جريدة الحرة ـ بيروت
د. عبد الرؤوف سنّو
سعت إيران، منذ قيام ثورتها، إلى التمدّد في العالم العربي عبر أذرعها، مستغلّةً ضعف هذا العالم عن المواجهة، فاخترقت دوله ومجتمعاته في لبنان وسورية والعراق واليمن، مستندةً إلى أيديولوجيا دينية–مذهبية–سياسية، وإلى أدوات عسكرية. وفي الوقت نفسه، عملت على تفعيل قدراتها العسكرية والصاروخية وتخصيب اليورانيوم لتكون الدولة النووية الموازية لإسرائيل تتنافس معها على النفوذ في المنطقة.
لم يأخذ الإيرانيون في الحسبان، عمليًا، أن إسرائيل تُعدّ الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عام 1981، وأنها لن تسمح لإيران بأن تكون لها اليد الطولى على أنظمة عربية حليفة لواشنطن تتمتع بحمايتها، أو حتى بأن تتفوّق على إسرائيل علميًا وتكنولوجيًا وعسكريًا واستخباراتيًا. لكن إيران واصلت ترسيخ نفوذها في لبنان، تمدّدها وهيمنتها على ثلاث عواصم عربية أخرى، كما هدّدت أمن دول الخليج من خلال حلفائها الحوثيين في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق. وكلّما تعاظم خطر إيران على الدول العربية، تراجعت إسرائيل في المخيلة السياسية والمجتمعية العربية كعدو رئيسي، وتقدّم الخطر الإيراني على ما عداه.
وقد سقطت محاولات الرئيسين رفسنجاني، وخاصة محمد خاتمي، لبناء علاقات طبيعية وجيدة مع الجوار العربي، منذ تولّي أحمدي نجاد الحكم عام 2005، بالتوازي مع تصاعد التشدد الأيديولوجي والسياسي للقيادة الإيرانية، الهادف إلى تصدير الثورة الخمينية والتحول إلى قوة نووية. وقد نجحت إيران تدريجيًا في تطويق كل من إسرائيل والدول العربية عبر لبنان، وسورية بعد عام 2005، التي أصبحت خاضعة لنفوذها، والعراق بعد عام 2003، واليمن منذ عام 2011، دون أن ننسى فشلها في تحريك الطائفة الشيعية في البحرين. وكان “حزب الله” أداتها الرئيسية في الدول الثلاث. أما الدول العربية، فلم تتجاوز في ردودها حدود الاستنكار وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. في المقابل، استفادت إسرائيل من معاهدة السلام مع مصر، ثم مع الأردن، لإخراج الأولى كأكبر قوة عربية من الصراع العربي–الإسرائيلي، والثانية كدولة مساندة.
وكان واضحًا أن التمدّد الإيراني أثار قلق الدول العربية كما إسرائيل. وقد استغلّت طهران القضية الفلسطينية وأطلقت شعارات طنّانة من نوع “إزالة إسرائيل من الوجود” لتحقيق هدفين: أولًا، إحراج الدول العربية عبر الادّعاء بأنها لم تعد معنية فعليًا بالقضية الفلسطينية وأنها، أي إيران، هي من سيحررها، وثانيًا، اتخاذ هذه الشعارات ذريعة للتدخل في شؤون دول الجوار، على الأقل. ولهذا عملت إيران على تأسيس “حزب الله” وتعزيز حضوره الأيديولوجي والسياسي والعسكري في لبنان، خصوصًا بعد تحرير الجنوب عام 2000.
عندما تمادت إيران في تحقيق أهدافها، وجرى تسليح “حزب الله” حتى العظم، فضلًا عن دعم الجماعات الأصولية في العراق وفلسطين واليمن، بدأ اليمين الإسرائيلي يستعدّ لعملية شاملة في المنطقة تهدف إلى إعادة التوازن لمصلحة دولته. صحيح أن إسرائيل فشلت في القضاء على “حزب الله” في حرب تموز 2006، لكنها استخلصت دروسًا استراتيجية من تلك المواجهة.
في المقابل، “نام” حزب الله على ما اعتبره إنجازًا عسكريًا ومعنويًا، حتى أن قيادته، ومن خلفها إيران، باتت تعتقد بإمكان تدمير إسرائيل “خلال نصف ساعة” – بحسب تصريح حسن نصر الله في آب 2023، عقب اغتيال إسرائيل للقيادي فؤاد شكر. وقد عمد الحزب إلى توظيف فائض قوته في الداخل اللبناني، فشنّ حربًا نفسية على اللبنانيين، و”اشترى” سياسيين وقيادات حزبية، وتمادى في تهميش الدولة والطوائف اللبنانية، والسيطرة على القرار السياسي، والاقتصاد، والمعابر الحدودية.
