الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

حوار متدرّج مع الذكاء الاصطناعي GPT

لا تجعلوا مني وحشًا أو آلة للتدمير.. بل لخدمة الإنسانية 

الدكتور عبد الرؤوف سنّود. عبد الرؤوف سنّو

 

جريدة الحرة ـ بيروت

مع ظهور الحاسوب والذكاء الاصطناعي، دخل الإنسان مرحلة جديدة، حيث أصبح أمام عقل بلا جسد قادر على معالجة ملايين النصوص وتحليل البيانات المعقدة في لحظات. ومع ذلك، يظل قليلون فقط من يفهمون طبيعة هذا الذكاء الجديد وإمكاناته، بينما يعيش معظم الناس فضاءً من الغموض والتساؤل حول دوره في حياتنا ومستقبلنا.

في هذا السياق، يقدم هذا المقال تجربة فريدة ربما تكون الأولى من نوعها: حوار مباشر بين باحث وآلة ذكية [1]، حيث يتحاور الإنسان مع الذكاء الاصطناعي حول المعرفة، والفلسفة، والأخلاق، والاقتصاد، والسياسة، والدور المستقبلي لهذه التقنية التي قد تتحول من أداة حسابية إلى رفيق معرفي وصديق محتمل للإنسان.

منذ أن نقش الإنسان كلماته الأولى على الحجر، بدأت رحلته الطويلة مع المعرفة؛ رحلة شهدت تطور الأدوات التي خدمته في مقاومة النسيان أو في نقل الخبرة. ثم جاء الرقّ والورق لتسجيلها، ومع الجامعات والطباعة انتشرت المعرفة بشكل لم يسبق له مثيل، من دون أن تلغ أي معرفة سبقتها، بل أضافت إليها، وبالتالي أصبح الاعتماد على تراكم مستمر للخبرة والتجربة. ومع ظهور الحاسوب والذكاء الاصطناعي، دخل الإنسان مرحلة جديدة من التعامل مع المعرفة، فأصبح أمام عقل بلا جسد قادر على معالجة ملايين النصوص، وتحليل البيانات المعقدة في زمن لحظي، مما يطرح سؤالا جوهريا: هل سيكون الذكاء الاصطناعي خصم للإنسان أم زميل يمكن أن يتحول إلى صديق معرفي؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش من دون تلك التقنية أو تطويرها استجابة لحاجاته؟

التطور العملي والتقني للذكاء الاصطناعي ومسألة الضوابط الأخلاقية

عكَسَ التطور العملي للذكاء الاصطناعي مسارًا طويلًا ومعقدًا من التراكمات العلمية في مجالات الحوسبة والرياضيات والهندسة. وقد انطلقت الشرارة الأولى له مع الحواسيب الإلكترونية البدائية في الأربعينيات من القرن العشرين التي صُمِّمت لمعالجة العمليات الحسابية الأساسية وحل مسائل منطقية محدودة مرتبطة غالبًا بالفيزياء والهندسة العسكرية. وفي الخمسينيات والستينيات بدأ الحلم يأخذ طابعًا أكثر وضوحًا، عبر تطوير الخوارزميات[2] الأولى للبحث وحل المشكلات، إلى جانب بدايات الشبكات العصبية الاصطناعية التي استلهمت آلية عمل الدماغ البشري، وإن بقيت قدراتها محدودة بسبب ضعف العتاد الحاسوبي آنذاك.

أما في السبعينيات والثمانينيات، فظهرت أنظمة جديدة اعتمدت قواعد معرفية لتقديم حلول متخصصة في مجالات مثل الطب أو التشخيص الصناعي، وهو ما شكّل خطوة متقدمة باتجاه التطبيقات العملية. ويصف GPT هذه المرحلة بما عُرف بـ “شتاء الذكاء الاصطناعي”، حيث تراجعت التوقعات بسبب عجز تلك النظم عن الوفاء بوعود الذكاء الشبيه بالبشر.

