الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

حرب أوكرانيا ـ برلين تستدعي سفيرها في أعقاب التهديدات الروسية

جريدة الحرة بيروت

خاص ـ شهدت الساحة الدبلوماسية تصعيداً جديداً إثر التحذيرات الصارمة التي وجهتها موسكو للمواطنين والأجانب بضرورة إخلاء العاصمة الأوكرانية كييف. وجاء الرد الألماني سريعاً وحاداً عبر وزارة الخارجية، التي عبرت عن استنكارها الشديد لهذه التهديدات الأخيرة المستهدفة لأوكرانيا وللبعثات الدبلوماسية الأجنبية المتواجدة هناك. ولم تكتفِ برلين بالتنديد الشفهي، بل اتخذت خطوة دبلوماسية متقدمة باستدعاء السفير الروسي لدى ألمانيا للحضور إلى مقر الوزارة، بناءً على ما تم الإعلان عنه رسمياً عبر الحساب المعتمد للوزارة على منصة “إكس”.

في سياق هذا التوتر المتصاعد، نشرت وزارة الخارجية الألمانية بياناً رسمياً أكدت فيه رفضها القاطع للسياسة الروسية الراهنة التي ترى أنها ترتكز بشكل أساسي على بث التهديدات، وممارسة التصعيد العسكري المستمر. وأوضحت برلين في رسالتها الموجهة إلى موسكو أن مثل هذه المحاولات لن تفلح في إخضاع المجتمع الدولي أو ترهيبه، مشددة على ثبات موقفها الداعم لأوكرانيا، واستمرار تقديم المساعدات اللازمة لها في مواجهة هذه الضغوط، مما يبرهن على عدم تراجع الحلفاء الأوروبيين أمام لغة الوعيد.

تأتي هذه التطورات الميدانية والدبلوماسية في أعقاب موجة من الهجمات العنيفة التي شنتها القوات الروسية على العاصمة كييف خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، والتي تلتها تهديدات مباشرة بشن عمليات عسكرية أكثر اتساعاً وضراوة. وحثت وزارة الخارجية الروسية الدبلوماسيين الأجانب على مغادرة المدينة في أسرع وقت ممكن، مبررة هذا الإجراء بأنه رد فعل مباشر على قصف أوكراني استهدف مسكناً طلابياً في مدينة “ستاروبيلسك” الواقعة تحت السيطرة الروسية، وأعلنت موسكو عزم جيشها توجيه ضربات ممنهجة ومكثفة لما وصفته بالمنشأت العسكرية ومراكز صنع القرار داخل كييف.

على مدار السنوات الماضية منذ اندلاع الصراع المسلح، واصلت القوات الروسية توجيه ضربات مستمرة وعنيفة نحو العمق الأوكراني، حيث طالت هذه الهجمات في مناسبات عديدة منشآت البنية التحتية الحيوية والمجمعات السكنية التي يقطنها مدنيون. ورغم التقارير الدولية التي توثق هذه الأضرار، تواصل موسكو نفي مسؤوليتها عن سقوط ضحايا في صفوف المدنيين الأوكرانيين، معتبرة أن عملياتها تقتصر على الأهداف الاستراتيجية، في حين تصر القيادة الروسية ممثلة بالرئيس فلاديمير بوتين على ضرورة الرد الحاسم على هجوم “ستاروبيلسك”، مما ينذر بمرحلة جديدة من التصعيد العسكري والدبلوماسي بين الأطراف المعنية بالصراع.

أبعاد التصعيد الدبلوماسي ودلالة الموقف الألماني

يمثل استدعاء السفير الروسي في برلين تحولاً بارزاً في طبيعة التعامل الدبلوماسي الأوروبي مع التهديدات القادمة من موسكو، حيث تتجاوز هذه الخطوة مجرد الإدانة السياسية التقليدية لتصل إلى مستوى المواجهة المباشرة في الغرف المغلقة. تدرك القيادة الألمانية أن توجيه التهديدات للبعثات الدبلوماسية في كييف يحمل في طياته محاولة لفرض عزلة دولية على العاصمة الأوكرانية، وإجبار القوى الغربية على سحب تمثيلها الرسمي لتسهيل عملية الاستفراد الميداني بالمدينة. ومن هذا المنطلق، جاء الموقف الألماني حازماً ليؤكد أن الوجود الدبلوماسي الغربي يشكل جزءاً من منظومة الدعم المستمر لكييف، وأن محاولات الترهيب لن تؤدي إلا إلى تمسك الأطراف الأوروبية بمواقفها المبدئية.

