الأكثر قراءة

خارطة الكفاءة الاستخباراتية في أوروبا: من يتصدر المشهد الأمني؟

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ أعدت مجلة “لكسبرس” الفرنسية تصنيفا لأجهزة الاستخبارات الأوروبية، استندت فيه إلى آراء ستين متخصصا في المجال من خمس وعشرين دولة، بينهم مسؤولون حاليون ومتقاعدون حديثا. فما هي الأجهزة التي اعتُبرت الأكثر كفاءة في أوروبا؟

البريطانيون في الصدارة

يتفق معظم الخبراء على تصدر أجهزة الاستخبارات البريطانية المرتبة الأولى أوروبيًا، إذ وصف أحدهم جهاز “إم آي 6” (MI6) بأنه “مذهل بكل معنى الكلمة”. وتبرز قوة البريطانيين خصوصا في قدرتهم على تجنيد عملاء في مواقع عليا، وهي مهارة “يحسدهم عليها حتى الأمريكيون”. ومن أبرز الأمثلة على ذلك نائب وزير الدفاع الإيراني السابق علي رضا أكبري، الذي ظل يعمل لصالحهم حتى عام 2019. كما يمتلك البريطانيون، بحسب أحد مسؤولي الاستخبارات السابقين، قدرة مميزة على العمل بمنطق المدى الطويل، والاستثمار في مصادر استخباراتية قد تحتاج إلى عشر سنوات قبل أن تؤتي ثمارها، “على الطريقة الروسية إلى حد ما”.

فرنسا ثانيا

أما جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي، المديرية العامة للأمن الخارجي  (DGSE)، فقد حل في المركز الثاني، بفضل نهجه الشامل. ويصفه أحد الخبراء بأنه “الجهاز الوحيد في أوروبا القارية الذي يتمتع بانتشار عالمي شبه كامل، إذ يجمع بين جمع المعلومات التقنية، والاستخبارات البشرية، والقدرات العملياتية”. ومن أبرز نقاط قوته دائرة العمليات الخاصة، وهي إحدى الوحدات القليلة في العالم القادرة على “تحييد” أهداف خارج البلاد بسرية تامة. وتُعد مكافحة الإرهاب من المجالات التي ينافس فيها الجهاز الفرنسي أفضل أجهزة الاستخبارات العالمية، إلى جانب خبرته الواسعة في لبنان، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، والقارة الإفريقية.

من حل في المركز الثالث؟

وحلّت الاستخبارات الهولندية في المركز الثالث أوروبيا، بفضل سمعتها القوية في مجال التحليل والاستخبارات التقنية، إذ وضعها نحو 70% من الخبراء ضمن أفضل خمسة أجهزة في القارة. وتبرز قدراتها من خلال عملياتها السرية، ولا سيما مشاركتها عام 2007 في زرع فيروس “ستوكسنت” داخل المنشآت النووية الإيرانية، في عملية نفذتها بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي.

وحلت أوكرانيا في المركز الرابع، بعدما أثارت إعجاب الخبراء بالتطور السريع لأجهزتها الاستخباراتية، خصوصًا في عمليات التخريب والهجمات الدقيقة ضد روسيا. وجاءت ألمانيا خامسا عبر جهازها للاستخبارات الخارجية (BND)، الذي يحظى بتقدير كبير في مجال التحليل الاستخباراتي، رغم الانتقادات الموجهة إليه في مجال العمليات الخارجية.

كيف تتوزع موازين القوى الاستخباراتية وتتكامل أدوارها في القارة الأوروبية؟

يعتمد التفوق البريطاني في صدارة القارة على مقاربة هيكلية تقوم على اختراق مراكز صنع القرار عبر تجنيد نخبي عالي المستوى، مدعوما بثقافة مؤسسية تجيد التخطيط طويل الأجل والمراهنة على استنبات المصادر على مدى سنوات طويلة. هذا النهج يمنح لندن استباقية معلوماتية تفتقر إليها المؤسسات التقليدية، حيث تتحول الاستخبارات إلى أداة تأثير عابر للحدود وقائم على النفس الطويل والتسلل الناعم داخل الدوائر المغلقة، وهو ما يفسر احتفاظها الدائم بمراتب متقدمة في الجсьة الاستراتيجية العالمية.

في المقابل، يرتكز النموذج الفرنسي على مفهوم السيادة العملياتية الشاملة التي تدمج الأدوات التقنية بالقدرات البشرية ووحدات التدخل السريع، مما يعطي باريس مرونة ميدانية فريدة من نوعها في أوروبا القارية. لا تقتصر قوة الجهاز الفرنسي على مجرد جمع المعطيات، بل تمتد إلى القدرة على ترجمتها ميدانيا عبر عمليات مستقلة خارج الحدود، مما يجعله ذراعا جيوستراتيجيا حيا قادرا على حماية المصالح الحيوية في بؤر التوتر التقليدية وإدارة الأزمات المعقدة بكفاءة عالية.

أما الاستخبارات الألمانية فتقدم نموذجا مختلفا يوازن بين الثقل التحليلي والقيود السياسية الصارمة، إذ يحظى جهازها الخارجي بتقدير واسع النطاق لقدراته الفائقة في قراءة المشهد الدولي ومعالجة البيانات الاستراتيجية المعقدة. ورغم أن برلين غالبا ما تتحفظ على الانخراط في العمليات الهجومية المباشرة خارج أراضيها لاعتبارات قانونية ودستورية، إلا أن عمقها التحليلي يمثل ركيزة أساسية لصنع القرار السياسي الأوروبي، مما يجعل دورها مكملا حيويا للمقاربات البريطانية والفرنسية الأكثر هجومية.

فيما يؤكد التموضع اللاحق لدول مثل هولندا وأوكرانيا تحولا نوعيا في طبيعة المخاطر الأمنية المعاصرة، إذ يبرز التفوق التقني والسيبراني للهولندا بوضوح من خلال الشراكات الدولية المعقدة وعمليات الاختراق الرقمي المتقدمة. وتنعكس براعة أوكرانيا في التكيف السريع مع حروب الاستنزاف والتخريب الميداني، مما يثبت أن معادلة الكفاءة الاستخباراتية الحديثة لم تعد مرتبطة بالحجم التقليدي للدول، بقدر ما ترتبط بالمرونة الرقمية والقدرة على الاستجابة السريعة للتهديدات المستجدة.

https://hura7.com/?p=82425

الأكثر قراءة