
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير
لودفيغ فيتغنشتاين: «حدود لغتي هي حدود عالمي».
ربما تكشف لغة الحرب القاعدة أكثر من أي مجال آخر، إذ إن الكلمات القليلة التي تسبق الضربات العسكرية لا تصف الخطر فقط، بل تعيد تعريف المكان الذي يقع فيه.
في الحروب الحديثة لا تكشف الصواريخ وحدها عن طبيعة المعركة، بل تكشفها أيضاً الكلمات التي تسبقها. فالنصوص القصيرة التي تُنشر على وسائل التواصل قبل الضربات العسكرية – تلك التي تُسمّى عادة “تحذيرات للسكان” – تبدو للوهلة الأولى مجرد إجراء احترازي تقني. غير أن قراءة هذه النصوص بوصفها مادة لغوية تكشف تحولات أعمق في فهم الحرب نفسها، وفي الطريقة التي يُعاد بها تعريف المكان المدني داخلها.
وإذا أخذنا نموذج التحذيرات الإسرائيلية الموجهة إلى سكان لبنان في الحرب الحالية، وقارناها بالتحذيرات التي صدرت في جولات القتال السابقة في السنوات القريبة الماضية، يمكن ملاحظة تحول لغوي لافت يكاد يمر من دون انتباه: انتقال الفعل المركزي في التحذير من عبارة بسيطة تقول “ابتعدوا عن المبنى” إلى صيغة مركبة تقول “ابتعدوا عن المباني المحددة ثم غادروا المنطقة”.
قد يبدو الفرق للوهلة الأولى مجرد تفصيل لغوي، لكن تحليل المضمون يكشف أنه تحول في الحقل الدلالي للخطاب العسكري نفسه.
في النصوص السابقة كانت البنية اللغوية للتحذير واضحة وبسيطة. يبدأ التحذير عادة بتحديد هدف محدد: مبنى أو موقع أو منشأة. ثم يتبع ذلك طلب واضح للسكان بالابتعاد عن هذا الهدف لمسافة أمان تتراوح غالباً بين ثلاثمئة وخمسمئة متر. في هذه الصيغة ترسم اللغة مشهداً محدداً: هدف عسكري داخل فضاء مدني. المبنى هو المشكلة، أما المدينة أو القرية فتبقى الخلفية المدنية التي يحدث داخلها الاستهداف.
وبذلك كان الخطاب يفصل بوضوح بين مستويين:
الهدف العسكري من جهة،
والمكان المدني الذي يحتويه من جهة أخرى.
غير أن التحذيرات التي ظهرت في الحرب الحالية تكشف انزلاقاً دلالياً واضحاً. فالنص لم يعد يكتفي بطلب الابتعاد عن المبنى، بل يضيف مرحلة ثانية: مغادرة المنطقة أو الحي بالكامل، وأحياناً عدم العودة إليه حتى إشعار آخر. هنا لم يعد المبنى وحده هو مركز التحذير، بل أصبح المجال المحيط به جزءاً من الخطاب.
هذا التحول يغير البنية السيميولوجية للنص. ففي التحذيرات السابقة كانت العلامة اللغوية تشير إلى هدف نقطي داخل المدينة. أما الآن فالعلامة تشير إلى مجال جغرافي أوسع قد يصبح مسرحاً للعملية العسكرية.
بعبارة أخرى، انتقل الخطاب من تعريف الضربة بوصفها استهدافاً لموقع محدد، إلى تعريفها بوصفها عملية يمكن أن تشمل المجال المحيط بالموقع. وهكذا يتغير معنى المكان نفسه داخل النص. لم يعد الحي مجرد خلفية مدنية لعملية عسكرية، بل أصبح جزءاً من المجال الذي يمكن أن تتحرك فيه الحرب.
ويمكن رصد هذا التحول بوضوح عبر الكلمات التي تشكل الحقل الدلالي للتحذير. ففي النصوص السابقة كانت الكلمات المحورية هي: مبنى، هدف، ابتعاد، مسافة. أما في النصوص الحالية فتظهر كلمات جديدة مثل: منطقة، حي، مغادرة، عدم العودة. هذا التغير في المفردات يعكس انتقال الخطاب من مستوى “الموقع” إلى مستوى “المجال”.
لكن العبارة الأكثر دلالة في هذا السياق ليست فقط طلب المغادرة، بل الصيغة التي تأتي بعدها في بعض التحذيرات:
“نأمل ألا نجد أثراً لكم في المنطقة التي طلبنا إليكم مغادرتها.”
