
جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تحولت الحرب الروسية ـ الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة إلى مواجهة متصاعدة في السماء، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى أهم أدوات الطرفين لضرب العمق المقابل واستهداف المنشآت الحيوية، في وقت لا تحقق فيه العمليات البرية تحولًا حاسمًا يضع حدًا للحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات. ولم تعد المسيّرات مجرد سلاح مساعد على خطوط الجبهة، بل أصبحت وسيلة لشن هجمات بعيدة المدى تستهدف البنية التحتية والطاقة والمطارات والمنشآت الصناعية ومراكز الإمداد.
وفي الأيام الأخيرة، بلغ هذا التصعيد مستوى لافتًا عندما أعلنت موسكو أنها أسقطت أكثر من ألف مسيّرة أوكرانية خلال موجة هجمات واسعة، بينها مئات كانت متجهة نحو موسكو. ووصف رئيس بلدية العاصمة الهجوم بأنه الأكبر من نوعه على المدينة، فيما تحدثت السلطات عن أضرار لحقت بمصفاة نفط ومبانٍ سكنية وسقوط قتلى وجرحى.
كييف تنقل المعركة إلى العمق الروسي
تسعى أوكرانيا من خلال تطوير المسيّرات بعيدة المدى التي نجحت في احداث توازن عسكري مع موسكو إلى نقل جزء من المعركة إلى داخل الأراضي الروسية، من خلال ثبيت نظرية تقوم على معادلة كييف العاصمة مقابل موسكو العاصمة امن الطقة الروسي مقبل امن البنى التحيتى الاوكرانية ، مستهدفة بصورة خاصة المنشآت النفطية واللوجستية ومصانع إنتاج الأسلحة. وترى كييف أن ضرب هذه المنشآت يمكن أن يرفع كلفة الحرب على موسكو ويؤثر في قدرتها على تمويل العمليات العسكرية.
وتؤكد الهجمات الأخيرة قدرة أوكرانيا التكنولوجية الجديدة على إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات في وقت واحد، الأمر الذي يستنزف قدرات الدفاعات الروسية التعامل مع الموجات المتزامنة التي يصعب اعتراضها بالكامل. وتزامنت إحدى أكبر هذه الموجات مع الانتخابات البرلمانية الروسية، الأمر الذي أعطاها بعدًا سياسيًا إضافيًا، وإن كانت كييف تركز في تبرير عملياتها على استهداف المنشآت التي ترى أنها مرتبطة بالآلة العسكرية الروسية.
موسكو تطور سلاحها الجوي الرخيص
لم تكتف روسيا بزيادة أعداد المسيّرات التي تطلقها على المدن والمنشآت الأوكرانية، بل بدأت باستخدام نماذج جديدة تعمل بمحركات نفاثة، الأمر الذي أحدث تحولًا في طبيعة التهديد الذي تواجهه الدفاعات الجوية الأوكرانية. وتحلق هذه المسيّرات على ارتفاعات تتراوح بين أربعة وسبعة كيلومترات، وبسرعة أعلى من النماذج التقليدية، ما يجعل التعامل معها أكثر صعوبة بالنسبة إلى فرق الدفاع الجوي المحمولة التي كانت تعتمد على اعتراض المسيّرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. وتشير البيانات الأوكرانية إلى أن نسبة اعتراض هذه النماذج النفاثة تراجعت إلى نحو 60%، مقارنة بأكثر من 90% بالنسبة إلى نماذج سابقة.
وهكذا بدأت موسكو تستخدم المسيّرات ليس فقط لضرب أهداف محددة، وإنما أيضًا لإرهاق منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، عبر إطلاقها على مدار الساعة وبأعداد كبيرة. ويؤدي هذا الأسلوب إلى استنزاف الذخائر والكوادر، ويجبر كييف على توزيع قدراتها الدفاعية على مساحة جغرافية واسعة.