يكشف هذا التطور الدبلوماسي أيضاً عن الرغبة الألمانية في قيادة حراك أوروبي جماعي يرفض سياسة فرض الأمر الواقع، حيث تبعث برلين برسائل واضحة تفيد بأن المساس بأمن الدبلوماسيين يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول حتى في أوقات الحروب. تضع هذه الخطوة حلفاء ألمانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي أمام ضرورة تنسيق المواقف لضمان عدم استفراد موسكو بأي دولة على حدة، مما يسهم في تعزيز الجبهة السياسية الموحدة التي تشكلت منذ بداية الصراع لحماية النظام الدولي القائم على القواعد القانونية.

التداعيات الميدانية والتحولات في استراتيجية المواجهة

تشير القراءة التحليلية للتهديدات الروسية الأخيرة إلى احتمالية حدوث تحول نوعي في العمليات العسكرية المستهدفة للعاصمة كييف، إذ يبدو أن موسكو تسعى لشرعنة جولة جديدة من القصف المكثف تحت غطاء الرد على استهداف منشآتها في المناطق الخاضعة لسيطرتها مثل “ستاروبيلسك”. يعكس هذا الأسلوب رغبة في نقل الصراع إلى مستويات أكثر تدميراً عبر استهداف ما تصفه بمراكز صنع القرار، وهو مصطلح فضفاض قد يشمل المقار الحكومية والسيادية، مما يرفع منسق المخاطر على نحو غير مسبوق ويهدد حياة الملايين من سكان العاصمة والنازحين إليها.

يترتب على هذه الاستراتيجية الروسية الجديدة زيادة الضغوط على منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، التي باتت مطالبة بالتعامل مع موجات متتالية ومعقدة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. ويتوقع الخبراء العسكريون أن تدفع هذه التهديدات الجانب الأوكراني وحلفاءه الغربيين إلى الإسراع في تزويد كييف بأنظمة دفاعية أكثر تطوراً لصد الهجمات المحتملة، مما يعني أن المحاولات الروسية لفرض الاستسلام قد تؤدي بمرور الوقت إلى مفعول عكسي يتمثل في تعزيز القدرات العسكرية الدفاعية لأوكرانيا وتوسيع نطاق الدعم التسليحي النوعي.

مستقبل الصراع ومسارات التصعيد المحتملة

تضع التطورات الراهنة الأزمة برمتها أمام مسارات معقدة ومفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث يبدو أن خيارات التسوية السياسية قد تراجعت إلى أدنى مستوياتها في ظل إصرار الطرفين على مواصلة المواجهة وتثبيت المواقف. إن لجوء موسكو إلى لغة التصعيد العسكري المباشر ومطالبة الأجانب بالمغادرة يؤكد قناعة القيادة الروسية بأن الحسم الميداني أو فرض شروط تفاوضية قاسية هو السبيل الوحيد المتاح أمامها حالياً، مما يجعل الفترة المقبلة مرشحة لمزيد من المواجهات الضارية التي قد تتجاوز الخطوط الحمراء السابقة وتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي ككل.

في المقابل، يظهر الثبات الألماني والأوروبي أن الرهان الروسي على إحداث شرخ في جدار التحالف الغربي أو بث الرعب في نفوس الحلفاء لم يحقق أهدافه المرجوة بعد. بل على العكس تماماً، ساهمت هذه التهديدات في تسريع وتيرة التنسيق الأمني والسياسي بين العواصم الأوروبية، مما يعيد تأكيد أن الحرب الراهنة قد تحولت إلى صراع إرادات طويل الأمد، لن يتوقف عند حدود الجغرافيا الأوكرانية، بل سيمتد ليعيد صياغة التوازنات الأمنية والسياسية في القارة الأوروبية والعالم لسنوات طويلة قادمة.

https://hura7.com/?p=79571

الأكثر قراءة