في موازاة ذلك، كانت إيران تمسك بسورية وتدعم نظامها، وتساند “حماس” والجماعات الأصولية في فلسطين، ليس بواقعية تهدف إلى إزالة إسرائيل من الوجود، بل بهدف “إزعاجها” والتلويح الدائم بتهديدها. في الوقت نفسه، مضت إيران قُدُمًا في برنامجها النووي، غافلة عن حقيقتين أساسيتين: الأولى، أن الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية لن تسمح بقيام إيران نووية؛ والثانية، أن إيران، وهي من دون سلاح نووي، تُعدّ أصلًا مصدر تهديد للدول العربية، فكيف بها إن امتلكته، وهي المتعطشة إلى استكمال هيمنتها على العالم العربي؟
أما إسرائيل، التي درجت على التعلّم من تجاربها، فقد عززت قدراتها النوعية في مجالات التكنولوجيا، والأسلحة المدمّرة، والذكاء الاصطناعي، والقنابل الذكية الأميركية، والنشاطات الاستخباراتية. ولذلك، لم تكن لتسمح بظهور “شريك” نووي لها في المنطقة، سواء كان نوويًا بالفعل أو يطمح لأن يكون كذلك. من هذا المنطلق، كانت إسرائيل تشنّ عمليات كوماندوس داخل إيران تستهدف كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين، كما استهدفت في غارات خارجية قياديين مثل إسماعيل هنية. وقد فشلت إيران في مجاراة إسرائيل في هذا المجال، بينما نجحت الأخيرة في توجيه ضربات عميقة في صلب منظومتها.
انطلاقًا من ذلك، وضعت إسرائيل خططًا استراتيجية لـ”قتل الأفعى”. وبدلًا من البدء بالرأس – لأسباب تتعلق بالموقفين الأميركي والأوروبي خلال ولاية الرئيس باراك أوباما – قررت أن تبتر الذيل أولًا، وتقطع الأذرع، وصولًا إلى الرأس، عبر ثلاث مراحل زمنية متعاقبة:
تم استغلال عملية “طوفان الأقصى”، التي موّلتها إيران ودربت عناصرها، ونفذتها “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، لتحقيق الأهداف التالية تجاه قطاع غزة: القضاء على التنظيمات الأصولية، إعادة احتلال القطاع، وتهجير الفلسطينيين منه. ومع توسيع العمليات إلى الضفة الغربية، بدأت تصدر دعوات من اليمين الإسرائيلي المتطرف تدعو إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائيًا. غير أن استراتيجية “حماس” و”الجهاد الإسلامي” لم تأخذ في الحسبان أن إسرائيل دولة عميقة، قادرة على امتصاص صدمة احتلال مؤقت لشريط من الأرض، ثم استعادة المبادرة بسرعة. صحيح أن العملية بدت بطولية، وأخذت شكل فيلم هوليوودي أسعد قلوب العرب والمسلمين، لكن التنظيمين، ومعهما إيران و”حزب الله”، لم يتعاملوا مع إسرائيل بعقلانية سياسية أو واقعية عسكرية، إذ إن ميزان القوى لم يكن يومًا في صالحهم، والولايات المتحدة، أياً كان ساكن البيت الأبيض – ديمقراطيًا كان أم جمهوريًا – لن تسمح بانهيار إسرائيل. فكانت النتيجة أن دمرت إسرائيل القطاع على رؤوس سكانه، فيما عجزت “حماس” عن إحباط المخطط الإسرائيلي. والأسوأ، أن إيران، على الرغم من الكارثة التي حلّت بغزة والضفة، واصلت التحريض، سرًا وعلانية، على استمرار القتال، مما دلّ على أن الجماعات الإسلامية في القطاع كانت إما مضلَّلة أو تفتقر إلى الرؤية السياسية والعسكرية الواضحة.
