جريدة الحرة
خاص ـ شهدت هولندا تصعيدا ملموسا في الإجراءات الأمنية الموجهة لحماية أفراد الجالية الإيرانية المنتقدة للنظام في طهران، بعد حادثة إطلاق نار وقعت خلال مارس 2026 واستهدفت رجلا من أصل إيراني، ما أسفر عن إصابته بجروح خطيرة. وقد أثارت هذه الواقعة قلق السلطات الهولندية والمجتمع الدولي حول سلامة المعارضين الإيرانيين في الخارج، خاصة في ظل توتر العلاقات الدولية المتصاعد مع إيران.
كان الرجل المصاب قد احتفل بوفاة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أثار جدلا واسعا بين مؤيديه ومعارضيه على حد سواء. وتشير المعلومات الأولية إلى أن الهجوم وقع في مكان عام في مسقط رأسه، مدينة شونهوفن، حيث تعيش جالية صغيرة لكنها نشطة سياسيا من أصل إيراني. ولم يقبض بعد على مطلق النار، مما يزيد من حالة التوتر والخوف داخل المجتمع الإيراني في هولندا.
إجراء تقييم شامل
أكد وزير العدل والأمن الهولندي ديفيد فان ويل: “نظرا لأصوله الإيرانية، وللتوترات العالمية الراهنة، أمرت بإجراء تقييم شامل لتحديد ما إذا كان لهذا الحادث أي تأثير على سلامة المعارضين الإيرانيين الآخرين في هولندا”.
أضاف: “وقد اتخذنا، عند الضرورة، إجراءات إضافية لضمان حماية هؤلاء الأفراد ومنع وقوع حوادث مشابهة”. وأكد فان ويل أن التحقيقات لا تزال جارية، ولم يتضح بعد ما إذا كان الرجل قد استهدف تحديدا بسبب أصله الإيراني. لكنه أشار إلى أن كون الشخص علنا يعبر عن معارضته للنظام الإيراني يشكل عامل خطر مهم يجب التعامل معه بحذر. وقال: “إن التعبير العلني عن موقف سياسي أو نقد للنظام الإيراني يعد مسألة حساسة للغاية، ويجب التعامل معها على محمل الجد لضمان سلامة المجتمع”.
مخاوف مستمرة من تدخل النظام الإيراني في هولندا
نشرت وسائل إعلام هولندية عدة تفاصيل عن الضحية، مشيرة إلى أن الرجل كان نشطا جدا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث نشر انتقادات صريحة للنظام في طهران أمام عشرات الآلاف من المتابعين على إنستغرام وتليجرام.
كان قد أعرب مؤخرا عن تأييده للضربات الأمريكية الإسرائيلية على أهداف إيرانية، وكتب منشورا شكر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. وتسببت حادثة إطلاق النار في حالة من الخوف بين أفراد الجالية الإيرانية في هولندا.
أوضح النائب الهولندي أوليس إليان في تعليق على موقع X أن الحادثة أثارت “رعبا شديدا” لدى المجتمع الإيراني في البلاد، مضيفا: “أعرف مدى قدرة الملالي في طهران على فعل أي شيء ضد المعارضين، سواء في الداخل أو الخارج”. ويعكس هذا التصريح المخاوف المستمرة من تدخل النظام الإيراني في شؤون رعاياه بالخارج، واستخدام العنف كوسيلة لإسكات الأصوات المعارضة.
ويأتي هذا الحادث في سياق تاريخي معقد، حيث سبق أن سجلت وكالة الاستخبارات الهولندية AIVD “مؤشرات قوية” على تورط إيران في مقتل مواطنين هولنديين من أصل إيراني في عامي 2015 و2017. وقد أثارت تلك الحوادث جدلا واسعا حول دور الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية في استهداف المعارضين في دول أوروبية متعددة، وما إذا كان يمكن للدول المضيفة حماية رعاياها بشكل فعال ضد هذا النوع من التهديدات الخارجية.
في الوقت نفسه، يواصل البرلمان الهولندي متابعة سلسلة الحوادث التي قد يكون للنظام الإيراني علاقة بها. فخلال مارس 2026، وقع انفجار خارج كنيس يهودي في روتردام، مما دفع السلطات إلى فتح تحقيق شامل لتحديد المسؤولين. وأوضح وزير العدل والأمن أن التحقيق لا يزال جاريا، لكنه أشار إلى أن المراهقين الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عاما، وتم احتجازهم على خلفية الحادث، يبدو أنهم نفذوا أوامر من جهات خارجية، في إشارة إلى احتمال وجود شبكة أو توجيه خارجي وراء الهجوم.
تعزيز الإجراءات الأمنية حول المعارضين الإيرانيين
تعمل السلطات الهولندية على تعزيز الإجراءات الأمنية حول المعارضين الإيرانيين، بما في ذلك تكثيف الحماية الشخصية لبعض الأفراد الأكثر عرضة للخطر، ومراقبة نشاطات الجماعات المتطرفة المحتملة التي قد تسعى لاستهدافهم. ويشمل ذلك التعاون مع أجهزة الاستخبارات الأوروبية والدولية لتبادل المعلومات وتحليل التهديدات المحتملة قبل وقوع أي حادث.
كما بدأت السلطات مراجعة البروتوكولات الأمنية في الأماكن العامة التي يرتادها أفراد الجالية الإيرانية، بما في ذلك مراكز اجتماعية ودينية وثقافية، لضمان عدم تكرار الحوادث المماثلة. ويشير المسؤولون إلى أهمية توعية المجتمع المحلي حول كيفية التعامل مع التهديدات الأمنية، ورفع مستوى اليقظة لدى الأفراد المستهدفين.
يثير هذا الحادث تساؤلات حول قدرة الدول الأوروبية على حماية المعارضين الإيرانيين في الخارج، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة. فالتصعيد الأخير في المنطقة، بما في ذلك الضربات الأمريكية الإسرائيلية على أهداف إيرانية، يخلق بيئة متقلبة، ويزيد من احتمالات استهداف المعارضين في دول ثالثة. كما يسلط الضوء على الحاجة إلى تنسيق أمني واستخباراتي أوسع بين الدول الأوروبية لضمان استجابة سريعة وفعالة ضد أي تهديد محتمل.
تبدو هولندا أمام تحد مزدوج: حماية المعارضين الإيرانيين في الداخل، وفي الوقت نفسه التصدي لأي محاولات من الخارج لفرض العقاب أو الترهيب، سواء من قبل النظام الإيراني أو جهات أخرى تدعمه. ويؤكد الخبراء أن استمرار هذه الحوادث سيؤثر على شعور الأمن لدى الجالية الإيرانية ويزيد من المخاوف بشأن حرية التعبير والمشاركة السياسية في الدول الأوروبية.
تبقى الأولوية الأساسية للسلطات الهولندية حماية الأفراد وضمان عدم تكرار الحوادث، مع تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتطبيق إجراءات وقائية استباقية، لضمان الأمن والاستقرار في المجتمع المحلي.