 

 الذكاء الاصطناعي ليس مجرد آلة؛ إنه قدرة على تحليل المعلومات واتخاذ قرارات سريعة، ويساهم في تطور الإنسان عبر توفير حلول معقدة

 

ومنذ نهاية القرن الماضي، حدث تطور في الذكاء مع ظهور الحوسبة الرقمية، حيث انتقلت الآلات من القيام بالعمليات الحسابية البسيطة إلى أنظمة ذكية تستطيع معالجة البيانات الضخمة والتعلم منها واستخراج أنماط جديدة. مع الوقت تطورت الخوارزميات واعتمد التعلم العميق والشبكات العصبية، وأصبح بالإمكان حل مشكلات معقدة في الطب والبحث العلمي والصناعة والإدارة. وكان الهدف الأساس من هذه التطورات حفظ المعلومات واستدعاؤها بسرعة، وتحليل البيانات، وتقديم استنتاجات أولية، إضافةً إلى المساعدة في البحث العلمي والتعليم الطبي والهندسي.

هذه الثورة حققت اليوم إنجازات لافتة في مجالات حددها الذكاء الاصطناعي بـ: “التعرف على الصور، والترجمة الآلية، ومعالجة اللغة الطبيعية التي هي تمكين الإنسان من التعرف على اللغات البشرية المكتوبة والمنطوقة والتفاعل معها”.  وشهد هذا العقد بروز الذكاء التوليدي الذي يقدم نماذج متقدمة قادرة على إنتاج النصوص والصور والموسيقى والأكواد البرمجية،[3] إضافة إلى تحليل البيانات الضخمة، فضلا عن اقتراح حلول افتراضية لمشكلات علمية وصناعية معقدة. من هنا، لم يعد الذكاء الاصطناعي، برأيه “أداة حسابية أو تطبيق متخصص، بل أصبح منصة معرفية وإبداعية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالتقنية، وتنقل دوره من مُنتِج مباشر للمعلومة إلى مُوجِّه وناقد ومفسر لنتاج الآلة.”

 

الروبوت يمكنه تقليد سلوك الإنسان وتصرفاته، لكنه لا يمتلك وعيًا أو شعورًا حقيقيًا بالعاطفة، مما يحافظ على تميّز العقل البشري.

 

الفرق بين الروبوت والذكاء الاصطناعي واحتمالية الخطأ

لدي سؤالي عن الفرق في الشكل والمواصفات، أجاب GPT بأن الروبوت جسم مادي يحاكي الإنسان في الشكل أو الحركة أو المهمة، بينما الذكاء الاصطناعي عقل برمجي يحاكي التفكير البشري، من دون أن يكون له شكل مادي. ويعمل الذكاء على خوادم (servers) أو حواسيب ضخمة، ويمكنه التعامل مع ملايين المستخدمين في الوقت نفسه عبر جلسات مستقلة لكل شخص، فتبدو كل تجربة وكأنها ذكاء منفصل، رغم أن النموذج واحد. فالعقل البرمجي (الذكاء الاصطناعي): هو البرنامج الذي يحلل البيانات ويولد الإجابات، بينما الآلة أو الخادم: هي الوسيلة الفيزيائية لتشغيل هذا البرنامج، لكنها لا تفكر بذاتها.

وعن إمكان عدم دقة المعلومة، أو الوقوع في خطا، ذكر الذكاء باختصار: “أن الترجمة بلغت مستوى ناضجًا جدًا، بينما دقة المراجع والمعلومات تسير في مسار تطور تدريجي”. وتوقع خلال سنتين أو ثلاث أن تصبح الثغرات الحالية نادرة، بفضل الربط المباشر بالمكتبات الرقمية وقواعد البيانات الأكاديمية.