حرب استنزاف فوق المدن والمنشآت
تكشف طبيعة الهجمات المتبادلة أن حرب المسيّرات تحولت إلى جزء أساسي من استراتيجية الاستنزاف. فروسيا تستهدف قطاعات اقتصادية ولوجستية أوكرانية، بينها الموانئ ومحطات السكك الحديدية والمنشآت الصناعية ومراكز التخزين، بينما تركز أوكرانيا بصورة متزايدة على قطاع الطاقة والنفط والمنشآت العسكرية داخل روسيا. ويدفع المدنيون ثمن اتساع هذه الحرب الجوية بسقة ضحايا كثيرة واضرار في المنشات والمباني في المدن الاوكرانية والروسية وتعطيل الحياة الاقتصادية في البلدين .
سباق بين الهجوم والدفاع
أصبحت الحرب في أوكرانيا أيضًا سباقًا تكنولوجيًا بين القدرة على تصنيع المسيّرات والقدرة على إسقاطها. فكلما طورت كييف مسيّرات بعيدة المدى وأكثر قدرة على الوصول إلى العمق الروسي، عملت موسكو على زيادة أعداد المسيّرات وتحسين سرعتها وارتفاع طيرانها وقدرتها على تجاوز الدفاعات. لذلك تبحث أوكرانيا عن حلول جديدة تشمل مسيّرات اعتراضية قادرة على إسقاط المسيّرات الروسية، لكن توسيع الإنتاج يحتاج إلى تمويل ووقت. وتقول السلطات الأوكرانية إن الحرب أصبحت أكثر كلفة، فيما تواجه البلاد فجوة كبيرة في تمويل احتياجاتها الدفاعية.
المسيّرات تغيّر شكل الحرب
لم تعد المسيّرات مجرد وسيلة لضرب أهداف عسكرية على مسافات قريبة، بل أصبحت أداة استراتيجية تسمح للطرفين بإيصال الحرب إلى مسافات كانت في السابق تحتاج إلى صواريخ أكثر تكلفة أو إلى طائرات مأهولة. وهذا التحول يمنح المسيّرات ميزة اقتصادية وعسكرية في آن واحد، إذ يمكن إنتاج أعداد كبيرة منها مقارنة بتكلفة الصواريخ البعيدة المدى. ولذلك باتت المعركة تدور حول معادلة بسيطة: من يستطيع إنتاج مسيّرات أكثر، ومن يستطيع اعتراضها بتكلفة أقل؟
حرب المسيّرات لا تحسم الحرب
على الرغم من ضخامة الهجمات، لا يبدو أن المسيّرات وحدها قادرة على حسم الحرب. فهي تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية ورفع كلفة العمليات العسكرية وإرهاق الدفاعات الجوية، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير خطوط الجبهة أو فرض تسوية سياسية.
ولهذا تبدو حرب المسيّرات أقرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، يحاول فيها كل طرف إضعاف قدرة الآخر على مواصلة القتال بدل تحقيق انتصار عسكري سريع. وتأتي هذه التطورات في وقت تستمر فيه الجهود الدبلوماسية، من دون أن تنجح حتى الآن في وقف التصعيد العسكري.
وفي المحصلة، تحولت سماء روسيا وأوكرانيا إلى جبهة جديدة لا تقل أهمية عن الجبهات البرية. فكييف تحاول ضرب العمق الروسي وإرباك اقتصاده العسكري، بينما تعمل موسكو على تطوير موجات أكثر كثافة وسرعة من المسيّرات لإرهاق الدفاعات الأوكرانية وضرب بنيتها التحتية.
وبين هجوم وآخر، تتقدم التكنولوجيا لتصبح أحد العوامل الحاسمة في استمرار الحرب، فيما يبقى السؤال الأكبر مرتبطًا بالسياسة لا بالسلاح: إلى أي مدى يمكن أن تستمر حرب المسيّرات في رفع كلفة الصراع من دون أن تدفع الطرفين إلى تسوية تنهيه؟


