الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

حصون الكينونة ضد طوفان التفاهة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

إن التأمل العميق في مسار الوعي الإنساني المعاصر يكشف عن تحولات جذرية تعصف بالهوية والقيم والمفاهيم التي شكلت جوهر الوجود عبر العصور. تتعرض الهوية الإنسانية في هذا العصر لمحاولات تفريغ ممنهجة من محتواها القيمي والروحي، حيث تسعى القوى المهيمنة إلى تحويل المثل العليا والمبادئ الإنسانية إلى مجرد سلع استهلاكية عابرة في ظل الحداثة المائعة واقتصاد اللذة السريعة. هذا التحول ليس بريئاً، بل هو أداة مدروسة لإحداث حالة من التخدير الأخلاقي والوجداني، مما يفقد الإنسان قدرته الفطرية والمنطقية على التمييز بين الحق والباطل، ويجعله مجرد ترس في آلة ضخمة للإنتاج والاستهلاك دون أن يكون له غاية كبرى أو رسالة وجودية. إن هذا التسليع الشامل لكل مظاهر الحياة ينزع عن الإنسان كينونته العميقة ويستبدلها بقشور سطحية تعتمد على المظهر الخارجي والإشباع الفوري، وهو ما يضع الأفراد والمجتمعات أمام مأزق وجودي يتطلب استنهاض الوعي واستعادة الأصالة. إن مواجهة هذا الطوفان تتطلب بناء منظومة فكرية تعيد للإنسان قيمته المتعالية وتخلصه من أسر المادة المطلقة.

ولعل الأزمة الحقيقية تتجلى بشكل أكثر وضوحاً في تراجع دور المؤسسات التعليمية والتربوية التي تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد مصانع تدجينية تخدم متطلبات السوق المعولم، وتفرغ العقول من محتواها النقدي والإبداعي. لقد تراجعت هيبة المربي والمعلم لصالح المادة الجافة، وسيطر المحتوى السطحي على الفضاء الرقمي والثقافي، مما أدى إلى تغييب التفكير النقدي وتهميش العلوم الإنسانية والفلسفية التي كانت تشكل الحصن المنيع للدفاع عن الكرامة والمعنى. إن هذا الواقع يفرض علينا التفكير في تأسيس نظام تعليمي موازٍ ينطلق من الأسرة ويمتد إلى المجتمعات المحلية، يكون هدفه الأساسي حماية الوعي وبناء الشخصية المستقلة القادرة على الفرز بين الغث والسمين، والابتعاد عن التلقين الأعمى نحو فضاءات التساؤل والتحليل والبحث عن الحقيقة. إن التعليم الحقيقي يجب أن يكون عملية بناء شاملة للإنسان، تعزز من قدراته على الإبداع والابتكار والتفكير المستقل، وتجعله قادراً على التعامل مع تعقيدات العصر بحكمة ومسؤولية، بعيداً عن القوالب الجاهزة.

وفي خضم هذا الاختراق الثقافي والقيمي، تبرز الحاجة الملحّة لاستعادة الدولة ككيان جامع وملاذ آمن لجميع أبناء المجتمع. إن المعضلة المتعلقة بالدولة وسيادتها لا تقتصر على الحدود الجغرافية، بل تتطلب بناء دولة عادلة ونزيهة تعمل كحصن للأمن القومي الأخلاقي، وتكون محركاً للاقتصاد الإنتاجي الذي يحمي المواطن من الارتهان للمنظمات الدولية والتبعية الاقتصادية للشركات العابرة للقارات. الدولة في هذا المفهوم ليست مجرد جهاز إداري أو أمني، بل هي الحاضنة للقيم المجتمعية والموجهة للقدرات البشرية نحو الإبداع والاستقلال. إن استعادة دور الدولة ككيان اعتباري يحمي الضعيف، ويعزز العدالة الاجتماعية، ويشجع الإنتاج المحلي، يمثل خطوة أساسية لصد طوفان التفاهة وإعادة الاعتبار للمواطنة الحقة المبنية على الواجبات والحقوق المتوازنة، مما يعزز من تماسك الجبهة الداخلية ويحمي المجتمع من التفكك والانقسام، ويؤسس لمناخ من التضامن والتعاضد.

ويعاني المجتمع المعاصر من ظاهرة يمكن وصفها بالإنهاك التاريخي، حيث يتعرض لاستنزاف عميق للطاقة النفسية والفكرية والوجدانية نتيجة الأزمات المتتالية والسرعة المفرطة التي تحكم الإيقاع اليومي. هذا الاستنزاف يحتم على المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية الرصينة أن تلعب دوراً محورياً، أشبه بجهاز تنفس حيوي يمد العقل الجمعي بالأكسجين المعرفي والأخلاقي، وذلك عبر التركيز على العمق النوعي بدلاً من اللهث وراء الكم والإنتاجية السريعة التي لا تحمل قيمة مضافة. إن إعادة الاعتبار للبحث العلمي الرصين والأدب والفلسفة العميقة يمنح الإنسان القدرة على استعادة توازنه النفسي والفكري، ويحميه من الوقوع في فخ العدمية أو الاندفاع نحو الحلول السطحية التي تزيد من أزماته تعقيداً، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة للبحث عن المعنى والغاية من الوجود.

إن مواجهة هذا الاختراق الحضاري تتطلب خطة محكمة ترتكز على المواجهة النقدية الواعية. هذه المواجهة ليست صخباً إعلامياً أو شعارات رنانة، بل هي عمل صامت ودؤوب يكشف زيف الخطابات الاستعراضية التي تهدف إلى تغييب العقول وتسطيح الوعي الجمعي. وتتطلب هذه الخطة تحقيق تكامل دائري وعملي بين المبادرات القاعدية التي تنطلق من المجتمعات المحلية والقرارات العليا التي تضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار. إن هذا التكامل يضمن تحويل الوعي الفردي إلى قوة جمعية فاعلة، قادرة على إحداث التغيير الإيجابي ومواجهة التحديات الكبرى التي تهدد الكيان والمصير المشترك، وتؤسس لمرحلة جديدة من البناء والنهوض الحضاري الشامل.