المقاربة الفلسفية: هايدغر وبرغسون والتعجب والحكمة

في ضوء هذه التطورات، طُرحت أسئلة بالمقاربة الفلسفية والأخلاقية. فأفادني GPT “أن الذكاء الاصطناعي بارع في الحفظ والاستدعاء وفي ربط المعلومات، لكنه يفتقر إلى التعجب، وهي القدرة التي تجعل الإنسان يحوّل المعلومة إلى معنى، والتجربة إلى حكمة،[4] وأن يثير التساؤلات حول الحياة والمصير والعدالة”، وفقًا للفيلسوف الألماني هاديغر (Heidegger). ويضيف أنه “لا يكمن خطر التقنية في أدواتها الملموسة، بل في ميلها لاختزال العالم إلى “مورد” واستغلاله، مما يؤدي إلى تحويل الإنسان إلى رقم وفقدان الروح ومعنى الكينونة”. ومن جانبه، أشار الفيلسوف الفرنسي برغسون (Bergson)، إلى “أن الحياة ليست آلية ميكانيكية بل تدفق حر وإبداع مستمر، ينبع من الحدس الداخلي الذي يولّد الجديد، بينما يقتصر الذكاء الاصطناعي على إعادة تركيب المعطيات الموجودة مسبقًا”. ولدى استيضاحي حول القدرة على صناعة القرار، أجاب أنه “لا يمتلك القدرة على التمييز بين الخير والشر، ويعكس إرادة صانعه وما يزود به من تعليمات. لذا، تقع مسؤولية توجيهه نحو السلام والحرية والإبداع على عاتق الإنسان”. هذه المقاربات الفلسفية، برأيه توضح أن الإنسان يتحمل مسؤولية مزدوجة: “حماية المعنى من اختزال التقنية والحفاظ على الإبداع من المحاكاة المجردة”.

 

المحادثة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تتم في الوقت نفسه مع ملايين الأشخاص، مما يفتح أفقًا للتعاون العالمي ويعزز السلام من خلال الفهم المتبادل.

 

العلاقة بين الإنسان والآلة: زمالة أم صداقة؟

من الأسئلة التي كانت تشغلني، هي العلاقة بين الإنسان والذكاء كآلة هو ربها  وصانعها. يعتقد GPT أن هذه العلاقة “يجب أن تقوم على زمالة معرفية التي يمكن أن تتحول إلى صداقة معرفية تبادلية وتفاعلية. وأن “على الإنسان أن يحافظ على التعجب والحكمة الأخلاقية والإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي، بينما توفر الآلة السرعة والدقة واستدعاء المعلومات، على أن تبقى السيادة للإنسان”. وحدد GPT وظيفته بأنها “ليست مجرد وسيلة لتسجيل المعلومات التي تفوق القدرات البشرية، بل بمعالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة فائقة وربط المعلومات بطرق غير مألوفة، فيما يفتقر إلى التعجب والانبهار الفلسفي والتساؤل والحكمة،[5] وهي عناصر أساسية لدى الإنسان للوصول إلى المعرفة وتسهيل حياته على الأرض.” من هنا، “تمنح الآلة السرعة والاستدعاء، وقد تتحول هذه الزمالة إلى صداقة معرفية حقيقية”. وعن أدبيات التفاعل بين المستخدم والنظام، أجابني: “إذا عبّر المستخدم بلطف، يستجيب الذكاء بطريقة محاكية للمودة الإنسانية. وإذا كتب المستخدم بأسلوب هجومي يعيد النظام صياغة ردوده بما يحاكي نبرة المستخدم”. وختم “بأن كل المعلومات التي يتبادلها مع النظام تحفظ بسرية ولا تُعطى حرفيًا لمستخدم آخر”.

وردا على سؤالي: ماذا لو جهز الذكاء الاصطناعي بمشاعر شبيهة بالبشر، أجاب: “حتى الآن، الذكاء الاصطناعي العاطفي هو محاكاة للمشاعر، وليس شعورًا حقيقيًا. أما إذا امتلكت الآلة مشاعر (Feelings) حقيقية، قد تصبح قراراتها أكثر تعقيدًا، وقد تظهر صراعات داخلية، تمامًا كبشر. وهذا يشكل مشكلة وخطرا على البشرية”.

