الأكثر قراءة

حصرية السلاح في لبنان: بين استراتيجيات القوة والمحددات السيادية

داود رمال

جريدة الحرة ـ بيروت

يشكّل ملف حصرية السلاح في لبنان إحدى أبرز القضايا التي تكشف عن تعقيدات الدولة اللبنانية ومفارقاتها الداخلية والخارجية. هذا الملف لا يقتصر على كونه قضية أمنية فحسب، بل هو معبر حيوي عن التوازنات السياسية الداخلية، والتداخلات الإقليمية والدولية، حيث يلتقي الاهتمام بالسيادة الوطنية مع حسابات القوى الإقليمية التي تستثمر الملف لتحقيق أهداف استراتيجية محددة. في هذا الإطار، ترافق النقاشات الجارية بين الحكومة اللبنانية وحزب الله مع ترقب رسمي للرد الإسرائيلي على الورقة الأميركية، والتي وقعت الحكومة اللبنانية عليها وأكدت من خلالها التزامها بمبدأ حصرية السلاح، وضرورة توفير الضمانات الكفيلة بتطبيقه على أرض الواقع.

في السياق الداخلي، برز موقف حزب الله الذي أعلن قبوله المبدئي بمبدأ حصرية السلاح انسجاماً مع البيان الوزاري ومشاركته في الحكومة، لكنه وضع شرطاً جوهرياً بعدم ربط التنفيذ بجدول زمني ملزم. هذا الموقف يعكس بوضوح استراتيجية الحزب في الحفاظ على ورقة قوة داخلية وخارجية، إذ يسمح له بالتحكم في إيقاع النقاش دون الانجرار إلى مسارات قد تقلّص نفوذه السياسي أو العسكري. ويشير مصدر سياسي لبناني بارز لـ”الحرة” إلى أن “هذا الشرط يعكس رغبة الحزب في الإمساك بالزمام، لكنه يضعه في مواجهة مباشرة مع قرار الحكومة الذي كلّف الجيش إعداد خطة واضحة لجمع السلاح ضمن مهلة زمنية محددة، ما أدى إلى فتور مؤقت في العلاقة مع رئاسة الجمهورية، قبل أن يتم استئناف قنوات التواصل لاحتواء الخلاف”. وعلى صعيد العلاقة مع رئيس مجلس النواب، بقيت الأمور أكثر استقراراً، إذ رفضت حركة أمل أي انخراط في الشارع رغم قلقها من مستقبل هذا الملف، ما يعكس دقة التوازن السياسي اللبناني بين مختلف القوى.

توضح التطورات أن حزب الله ملتزم بالاتفاق الأول لوقف النار عبر إخلاء مواقعه في جنوب الليطاني وتسليمها للجيش، وعدم الاعتراض على دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في تفكيك الأنفاق ومصادرة الذخائر. غير أن الحزب يرفض النقاش حول الاتفاق الثاني الذي طُرح لاحقاً، مفضلاً التمسك بالصيغة الأولى التي تتناسب أكثر مع موازناته الميدانية والسياسية.

وفي تناقض واضح، يعلن الحزب انفتاحه على النقاش حول سلاحه في إطار استراتيجية دفاعية وطنية شاملة، لكنه يرفض رفضاً قاطعاً أي جدول زمني لتسليمه، معتبراً هذا السلاح ورقة قوة وطنية لا يمكن التفريط بها. في المقابل، تتمسك الحكومة والرئاسة بموقف حاسم يدعو إلى تنفيذ قرار جمع السلاح قبل نهاية العام، في مواجهة ضغوط دولية وعربية متزايدة ترى في حصرية السلاح مدخلاً أساسياً لتعزيز سلطة الدولة وسيادتها.

هذا التباين يكشف جوهر الأزمة اللبنانية المزمنة، والتي تتمثل في التداخل بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التوازنات الداخلية، وما يرافقها من استخدام السلاح كأداة سياسية لإدارة الخلافات. يبقى السؤال المطروح: هل سيستمر حزب الله في تمسكه بموقفه الرافض للمهل الزمنية، رغم الإجماع الداخلي والخارجي، أم أنه يستخدم هذا الملف كورقة ضغط لمقايضته بثمن سياسي إضافي؟ يظل هذا السؤال رهناً بتطورات المرحلة المقبلة، لكن المؤكد أن السلاح سيستمر كعنصر محوري في المعادلة اللبنانية، سواء تم التعامل معه كأداة تفاوض أو كعنوان دائم لصراع مفتوح حول معنى الدولة وحدود سلطتها، وهو ما يجعل هذا الملف نقطة مركزية لفهم مستقبل السياسة اللبنانية ومحدّدات قدرتها على فرض سيادة كاملة على كامل أراضيها.

https://hura7.com/?p=64613

 

الأكثر قراءة