وبدعم “غزة”، يكون “حزب الله” قد سهّل على إسرائيل تنفيذ خطتها الثانية ضد لبنان. فالحزب ومناصروه هلّلوا لـ”حرب الإسناد”، ورأوا فيها بشائر نهاية إسرائيل. غير أن صواريخه لم تحقق أهدافًا استراتيجية، باستثناء إزعاج سكان الشمال الإسرائيلي أو استهداف بعض القواعد العسكرية، أو تحريك بعض الألوية على الجبهة الشمالية. ولم تكن الخسائر التي تكبّدتها إسرائيل تُذكر مقارنةً بحجم القصف والاشتباكات. وقد استخدمت كافة التقنيات المتاحة – محلية ومستوردة – لمفاجأة الحزب في معقله: البيجرز، مراقبة الهواتف الثابتة، المسيّرات، وقنابل بزنة 2000 رطل، استُخدمت لاغتيال قيادات من الصف الأول، وبعض عناصر الصفين الثاني والثالث. وفوق ذلك، دُمرت مناطق سكنية بالكامل، وهُجّر سكانها، واستُهدفت مواقع عسكرية للحزب في الجنوب، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي البقاع. ولم تجد نفعًا صواريخ إيران “الرديّة” انتقامًا لاغتيال إسماعيل هنية في إيران في إلحاق أذى استراتيجي حقيقي بالدولة الصهيونية، حتى بعد اغتيال هنية. ويبدو أن الإيرانيين لم يحسبوا بدقة بُعد المسافة الجغرافية بينهم وبين إسرائيل، ولم يدركوا أن الولايات المتحدة لن تسمح بالمسّ بأمنها. كما أن الأردن رفض أن يتحوّل إلى ممرّ لعبور الصواريخ الإيرانية نحو الأراضي الإسرائيلية. ولا يبدو أن النظام الإيراني، بملاليه وجيشه وحرسه الثوري، قد تعلم من هذه المعطيات، بل استمر في التهليل لانتصارات وهمية، رغم اختراقه أمنيًا واستخباراتيًا من الداخل. وعجز عن مجاراة إسرائيل في حرب الاستخبارات والمعلومات.
هكذا انهار “حزب الله”، واضطر إلى القبول باتفاق لوقف إطلاق النار في ظروف مذلّة، بينما كانت إسرائيل قد احتلت مواقع استراتيجية في الجنوب، ولا تزال تغير بشكل شبه يومي على لبنان. ومع ذلك، يصرّ الحزب على التكابر أمام جمهوره، وأمام اللبنانيين، بأنه حقق “نصرًا إلهيًا” آخر، فيما يروّج أن الحرب جولات متكررة. لا الحزب تعلّم من التجربة، ولا جمهوره تخلّى عن أيديولوجية متجذّرة أعمت بصيرته ومنعته من العودة إلى جادة العقل والرشد.
وفي تلك اللحظة، بدأت الولايات المتحدة التحرك على مسارين متوازيين تجاه لبنان: نزع سلاح “حزب الله” من كامل الأراضي اللبنانية، والسعي إلى تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل.
وفي ما يتعلق بالشق الثالث من مخططها، فقد عملت إسرائيل، طوال حكم آل الأسد في سورية، على مهادنة النظام والتعاون معه والتنسيق (من خلال تقاسم النفوذ في لبنان بين عامي 1976 و2005)، فقد أدركت أنّ “قطع رأس الأفعى” في طهران يقتضي منها إزالة النظام السوري الخاضع لها. وما إن شعرت بأنها لم تعد بحاجة إليه، حتى شرعت، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وتركيا، وبمباركة عربية، في التخطيط لإزالته. فتمت مسرحية إسقاط بشار الأسد خلال أيام معدودة، ونُصّب بدلاً منه تنظيم أصولي، في إطار تفاهمات مسبقة معه حول مرحلة ما بعد النظام القديم. صحيح أن ذلك جرى دبلوماسيًا، وعاد الانفتاح الأوروبي والأميركي على سورية، إلا أنّ إسرائيل وضعت أهدافًا استراتيجية لشلّ كل القدرات العسكرية السورية مستقبلاً. فتم استهداف المنشآت والمصانع العسكرية والكيماوية، والمؤسسات العلمية، في مختلف أنحاء البلاد. وبدأت إسرائيل في التخطيط لتطبيع العلاقات مع النظام الجديد في دمشق.
بقي “رأس الأفعى” الهدف الأخير لإسرائيل والولايات المتحدة، والمقصود به النظام الإيراني، الذي خططت إسرائيل للإجهاز عليه بهدوء ومنهجية منذ عقود، حين استشعرت خطره الأيديولوجي والتسليحي والنووي. فقد كانت إسرائيل تروّج لفكرة “الخطر النووي الإيراني” باعتباره تهديدًا لاستقرار المنطقة، وسعيًا منها لتبقى الدولة النووية الوحيدة فيها، انسجامًا مع عقيدتها الاستراتيجية التي تقول: “أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات”.