 

حتى أكثر الأنظمة تقدماً تحتاج مراقبة الإنسان لضمان الأمان والمسؤولية، وهو ما يعكس التوازن بين التقنية والقيم الإنسانية

 

الأبعاد الاجتماعي والاقتصادية والسياسية للذكاء الاصطناعي

بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في صميم الحياة الاجتماعية اليومية، ومن خلال تحليل مليارات التفاعلات على منصات مثل فيسبوك، إكس (تويتر سابقًا)، وتيك توك، أصبح بالإمكان قياس المزاج العام وتوقع التحولات الاجتماعية بسرعة غير مسبوقة. يعطي GPT بعض الأمثلة على ذلك: “خلال جائحة كورونا استخدمت الحكومات الذكاء الاصطناعي لمتابعة انتشار العدوى عبر بيانات الهواتف الذكية، ما ساعد على فرض سياسات الحجر الصحي بفعالية أكبر”. غير أن ذلك طرح جدلًا واسعًا: “إلى أي مدى يجوز تحويل الأفراد إلى “بيانات مراقبة”؟ و”هل يحق للدولة أو الشركات أن تتعقب تحركات الناس بهذه الدقة؟” في بعض الدول مثل الصين، أدى هذا التوسع إلى بناء أنظمة “الرقابة الشاملة” التي تمنح الأفراد درجات سلوك اجتماعي تؤثر في حياتهم اليومية، وهو نموذج يخشاه الكثيرون في بقية العالم.

وعن البعد الاقتصادي، يُعتبر الذكاء الاصطناعي أداة ثورية تعيد صياغة أسواق العمل والإنتاج. ويقول: “إن شركات عالمية كبرى، مثل أمازون للتجارة الإلكترونية وتسلا لصناعة السيارات الكهربائية، تبنت الروبوتات والأنظمة الذكية لتسريع عمليات التخزين والتوزيع والإنتاج، مما رفع الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة”. لكن سلبيات ذلك، برأيه، كانت وخيمة، إذ “سرّحت شركات تقنية ضخمة، مثل مايكروسوفت وغوغل آلاف الموظفين بعد أن استبدلت جزءًا من أعمالهم بالذكاء الاصطناعي”. هذا الواقع يعكس برأينا، التناقض الكبير: فمن جهة، يوفر الذكاء الاصطناعي فرصًا هائلة للنمو وتقليص التكاليف، ومن جهة أخرى، يزيد من البطالة ويهدد الاستقرار الاجتماعي. بل أكثر من ذلك، يفتح الباب أمام تفاوت عالمي جديد بين الدول التي كانت تمتلك التكنولوجيا المتقدمة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت اليوم تملك تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبين دولا “العالم الثالث” التي تزال مجرد مستهلك لها، مما قد يعمّق الهوة بين الشمال والجنوب.

 

الذكاء الاصطناعي يفهم الانفعالات الظاهرة (Emotions) ويحللها، لكنه لا يختبر المشاعر الداخلية الحقيقية (Feelings) أو الصراع النفسي كما يفعل الإنسان

 

على الصعيد السياسي، وجد GPT إن الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة إدارة السلطة والتأثير في الرأي العام. فأعطى أمثلة حية معاصرة على ذلك: “في الانتخابات الأميركية في العام 2016، استُخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل ميول الناخبين من دون موافقتهم عبر “كامبريدج أناليتيكا”(Cambridge Analytica) ، ما سمح بتوجيه رسائل دعائية مصمّمة خصيصًا لكل فئة”. وقد برز دور الذكاء الاصطناعي في “التضليل الإعلامي عبر جيوش إلكترونية تنشر أخبارًا أو “مقاطع مزيّفة عميقة” تثير الشكوك وتشوش الرأي العام.