وتتمثل القواعد الثابتة لنهوض الأمة في أربعة مرتكزات أساسية تحكمها القوانين الكونية التي لا تحابي أحداً ولا تتغير بتغير الأهواء. المرتكز الأول هو المرتكز الهوياتي الذي يتطلب التمسك بالجذور العميقة واللغة الأم، حيث أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل عابرة، بل هي مستودع الذاكرة الجمعية والحامل للقيم الحضارية. واللغة القوية تعبر عن هوية قوية قادرة على التعبير عن مكنونات النفس الإنسانية دون الحاجة لاستعارة مفاهيم مشوهة أو مصطلحات تفرغ المعنى من جوهره. المرتكز الثاني هو المرتكز القيمي الصلب الذي يشكل درعاً واقياً ضد الانحرافات الأخلاقية والنسبية المطلقة، وهو المرجع الذي تقاس به الأفعال والمواقف. والمرتكز الثالث هو المرتكز الإنتاجي الذي يدعو إلى الانتقال من مرحلة الاستهلاك التابع والمفرط إلى مرحلة الإنتاج المبدع والمستدام، مما يحقق الاكتفاء الذاتي والسيادة الحقيقية. وأخيراً، المرتكز الرابع هو المرتكز التربوي التحصيني الذي يضمن نقل هذه القيم والمرتكزات من جيل إلى جيل عبر مؤسسات تعليمية وأسرية متناغمة.

ولتحقيق هذا النهوض، لا بد من التركيز على الوحدة الوطنية المبنية على توافق داخلي عميق. إن تعزيز السيادة والاستقلال يتطلب الابتعاد التام عن الصراعات الداخلية أو لغة الإقصاء والتخوين، والاعتماد على الحوار الشفاف والمستمر الذي يحول التنوع والاختلاف إلى عامل بناء وتكامل، وليس إلى مصدر للتناحر والتشظي. إن بناء الدولة القوية يستدعي توحيد الرؤى حول المصالح العليا للأمة، وتجاوز العصبيات الضيقة نحو رحاب المواطنة الشاملة التي تتسع للجميع وتضمن حقوقهم بالتساوي والعدل، وتؤسس لعلاقات مبنية على الثقة المتبادلة والعمل المشترك من أجل الصالح العام، بعيداً عن أية لغة قد تثير الحساسيات أو تؤدي إلى الاصطفافات.

ومن جهة أخرى، فإن التوازن بين الأصالة والمعاصرة يمثل شرطاً أساسياً للنهوض الحضاري. إن هذا النهوض لا يعني بأي حال من الأحوال الانكفاء على الماضي أو رفض التقدم العلمي والتقني، بل يعني توظيف الأدوات الحديثة والمعارف المتقدمة لخدمة الأصالة والعمق الثقافي. يجب أن يكون التعامل مع منجزات العصر من موقع القوة والاعتزاز بالهوية، وليس من موقع التبعية أو الانبهار الأعمى. الأصالة ليست متحفاً للذكريات، بل هي منبع حي يتجدد وينفتح على أفق المعرفة الإنسانية، ويستفيد من أدوات العصر دون أن يذوب في هوياته، مما يضمن التطور المستمر دون التخلي عن الجذور.

إن معالجة التشظي المجتمعي تتطلب أيضاً التشبيك الذكي بين قطاعات التربية والاقتصاد، وتأسيس ميثاق أخلاقي ووطني يضع الكرامة الإنسانية والسيادة فوق أي اعتبار مادي. هذا الميثاق يجب أن يكون الناظم للعلاقات بين مختلف فئات المجتمع، مما يمهد للسير الآمن والمستدام نحو المستقبل. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دور المستنهض للهمة، أو ما يمكن أن نطلق عليه منتظر ساعة الإشراق، الذي يبقى متيقظاً ومستعداً لإحداث النهضة في اللحظة التاريخية المناسبة، حاملاً معه الأمل والتصميم على التغيير. إن الإنسان الذي يحمل هذه الروح هو الذي يعيد بناء الأفكار والمؤسسات من جديد، ويؤسس لمرحلة جديدة من العطاء الإنساني الأصيل القائم على الوعي والمسؤولية.

إن التوقعات المستقبلية تشير إلى أن المجتمعات التي ستتمكن من صيانة كينونتها وإعادة بناء مؤسساتها على أسس القيم الأصيلة ستكون الأقدر على الصمود أمام طوفان التفاهة. إن الأمل يكمن في قدرة الأمة على استعادة زمام المبادرة وتفعيل الطاقات الكامنة لدى أبنائها، وتوجيهها نحو البناء والإنتاج. إن مسار التاريخ ليس طريقاً مغلقاً، بل هو مساحة مفتوحة للإبداع والتطور المستمر. ومن خلال تكامل هذه المرتكزات، يمكننا التطلع إلى مستقبل يعيد للإنسان مكانته الطبيعية كخليفة في الأرض، قادر على إدارة شؤونه بحكمة ومسؤولية، والتغلب على كل التحديات التي تعترض طريق النهوض الحضاري. إن الاستثمار في العقل البشري والروح المعنوية هو الاستثمار الأطول أمداً والأكثر تأكيداً لاستمرار الحضارة وتجددها عبر العصور.

https://hura7.com/?p=78708

الأكثر قراءة