هذه الجملة، في ظاهرها، تبدو امتداداً طبيعياً للتحذير، لكنها في التحليل السيميولوجي تكشف تحولاً مهماً في بنية الخطاب. فالفعل المركزي هنا لم يعد “ابتعدوا”، بل أصبح “لن نجد أثراً لكم”. أي أن الخطاب لم يعد يطلب فقط حركة مؤقتة للسكان بعيداً عن هدف محدد، بل يفترض مسبقاً أن المكان ينبغي أن يكون خالياً منهم تماماً.
في هذه الصيغة تتحول الكلمة المفتاح من الابتعاد إلى الاختفاء. فالعلامة اللغوية “الأثر” لا تشير إلى وجود مباشر فحسب، بل إلى أي علامة تدل على حضور مدني في المكان. وبذلك ينتقل النص من تحذير يتعلق بسلامة الأفراد إلى خطاب يحدد حالة المكان المطلوبة: مكان بلا سكان.
ومن منظور سيميولوجي، فإن استخدام كلمة “الأثر” ليس بريئاً. فالأثر في اللغة هو ما يبقى بعد مرور الشيء، أي العلامة التي تدل على وجود سابق. وحين يقال “لا نجد أثراً لكم” فإن النص يطلب عملياً ألا يبقى في المكان أي مؤشر على الوجود المدني: لا أشخاص، ولا حركة، ولا حياة يومية. وهكذا يتحول الحي أو المنطقة في الخطاب من فضاء اجتماعي إلى فضاء فارغ ينبغي أن يخلو من علاماته البشرية.
غير أن دلالة هذه العبارة لا تتوقف عند حدود اللغة نفسها، بل تتغير بحسب موقع المكان الذي تُوجَّه إليه. ففي القرى الحدودية أو المناطق المفتوحة تحمل الجملة معنى يكاد يكون واضحاً: إخلاء المكان تمهيداً لدخول عسكري محتمل. هنا يصبح طلب المغادرة أقرب إلى إعلان غير مباشر بأن المنطقة قد تتحول إلى مساحة انتشار أو عبور للقوات، أي إلى نوع من السيطرة الميدانية التي يُفترض أن تتم من دون وجود مدني يعترضها.
أما حين تُستخدم الصيغة نفسها في مدينة أو حي مأهول، فإن معناها يتغير. فهنا لا يتعلق الأمر بتمهيد لدخول عسكري تقليدي بقدر ما يتعلق بإعلان أن المنطقة بأكملها باتت تُعامل بوصفها مسرح عمليات. لم يعد التحذير مرتبطاً بمبنى محدد أو هدف بعينه، بل أصبح يشمل المجال العمراني المحيط كله.
بهذا المعنى تحمل العبارة دلالتين مختلفتين وفق الجغرافيا. في القرى الحدودية يمكن أن تعني تفريغ المكان تمهيداً لسيطرة أو تموضع عسكري. أما في المدن فهي تشير إلى تحول المجال الحضري نفسه إلى فضاء عمليات، حيث تصبح الضربات المحتملة أو تكرارها جزءاً من تعريف المنطقة.
ومن هنا يكتسب التغير اللغوي ثقله السياسي. فالتحذير الذي يطلب من السكان ألا يبقى لهم “أثر” في المكان لا يصف فقط خطر الضربة المقبلة، بل يعيد تعريف وضع المكان نفسه داخل الحرب: إما منطقة ينبغي إخلاؤها تمهيداً لسيطرة ميدانية، أو حيّاً مدنياً تحول إلى مجال عمليات مفتوح.
إذا كان صحيحاً أن الحروب تكشف استراتيجياتها في الميدان، فإنها تكشفها أيضاً في الكلمات التي تسبق الميدان. فالتغير من عبارة “ابتعدوا عن الهدف” إلى عبارة “غادروا المنطقة ولا نجد أثراً لكم فيها” يعكس انتقالاً في تصور الحرب نفسها: من ضربة محدودة داخل المدينة إلى حرب تتحرك داخل المجال المدني الأوسع.
وفي بلد صغير ومكتظ مثل لبنان، حيث تختلط القرى بالمدن والحدود بالحياة اليومية، يصبح هذا التحول في معنى المكان أخطر من مجرد تغيير في كلمات التحذير. إنه يشير إلى تحول أوسع في المقاربة العسكرية والسياسية: من استهداف النقاط إلى إدارة المجال، ومن الضربة الموضعية إلى حرب تتحرك داخل الجغرافيا المدنية ذاتها.
وفي الحروب الحديثة قد تكون الكلمات القليلة التي تسبق الصواريخ أكثر دلالة من الصواريخ نفسها.