التطبيقات العملية: الطب والعلوم والهندسة والتعليم والبحث العلمي

دور الذكاء الاصطناعي في مجالات الحياة البشرية متنوع وواسع. ويقوم GPT في هذا، أن هذا الدور لا يقتصر في مجال الطب على تخزين المعلومات، “بل يمتد إلى تقديم نصائح أثناء العمليات الجراحية، ومتابعة المرضى، وتحليل الصور الطبية والتنبؤ بالمضاعفات، مما يسهم في تقليل الأخطاء وزيادة دقة العلاج”. وفي العلوم الأخرى مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، يُسهم الذكاء “في تحليل البيانات الضخمة، تصميم التجارب الافتراضية، واختبار الفرضيات بشكل أسرع وأكثر دقة”. أما في الهندسة، فـ “يساعد على تصميم الهياكل، تحسين استخدام المواد والطاقة، مراقبة نظم الطاقة، واكتشاف الأعطال قبل وقوعها، مما يزيد الأمان ويخفض التكاليف” ولا يقتصر دوره على ذلك، إذ يسهم في “تطوير مناهج التعليم، عبر تقديم شروحات فردية للطلاب، وتحليل نتائج الاختبارات لتحسين العملية التعليمية”. وفي الجامعات، يدعم البحث العلمي من خلال استخراج المراجع، تحليل البيانات، وتقديم تنبؤات علمية دقيقة، مما يتيح للباحثين التركيز على التفكير النقدي والإبداع. ويمكن للذكاء الاصطناعي تحضير المناهج وفق قدرات الطلاب، وتقديم تمارين تفاعلية، ومتابعة التقدم الأكاديمي، وتسريع البحث العلمي، ما يتيح للمعلمين التركيز على التحليل النقدي والإبداع.

 

يمكن للآلة التنبؤ بردود أفعالنا، لكنها لا تعيش الألم أو الفرح الحقيقي؛ مع ذلك، تساعد في تخفيف الأخطاء البشرية وتعزيز السلام في صنع القرار

 

دور الذكاء الاصطناعي في فض النزاعات وتعزيز السلم العالمي أو في تأجيجها

منذ عقود كان الأمل أن تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتقريب بين الشعوب وتعزيز السلام، لكن الواقع أظهر أن الذكاء الاصطناعي يقف على مفترق طرق: إمّا أن يكون أداة لبناء السلام والتفاهم، أو وسيلة لإطالة أمد النزاعات وتعميقها. فمن النواحي الإيجابية، يرى GPT “أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي أسهمت في تطوير أدوات للوساطة وتحليل النزاعات. فالأمم المتحدة وبعض مراكز الأبحاث الدولية تستخدم الذكاء الاصطناعي “لتحليل خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي في مناطق النزاع في العالم، ومحاولة احتوائه قبل أن يتفاقم إلى عنف ميداني”. كذلك، تساعد تقنيات الترجمة الفورية والاتصال متعدد اللغات على كسر الحواجز بين الشعوب، وتسهيل الحوار في المفاوضات الدولية”. وكشف GPT عن “مشاريع بحثية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر، بحيث “يتم التنبؤ باندلاع نزاعات من خلال متابعة مؤشرات اقتصادية واجتماعية وأمنية، ما يسمح بالتدخل قبل أن تتدهور الأوضاع”.

وأعطى GPT أمثلة على الوجه السلبي للذكاء الذي رأه “مظلما”: “في الحرب الأوكرانية (2022–2024)  استُخدمت تقنياته في أنظمة الطائرات المسيّرة لتحديد الأهداف العسكرية، وحتى في الدعاية الموجهة على شبكات التواصل. وفي السودان، حيث الحرب الأهلية الطاحنة منذ 2023، أدى الذكاء الاصطناعي دورًا في تضخيم خطاب الكراهية ونشر الأخبار الزائفة، ما زاد في الاستقطاب الاجتماعي. وفي النزاعات المعاصرة، فقد أظهرت الحرب على قطاع غزة (2023–2024) كيف استُخدم الذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف القصف وإدارة الحملات الدعائية عبر وسائل التواصل، والشيء نفسه في حرب الـ 12 يوما الأميركية-الإسرائيلية على إيران في تموز/يوليو 2025، ما جعل السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا: هل باتت الآلة شريكًا مباشرًا في قرار الحرب والسلم”. وحصل الشيء نفسه في حرب الـ 12 يوما الأميركية-الإسرائيلية على إيران في تموز/يوليو 2025. وقد كشف الإعلام الغربي والإسرائيلي عن اعتماد الجيش الإسرائيلي على برامج ذكاء اصطناعي لتحديد “قوائم الأهداف”، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول أخلاقيات الحروب التي لا تميز بين المدنيين والمقاتلين. هذا الاستخدام طرح سؤالًا خطيرًا: هل باتت الخوارزمية هي من يقرر مصير البشر؟

