتسارع بدأ يثير تساؤلات سياسية واجتماعية متزايدة داخل أوروبا. فخبراء ومراقبون يحذرون من تداعيات المفاضلة بين زيادة الإنفاق الدفاعي والحفاظ على البرامج الاجتماعية، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بإمكانية صعود ألمانيا كقوة عسكرية مهيمنة داخل القارة بالتوازي مع ثقلها الاقتصادي.

مخاوف تتعلق بصعود الأحزاب الشعبوية

تبرز مخاوف أخرى تتعلق بصعود الأحزاب الشعبوية اليمينية في عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إذ تتصدر هذه الأحزاب استطلاعات الرأي في بعض الدول، بينما تتبنى مواقف متشددة تجاه التعاون الأمني الأوروبي التقليدي. ويرى محللون أن التوسع العسكري الأوروبي يسهم في زيادة حدة سباق التسلح العالمي، ويرفع احتمالات اندلاع صراعات كبرى، فضلًا عن التداعيات البيئية لإعادة التسلح، واحتمال تراجع الاهتمام الأوروبي بمفاهيم الأمن غير العسكري، مثل التنمية الاجتماعية ومنع النزاعات.

وفي ظل هذه التحولات، تتزايد الدعوات إلى إنشاء ترتيبات أمنية أوروبية أكثر تكاملًا، بما في ذلك إحياء فكرة “الجيش الأوروبي”، التي عادت إلى الواجهة مؤخرًا بدعم من الحكومة الإسبانية، وإن كانت لا تزال تفتقر إلى تصور سياسي واضح.

تعزيز مفهوم “الأمن المجتمعي الشامل”

لا يقتصر التوسع الدفاعي الحالي على الحكومات الوطنية فقط، بل يشمل كذلك أدوات جماعية على مستوى الاتحاد الأوروبي، تهدف إلى تعزيز مفهوم “الأمن المجتمعي الشامل” على غرار نماذج دول الشمال الأوروبي، حيث يجري دمج الموارد العسكرية والمدنية ضمن استراتيجيات موحدة للتأهب والأمن.

في المقابل، يحذر مراقبون من أن تنفيذ عملية إعادة التسلح يجري حاليًا ضمن هياكل أوروبية معقدة وغامضة، وهو ما قد يعزز حالة عدم الثقة الشعبية ويفتح المجال أمام الأحزاب الشعبوية لمهاجمة المؤسسات الأوروبية. كما تواجه أوروبا تحديًا آخر يتمثل في غياب رؤية موحدة بشأن كيفية استخدام القوة العسكرية الجديدة. فالحكومات الأوروبية لم تتفق بعد على ما إذا كان الهدف من إعادة التسلح يقتصر على ردع أي تهديد للأراضي الأوروبية، أم يمتد إلى تعزيز النفوذ الجيوسياسي الأوروبي خارجيًا.

البنية الأمنية الأوروبية 

تشير التطورات الأخيرة إلى أن البنية الأمنية الأوروبية مرشحة لمزيد من التغيير، خاصة مع عودة المملكة المتحدة تدريجيًا إلى التنسيق الأمني الأوروبي، وظهور حديث متزايد عن تحالفات أوروبية مرنة ومتغيرة وفقًا لطبيعة الأزمات والملفات الأمنية.

وخلال قمة الجماعة السياسية الأوروبية التي عُقدت في أرمينيا في الرابع من مايو 2026، ناقشت الدول الأوروبية، بما فيها دول من خارج الاتحاد الأوروبي مثل المملكة المتحدة، قضايا الأمن والدفاع، في مؤشر على احتمال ظهور صيغ تعاون جديدة تتجاوز الأطر التقليدية للاتحاد الأوروبي والناتو. يرى خبراء أن أوروبا بحاجة خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة هيكلة علاقاتها الأمنية والسياسية بصورة أعمق، بما يضمن مشاركة مجتمعية أوسع في القرارات الدفاعية، ويمنح المواطنين دورًا أكبر في تحديد أولويات الإنفاق والتوازن بين الأمن العسكري والاحتياجات الاجتماعية.

تبدو أوروبا أمام مرحلة تحول استراتيجي غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أن نجاح مشروع إعادة التسلح الأوروبي سيظل مرهونًا بقدرة الحكومات على معالجة التداعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المصاحبة له، وليس فقط بزيادة ميزانيات الدفاع أو توسيع القدرات العسكرية.

https://hura7.com/?p=79053

 

الأكثر قراءة