الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

حرب الشرق الأوسط تشعل أزمة طاقة جديدة في أوروبا

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ تسببت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران بسلسلة هزات عنيفة طالت أسواق الطاقة العالمية، وسط مخاوف جدية من اضطرابات طويلة الأمد على خطوط الإمداد، خصوصا عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. ونتيجة لهذه التطورات، قفزت أسعار النفط والغاز عالميا، لتواجه أوروبا صدمة طاقة جديدة بعد سنوات قليلة فقط من أزمة الغاز الروسي.

يمر جزء كبير من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في الخليج عبر مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي ضيق وعرضة للتوترات العسكرية والجيوسياسية. أي تهديد لإغلاق هذا الشريان أو تعطيله يرفع على الفور تكاليف التأمين والشحن على ناقلات النفط والغاز، ما يدفع التجار إلى التسعير وفق سيناريوهات نقص محتمل في المستقبل، ويكونون مستعدين لدفع المزيد لتأمين الشحنات. هذا الخوف انعكس بسرعة على الأسعار العالمية، حيث سجلت عقود الغاز والنفط ارتفاعات حادة خلال أيام قليلة.

قفزة حادة في أسعار الغاز الأوروبية

على خلفية هذه التوترات، قفزت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 30% في بداية الأسبوع، مع تسجيل عقود الغاز المعيارية في مركز TTF الهولندي ارتفاعاً من مستويات تقارب 30 يورو إلى أكثر من 50–60 يورو لكل ميغاواط/ساعة خلال فترة قصيرة، وهي زيادات تراكمية تصل إلى نحو 60–90% خلال شهر وفق بعض التقديرات السوقية. هذا الارتفاع يعيد إلى الأذهان أزمة 2022، حين اضطرت أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الغاز الروسي عبر الأنابيب والانتقال سريعا إلى الغاز الطبيعي المسال المنقول بحرا، لتصبح أكثر تعرضا للصدمات العالمية المرتبطة بممرات الشحن ومناطق النزاع.

أوروبا بين أمن الطاقة والاعتماد على الغاز المسال

بعد 2022، أعادت أوروبا رسم خريطتها الطاقية، فاستبدلت جزءا كبيرا من الغاز الروسي بواردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر ودول أخرى. هذا التحول خفّف من مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، لكنه في المقابل جعل القارة أكثر حساسية لصدمات الأسعار في الأسواق الفورية العالمية، ولأي اضطراب يطال الممرات البحرية مثل مضيق هرمز. ومع اشتداد الحرب الحالية، باتت أي إشارة إلى تعطل شحنات الغاز المسال كفيلة بدفع الأسعار في البورصات الأوروبية إلى مستويات أعلى، والتالي رفع الضغوطات على اقتصادات تعتمد بشدة على الغاز في الصناعة والتدفئة.

فرنسا: فواتير تحت الضغط رغم الطاقة النووية

تستورد فرنسا جزءا كبيرا من الغاز المستخدم في التدفئة والصناعة، بينما تعتمد منظومة الكهرباء بشكل أساسي على الطاقة النووية، وهو ما يمنح البلاد نوعاً من الحماية النسبية مقارنة بجيرانها. لكن آلية تسعير الكهرباء في السوق الأوروبية، التي ترتبط بشكل كبير بكلفة إنتاج الكهرباء من محطات الغاز، تؤثر أيضا على ارتفاع أسعار الغاز في أسواق الجملة الفرنسية. هذا يعني أن موردي الغاز الفرنسيين يدفعون حالياً أكثر في الأسواق، ما ينعكس تدريجياً على فواتير الأسر، لاسيما عند تجديد العقود أو تعديل التعريفات المتغيرة، رغم استمرار وجود تدابير حكومية مثل “درع” الطاقة لتخفيف حدة الصدمة.

تشير تقديرات صحفية فرنسية إلى أن فاتورة الطاقة المنزلية السنوية قد ترتفع بنحو 50 يورو في 2026، نتيجة مزيج من تقليص الدعم وتحركات الأسعار في أسواق الجملة، مع بقاء العقود الثابتة نسبياً أفضل وسيلة حماية للأسر في مواجهة القفزات المفاجئة. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، بلغ متوسط سعر الكهرباء للأسر نحو 28.7 يورو لكل 100 كيلواط/ساعة في 2024، وهو مستوى لا يزال أعلى من ما قبل أزمة 2021–2022، ما يعني أن “العودة إلى الوضع الطبيعي” لم تتحقق فعليا، قبل أن تضرب الأسواق صدمة جديدة.

ألمانيا: اقتصاد صناعي أكثر هشاشة أمام صدمة الغاز

ألمانيا، التي أغلقت محطاتها النووية في السنوات الأخيرة وتعتمد على مزيج من الطاقات المتجددة المدعومة بمحطات توليد تعمل بالغاز، تبدو أكثر حساسية من فرنسا لأي تقلبات في أسعار الغاز. فالتكاليف المرتفعة للغاز الطبيعي المسال تنتقل بسرعة إلى أسواق الجملة للغاز والكهرباء، ما يضغط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والمعادن، ويرفع الأسعار النهائية على الأسر.

لا تزال برلين تمتلك أدوات للتدخل مثل الدعم المؤقت وكبح الأسعار، وهي سياسات استخدمت خلال أزمة الطاقة الأولى، لكنها مكلفة ماليا ومثيرة للجدل سياسيا، في ظل نقاشات حول الدين العام والقدرة التنافسية للصناعة الألمانية. أي لجوء جديد واسع النطاق إلى هذه الأدوات قد يثير جدلاً محتدما بين من يطالب بحماية الاستهلاك والإنتاج، ومن يحذر من تشويه أسعار السوق وتأجيل التحول نحو نموذج طاقي أكثر استدامة.

أثر مباشر على الأسر وصدمات متتالية

بالنسبة للمستهلكين العاديين في فرنسا وألمانيا، لن يظهر تأثير صدمة الأسعار الحالية على الفواتير بين عشية وضحاها، بل تدريجيا عبر عدة قنوات: ارتفاع عروض العقود الجديدة، تقلص الصفقات الرخيصة، وتباطؤ وتيرة انخفاض الأسعار مقارنة بما كان متوقعا قبل اندلاع الحرب. الأسر المستفيدة من عقود ثابتة أو من تدابير حماية حكومية قد تشعر بحماية نسبية على المدى القصير، بينما تجد الأسر ذات العقود المتغيرة أو المنتهية نفسها أقرب إلى “خط النار التسعيري” للأسواق.

https://hura7.com/?p=75934

الأكثر قراءة