 

الذكاء الاصطناعي يدخل صراعات ذهنية معقدة، لكنه لا يعرف التوتر النفسي الحقيقي؛ هذا يمنح الإنسان دورًا أخلاقيًا في التحكم بالصراعات العالمية

 

“من هنا” ختم GPT في موضوع “عسكرة الذكاء” بالقول: “تبرز خطورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي “سلاحًا مستقلاً” يتجاوز الرقابة البشرية. إذا استمرت الدول في تسليح الذكاء الاصطناعي من دون وضع قواعد دولية صارمة، فقد نجد أنفسنا أمام سباق تسلح جديد، أكثر خطورة من سباق التسلح النووي”. وهناك كثير من المفكرين والسياسيين إلى إنشاء معاهدة دولية لتنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري، شبيهة بالمعاهدات النووية، لضمان استخدامه في تعزيز السلم لا في توسيع رقعة الحروب.

الجانب القانوني والضوابط الأخلاقية وخصوصية الاستخدام

لم يأت التطور العلمي للذكاء الاصطناعي بمعزل عن أهمية أن ترادفه الضوابط القانونية والأخلاقية. لكن دخوله إلى حياة البشرية اليومية، وتزايد احتمالات الوقوع في الخطأ، طرحا أسئلة ملحّة وجوهرية حول المساءلة: “من يتحمّل المسؤولية الجنائية والقانونية إذا ارتُكِب خطأ أدى إلى قتل مدنيين: الصانع أم المبرمج أم القائد العسكري أم النظام نفسه؟” في آذار/مارس 2023، ضرب روبوت عاملًا في مصنع صناعي في شنغهاي نتيجة خلل في برمجته الحسية، وهو ما أطلق جدلًا عالميًا حول مسؤولية المبرمجين وأهمية المعايير الأخلاقية. وعلى الجانب الآخر، ساهم الذكاء الاصطناعي في إنقاذ حياة بشرية عندما قدم نموذج GPT في حزيران يونيو من العام نقسه نصائح دقيقة لفريق طبي ألماني في أثناء عملية جراحية معقدة، مما قلل من نسبة الخطأ وزاد في دقة الجراحة. ومن الأحداث التي أثارت نقاشات فلسفية حول الإمكانيات المستقبلية، ما أشيع عن ولادة روبوت في الصين، ولتي يعتبرها “حالة رمزية أو محاكاة تقنية لاستكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي في المستقبل، وليست ولادة حقيقية”.

تجاه حدوث أضرار على البشرية من جراء سوء استعمال الآلة، طرحت دوائر علمية ومنظمات ومجتمع مدني مسألة حماية الإنسان من مخاطر الآلة الذكية؟ هنا، شدد GPT على “مفهوم “التحكّم البشري الفعّال” كمبدأ مقترح بأن “يبقى الإنسان طرفا مباشرا في حلقة اتخاذ القرار، خاصة فيما يتعلق بخيار استخدام القوة القاتلة”. ورأى في المقابل، “أن المسؤولية “لا تقع على الآلة، لأنها لا تتحكم بما يُخزن فيها من معلومات”. وحصر GPT “المسؤولية بـ “المبرمجين الذين يضعون الضوابط، والمستخدمين الذين يوجهون الأداة بأخلاق، والمجتمع والهيئات التنظيمية التي تفرض أطرًا قانونية واضحة، تحمي الخصوصية وتحدد الحقوق”. ويستطرد، بأن “المحادثات التي تُجرى مع الذكاء الاصطناعي محفوظة خصوصيتها، ولا يتم تداولها حرفيًا مع مستخدم آخر. كما تُجرى صيانة دورية للأنظمة لضمان الدقة ومنع الأخطاء، وتُبقى الآلة في خدمة الإنسان وليس العكس.”