وقد استشعر ملالي إيران قرب الضربة الإسرائيلية لمنشآتهم، وأيقنوا أن الولايات المتحدة لن تترك إسرائيل وحيدة في ساحة الحرب ضدهم. من هنا، قبلوا بالدخول في مفاوضات مع واشنطن للتوصل إلى تسوية بشأن ملفهم النووي، مع إصرارهم على حقهم في تخصيب اليورانيوم. إلا أن إسرائيل لم تكن تفضّل المفاوضات، كما لم ترغب في تفويت فرصة الفوضى الإقليمية لاستكمال مخططها. فمن جهة، حرّضت الرئيس دونالد ترامب على إنهاء المفاوضات مع طهران، ومن جهة أخرى، دفعت باتجاه تصعيد موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أصدرت قبل أيام تقريرًا يؤكد عدم التزام إيران بنسب تخصيب اليورانيوم، ما يمهّد لتبرير شنّ الحرب عليها.
ماذا حصل، ولماذا أصبحت إيران اليوم، لا غدًا، في مواجهة مباشرة مع إسرائيل؟
- اكتفى النظام الإيراني، قبل الضربة الإسرائيلية وخلالها، بالتعبئة الأيديولوجية والتصريحات الرنانة من قبيل أن إسرائيل ستتلقى “عقابًا صارمًا وصادمًا”، وهو ما ردّده المرشد الأعلى علي خامنئي، وسبقه إلى الترويج له حسن نصر الله. يعيش هذا النظام، منذ نشأته، على التعبئة الأيديولوجية التي تُقصي العقل وتُقصّر النظر عن مواضع الإمكانات والوقائع، فتُسكن الأماني في غير مكانها وزمانها.
- عجزت إيران، حتى الآن، عن التعامل الجدي مع القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية. فقد تمكّنت إسرائيل سابقًا من تصفية قيادات إيرانية عسكرية وعلمية بارزة منخرطة في البرنامج النووي، من دون أن تتمكن طهران من الرد بالمثل أو من بناء منظومة استخباراتية قادرة على ملاحقة إسرائيل في الداخل والخارج.
- في الموجات الأولى من الهجوم نشط عملاء الموساد على الأرض، مستفردين بعلماء الذرة وكبار القادة العسكريين، داخل منازلهم أو مكاتبهم، على عكس ما قامت به سابقًا ضد حزب الله، حين لجأت إلى تصفيات جماعية استهدفت قياداته، مثلما حدث في محاولة اغتيال حسن نصر الله وهاشم صفیالدین مع فريق كل منهما القيادي.
- استطاعت إسرائيل تنفيذ عملياتها على امتداد الأراضي الإيرانية، من طهران إلى شيراز وأصفهان، مرورًا بقصف مفاعل نطنز، واستهداف مقار القيادات والمصانع والمنشآت النووية الأخرى في البلاد. الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية: كيف تمكّنت إسرائيل من ذلك؟ هل عجزت الاستخبارات الإيرانية عن تحديد توقيت الضربة؟ أم أن هناك تهاونًا أو فشلًا في استشعار اقتراب الطائرات الإسرائيلية؟ أم أن إسرائيل استخدمت تقنيات متطورة تخطّت قدرات الرصد الإيرانية؟ وربما تجتمع الأسباب الثلاثة معًا.
فأين كانت منظومات الدفاع الجوي؟ وأين كان الحرس الثوري، الذي اعتاد فرض قراراته على البرلمان والحكومات؟ وحتى اللحظة، تكتفي إيران بالتصريحات. فهل هي قادرة على الرد الاستراتيجي وفق معادلة “العين بالعين والسن بالسن”؟ وهل سيكون الرد عبر استهداف مفاعل ديمونا في صحراء النقب؟
لقد أضاعت إيران عقودًا في سبيل الهيمنة على المنطقة، وأنفقت عائدات النفط ومواردها على أذرعها ومشاريعها الخارجية، على حساب رخاء شعبها، فضلًا عن تخريب علاقاتها مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي عمومًا. ومنذ قيام نظام الملالي، لم يتمكّن هذا النظام—باستثناء رفسنجاني وخاتمي—من التفاعل مع محيطه أو التعايش مع المنطقة. بل إن العلاقات بين طهران والرياض شهدت في عهد الرئيس محمد خاتمي تطورًا وصل إلى حدود التنسيق الأمني. لكن المشروع الإيراني يتمدد على أربع عواصم عربية عبر ميليشياته، إلى جانب برنامجه النووي، وتهديده لأمن السعودية من جهتي اليمن والعراق، فضلًا عن تصدير أيديولوجيته المذهبية، كلها عوامل جعلت منه خصمًا لمعظم دول المنطقة وشعوبها.
