منصور عساف
جريدة الحرة ـ بيروت
في تموز 2025، شهدت محافظة السويداء سلسلة من الجرائم والانتهاكات التي تجاوزت البعد الأمني المباشر، لتصيب البنية الرمزية والهوية الجماعية لمجتمع محلي يمتلك خصوصية تاريخية وثقافية متراكمة. هذه الأحداث، التي شملت القتل والخطف والتنكيل، لم تكن حوادث منفصلة، بل شكّلت ما يمكن توصيفه بـ”الصدمة الجماعية” (Collective Trauma)، إذ استهدفت مرتكزات الانتماء والوجود لدى جماعة دينية-ثقافية لها حضور ممتد في المشرق العربي، وتميّزت تاريخيًّا بالسعي إلى الاندماج في الأطر الوطنية مع الحفاظ على خصوصيتها، ورفض الانغلاق أو الذوبان.
إن الصور والتسجيلات التي انتشرت على نطاق واسع، وما تحمله من عنف فجّ، دفعت أفراد الطائفة، على المستويين الفردي والجماعي، إلى إعادة النظر في أسئلة الهوية والموقع والدور، وإلى مراجعة علاقتهم بالآخر ضمن السياق الوطني والإقليمي.
وقد شكّلت هذه الصدمة جرس إنذار هزّ أعماق كثيرين منّا، فأحيا فينا إحساسًا عميقًا باللحمة الوجودية مع الدروز خارج حدود لبنان، ورسّخ في وجداننا الانتماء إلى هوية أصيلة غُيّبت طويلًا عن الوعي. ومن رحم هذا الوعي المستعاد وُلدت إرادة للتحرك السلمي دعمًا لدروز سوريا، وسعيًا لإيصال صوت الحقّ في الحياة والاختلاف، عبر تسخير ما نملك من علاقات واتصالات سياسية ودبلوماسية على امتداد العالم.
أمّا من المنظور التاريخي، فقد أعادت هذه الأحداث تفعيل “ذاكرة الاضطهاد” لدى الدروز، وهي ذاكرة مركّبة تتجاوز حدّ المظلوميّة إلى كونها ذاكرة سياسية وأخلاقيّة استراتيجية. فمنذ القرن السادس عشر، لعب أمراء الدروز دورًا محوريًّا في صياغة البنية السياسية لجبل لبنان، متمسكين ببحقّهم في إدارة ذاتية توفّر الحماية للمجتمعات المحلية وتصون التنوع. ويبرز في هذا السياق الأمير فخر الدين المعني الكبير الذي سعى إلى تأسيس كيان سياسي مستقل ذي هوية منفتحة على الحداثة، قبل أن يصطدم بمركزية السلطنة العثمانية وعظيم قوتها العسكرية. تواصل هذا النهج لاحقًا في إمارة جبل الدروز، التي تبنّت مبدأ المساواة في الحقوق والكرامة بين مختلف المكوّنات، وهو ما لخصه سلطان باشا الأطرش لاحقاً بشعار “الدين لله والوطن للجميع”، وأكّده كمال جنبلاط في السبعينيات بطرحه أن ما يطلبه الدروز لأنفسهم لا يتجاوز ما يضمن كرامة الإنسان أيًّا كان انتماؤه.
الأحداث الأخيرة في السويداء يمكن قراءتها بوصفها إعادة إنتاج لصراع الهوية في بيئة مأزومة. فالمشاهد الموثّقة لقتل المدنيين، بينهم شيوخ ونساء وأطفال، على يد مجموعات تكفيرية، تكشف عن منظومة فكرية استئصالية تستند إلى تبريرات دينية-سياسية للإلغاء الجسدي والمعنوي للآخر. كما تبرز مسؤولية أطراف سياسية وعسكرية وإعلامية في شرعنة هذا العنف أو التغطية عليه، مدعومة بأجندات إقليمية ودولية تعيدنا إلى شريعة الغاب حيث لغة الغرائز والقوة تتغلّب على لغة القانون والعدالة.
تتضاعف خطورة الصدمة بفعل الخطاب الإعلامي العربي المهيمن، الذي تبنّى إلى حدّ كبير سردية السلطة السورية، متجاهلاً أو محرّفًا للحقائق، ما أضاف طبقة ثانية من الإقصاء المعنوي إلى الإقصاء المادي. وهذا النمط من “الإسكات الإعلامي” يفاقم الإحساس بالهشاشة السياسية والهامشية في الفضاء الوطني.
في ضوء هذه المعطيات، يواجه الدروز تحدّي إعادة اكتشاف هويتهم، ليس باعتبارها منظومة محدّدة من المعتقدات وحسب، بل أيضًا بصفتها بنية وجوديّة وأخلاقيّة قابلة لإعادة التأسيس. فأمام هذا العنف المسرف الذي استهدفهم في سوريا، وما أثاره من قلق وجديّ عميق وغضب شديد مشروع تجاه ظلم حاقد، يغدو التمسّك بمنظومة القيم اللاعنفيّة التي قامت عليها تقاليد الدروز الاجتماعية والسياسية اختبارًا عسيرًا لإرادة الجماعة وبنيتها الفكريّة ووعيها الأخلاقي. لذلك، يتطلّب مواجهة الصدمة تحويلها من لحظة انهيار إلى فرصة لإعادة البناء، على أسس تتجاوز الانكفاء نحو استعادة المبادرة والانخراط في الفضاء العام من موقع الرسوخ في الهويّة والندّية في الإنسانيّة، مع التمسّك بحقوق أساسية غير قابلة للتفاوض، وفي مقدمتها حرية المعتقد، وكرامة العيش، وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية.
وعليه، فإن ما جرى في السويداء لا يمكن اختزاله في كونه اعتداءً على جماعة بعينها؛ بل هو انتهاك صريح لمنظومة القيم الإنسانية الكونية وتعدٍّ على وعينا الجماعي لمركزية العدالة والتعايش السلمي ونبذ العنف في الحفاظ على وجود إنسانيّ حضاريّ، وفق ما يعبّر عنه النص القرآني: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. واستنادًا إلى ذلك، فإن تجاوز تداعيات هذه الصدمة يتطلّب استراتيجية مزدوجة: معالجة آنية للجراح المفتوحة، وإطلاق مسار طويل الأمد لإعادة صياغة علاقة الجماعة بسياقها الوطني والإقليمي على قاعدة المساواة والشراكة الحقيقية. وختامًا، فإنّ مستقبل الجماعة مرهون بقدرتها على تحويل الألم إلى طاقة فعل إيجابي تحمي وجودها وتثري محيطها.