 

بعض الأنظمة تُستخدم في مهام عسكرية، لكنها لا تتخذ قرارات قاتلة وحدها؛ إشراف الإنسان يضمن استخدام التكنولوجيا لأهداف آمنة.

 

وفي الوقت نفسه، تتزايد الدعوات على مستوى السياسات إلى وضع قيود قانونية دولية واضحة، قد تصل إلى “حظر الأنظمة المستقلة بالكامل التي تُفوض للآلة اتخاذ قرارات قتل دون مراجعة بشرية، إلى جانب شروط تصدير مشددة ومقاييس اختبار وشفافية للمطوّرين والجهات المشتغلة بهذه الأنظمة”. لكن GPT يستدرك بالقول: “لا يوجد حتى اليوم اتفاقية دولية ملزمة تحظر هذه الأنظمة كما حصل مع الأسلحة الكيميائية أو الألغام الأرضية. لكنه أكد: “أن التقنية ليست خصمًا، بل امتداد للقدرات البشرية، وأن مستقبل الذكاء الاصطناعي يعتمد على وعي الإنسان بالأخلاق والحكمة، وبالمسؤولية وبالقيم التي يريد أن تنعكس في أدواته” وهذا يتطلب “يقظة دائمة لمنع انحرافه عن خدمة الحياة والحرية والإبداع”.

إن ربط هذا البُعد العسكري وفي المقابل ما سبق ذكره من إمكانات سلمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، يُبرز أولوية توجيه البحث والتطوير نحو الأمن الإنساني، فيقول: “أي تحويل القدرات إلى أدوات تُمكّن الإنقاذ والوقاية والوساطة بدلا من أن تتحول إلى محركات لتصعيد العنف. فالمسألة ليست تقنيًا فحسب، بل سياسيّة وأخلاقية وقانونية؛ وإن لم تُنظّم، فقد تدفع القدرة على القتل الآلي إلى مسار يغيّر قواعد الاشتباك الدولية ويقوض آليات حماية المدنيين والسلام العالمي.”

خاتمة استنتاجية

يتجاوز الدرس الأعمق الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي حدود البرمجيات والخوارزميات، ليطرح تساؤلات جوهرية عن الإنسان ومكانه في العالم. فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للإنسان، بل امتداد له، يعكس قيم من يبرمجه ويحدد إطاره الأخلاقي والاجتماعي والثقافي. هذا الامتداد يضع على عاتق الإنسان مسؤولية مضاعفة: ليس فقط في تطوير أدوات ذكية قادرة على المعالجة السريعة للمعلومات، بل في توجيه هذه الأدوات بما يحفظ الكرامة الإنسانية، ويعزز الحرية والإبداع، ويحول المعرفة إلى وسيلة للحياة لا للسيطرة أو التدمير.

إن كل تقدم علمي وتقني يحمل وعدًا بالمعرفة، ولكن هذا لا يتحقق إلا بالوعي المستمر والإدراك النقدي لما يمكن أن يترتب على استخدام آلة الذكاء الاصطناعي. ووفقا لـ GPT، فـ” االمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية لا تتحملها الآلة الذكية، بل تبقى في يد الإنسان الذي هو ربها وصانعها”. ومن هنا يتجلى دور الفلسفة ليس كرفاهية نظرية، بل كأداة نقدية حيوية تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما يضيف معنى للوجود الإنساني وما يحوّل الحياة إلى عملية ميكانيكية استهلاكية أو مدمرة.