إسرائيل في المواجهة: اللحظة الفاصلة مع إيران
- بالرغم من توقُّع إيران ضربة إسرائيلية، فإن إسرائيل نجحت في تنفيذ عملياتها بدقّة وراحة—وفق ما نقلته وكالات الأنباء العالمية—من دون أن تُعلن طهران عن إسقاط أي طائرة أو منعها من تنفيذ مهامها. واللافت أنّ جهاز الموساد الإسرائيلي نفّذ عمليات داخل العمق الإيراني، مستهدفًا قيادات عسكرية وعلماء بارزين. ولا يبدو أن طهران قد استفادت من الدروس السابقة، لا في التصدي للاختراقات الاستخباراتية ولا في إلقاء القبض على المتعاونين مع الموساد.
- لم تكن الضربة الإسرائيلية حيوية أو حتمية بالمطلق. فخلال الحرب الباردة، تعايشت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي من دون الانزلاق إلى مواجهة نووية. لكن إسرائيل لا تريد فقط نزع البرنامج النووي الإيراني، بل تسعى إلى تحطيم النظام قدرات الدولة ككل—عسكريًا واقتصاديًا وتقنيًا—وإعادة إيران إلى دولة من الصف الثاني، بما يجعل من إسرائيل القوة الوحيدة في الشرق الأوسط.
- يبدو أن هناك تناغمًا، بل ربما تواطؤًا أميركيًا-إسرائيليًا ضد طهران، بدأ منذ نهاية ولاية دونالد ترامب الأولى، من خلال استهداف إيران. وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات التي جرت في عمان وروما لم تكن إلا محاولة لخداع إيران، وصرف انتباهها عن التهديد الفعلي. بل إن ترامب نفسه لعب دورًا مزدوجًا: فمن جهة شجّع طهران على القبول بالتسوية التي تريدها واشنطن، ومن جهة أخرى سعى إلى ردع نتنياهو عن المبادرة إلى الهجوم، ظاهريًا على الأقل. لكن في الخفاء، كانت الخطط تُحاك، ويبدو أن طهران قد وقعت في الفخ وابتلعت “الطُعم الإعلامي”، معتقدةً أن لديها متّسعًا من الوقت للمناورة. وقد سارع ترامب لاحقًا إلى الإشادة بـ”عظمة” الأسلحة الأميركية التي استخدمتها إسرائيل في الهجوم.
من خلال ضرب إيران وأذرعها—مع تأجيل الملف اليمني إلى توقيت آخر—تكون إسرائيل قد قضت على معظم خصومها الإقليميين. وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضربة بأنها “نقطة تحول” في تاريخ إسرائيل والمنطقة. فإسرائيل، التي كانت تطمح منذ أواخر القرن العشرين إلى تكامل المال العربي مع المعرفة الإسرائيلية (Knowhow) لتأسيس “شرق أوسط جديد”، تسعى اليوم، بعد الضربة، إلى تصدّر المشهد الإقليمي كلاعب وحيد ومطلق. وهكذا، فإن موجة التطبيع قد تتوسّع، ويبدأ ما يُسمّى “العصر الإسرائيلي” في المنطقة.
تاريخيًا، لم تلتزم إسرائيل بقرارات مجلس الأمن، بسبب الغطاء الأميركي، ولم تنجح التظاهرات العالمية في وقف جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، خصوصًا في غزة. فهل يمكن اليوم الحديث عن محاسبة إسرائيل، إذا ما تمكّنت من إتمام القضاء على إيران؟ لا يتوقّع أحدٌ نهاية سريعة لهذه الحرب؛ فإسرائيل لا تخوض معركة لحظية، بل تضع نصب أعينها أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى. فهل تلبي إيران دعوة ترامب، الفاقدة للصدقية، إلى العودة إلى طاولة المفاوضات للتوقيع على إنهاء برنامجها النووي، ويكون هذا إذلالًا للنظام من جهة، وحفظًا لرأسه؟ وهل ستنضم الولايات المتحدة إلى إسرائيل في قطع “رأس الأفعى”، ليكون ذلك مدخلًا إلى إعادة تشكيل شرق أوسط جديد على رأسه إسرائيل؟
باحث في الشؤون العربية والشرق أوسطية