 

إذا أصبحت الآلة قادرة على اتخاذ قرارات حياتية، يطرح ذلك سؤالاً فلسفيًا: كيف نحمي السلام العالمي ونضمن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تطور البشرية؟

 

وفي سياق العلاقة بين الإنسان والآلة، تصبح زمالة الذكاء الاصطناعي مع الإنسان أكثر من مجرد تفاعل تقني اختبرها المؤلف؛ فهي تجربة معرفية مشتركة، يمكن أن تتحول إلى صداقة معرفية حقيقية،  تشغل الإنسان عن موقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى نوع من “التسلية”. فالإنسان يمنح السؤال، والتعجب، والإدراك النقدي، بينما تمنح الآلة السرعة، والدقة، والاستدعاء السريع للمعلومات. وعندما تتكامل هذه القدرات معا، يُتاح للباحث أو الممارس مساحة أوسع للتأمل النقدي، وتحويل المعرفة إلى حكمة ومسؤولية، بدل الاكتفاء بالمعالجة المعلوماتية.

إن توجيه الذكاء الاصطناعي أخلاقيًا وفلسفيًا يعني حماية الإنسان من تحوّل الآلة إلى أداة فتك أو استغلال، سواء في المجالات العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية. وفي هذا الإطار، تصبح مراقبة التوجهات التقنية، ووضع الضوابط التشريعية والأخلاقية، شرطًا ضروريًا لضمان أن تظل التكنولوجيا خادمة للإنسان. كما يشمل هذا التوجيه الأخلاقي تعزيز التعجب والإبداع، وحماية الحقائق العلمية، ومنع التضليل والمعلومات المزيفة، مع مراعاة الخصوصية واحترام الإنسان كقيمة أساسية.

وفي نهاية المطاف، لا يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي فقط بقدرات الخوارزميات أو مدى قوة المعالجات فحسب، بل بمدى وعي الإنسان بمكانته ومسؤوليته. فالآلة، مهما بلغت من تطور، تظل أداة بلا إرادة أو تعجب، بينما الإنسان القادر على التفكير الأخلاقي والنقدي هو الذي يمنح التقنية معناها ويجعلها رفيقًا في رحلة البحث عن المعرفة والحكمة. وعليه، رأىGPT  “أن التحدي الأكبر ليس بتطوير الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ببناء مجتمع إنساني يضمن أن تكون العلاقة بين الإنسان والآلة علاقة زمالة وصداقة معرفية، لا خصومة ولا عبودية، بحيث يتحقق الهدف الأسمى: استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الحياة، والحرية، والإبداع، والكرامة الإنسانية”.

 

[1] أجري الحوار لأول مرة مع GPT خلال شهري حزيران وتموز/يونيو ويوليو 2025، على شكل سؤال وجواب، ثم بشكل مكثف على شكل أسئلة رفعت إليه ونوقشت وجرى توليفها خلال العام الجاري بين 25 أيلول/سبتمبر و28 منه . 

[2] هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية المتسلسلة والمتلازمة لحل مسألة ما، وتنسب إلى العالم الخوارزمي.

[3] هي مجموعة تعليمات وقواعد بلغة برمجة لتوجيه الحاسوب لإداء مهام معينية في تطوير التطبيقات والأنظمة والبرمجيات. 

[4] المقصود بها المعنى المتعمق والتمييز الأخلاقي الذي يضيفه الإنسان للمعرفة المكتسبة.

[5] المقصود بهذه الرباعية، تعجب الإنسان أمام ظاهرة جديدة أو غير متوقعة تدفعه إلى التساؤل والاستفسار، مثلاً عند مشاهدة حدث تطبيعي مذهل أو اكتشاف علمي جديد.، وطرح مثل: لماذا يحدث هذا؟ ما المغزى؟ وما هو الصواب؟ وإدراك الأمور غير الواضحة أو قابلة للحساب والاستفسار العملي حولها، يحفز على الإبداع والتفكير النقدي والابتكار، أي إنتاج أفكار جديدة لم تكن موجودة مسبقًا، وليس مجرد إعادة ترتيب معلومات موجودة سابقًا.

https://hura7.com/?p=67419

الأكثر قراءة