الأكثر قراءة

خارطة المستقبل اللبناني: قراءات واقعية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

شهدت العاصمة الأميركية واشنطن حدثاً سياسياً وأمنياً بالغ الأهمية تمثّل في توقيع “الاتفاق الإطاري الثلاثي” بين لبنان والعدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية، بهدف وضع مسار تدريجي لإنهاء الصراع وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وذلك بعد خمس جولات من المفاوضات المباشرة برعاية أميركية، وبحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وسفيرة لبنان ندى حمادة معوض، وسفير العدو الإسرائيلي يحيئيل ليتر. يتضمن هذا الاتفاق أربعة عشر بنداً أساسياً ترسم مساراً أمنياً وسياسياً يتركز في مرحلته الأولى على تطبيق نموذج “المناطق التجريبية” في منطقتين؛ واحدة جنوب نهر الليطاني والأخرى شماله، يتسلم فيهما الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الحصرية، ويُشترط لانسحاب جيش العدو الإسرائيلي التدريجي منهما التحقق من غياب السلاح غير الحكومي وتفكيك البنية التحتية العسكرية، مع التزام لبنان الرسمي بإعادة احتكار القوة الشرعية.

يترافق هذا المسار مع تشكيل “مجموعة تنسيق عسكري ثلاثية” تضم في أطرافها ضباطاً من الجيش اللبناني وجيش العدو الإسرائيلي بمشاركة وإشراف مباشر من الجيش الأميركي للتحقق من الترتيبات الأمنية، وتعهد واشنطن بحشد دعم دولي وعربي لإعادة البناء يستهل بمساعدات إنسانية فورية بقيمة مئة مليون دولار، وثلاثين مليون دولار لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، بشرط عدم تحويل الأموال للجهات المسلحة، بالإضافة إلى التزام الطرفين بالعمل على إطلاق سراح المحتجزين وإعادة الرفات، ووقف الأعمال العدائية في المحافل الدولية.

وفي حين رحبت السلطة الرسمية اللبنانية المتمثلة برئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بالاتفاق كخطوة أولى لإنهاء الاحتلال وتطبيق الميثاق الوطني، اعتبر رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق إنجازاً تاريخياً مؤكداً احتفاظ قواته بحرية الحركة العسكرية في الحزام الأمني المعروف بالخط الأصفر حتى التحقق الكامل من الشروط، بينما أعلنت المقاومة عبر نائبها حسن فضل الله رفضها المطلق للاتفاق وللمفاوضات المباشرة، واصفة إياه بأنه خطوة لن يكون لها مفاعيل على الأرض.

إن القراءة الميدانية الجغرافية تضع منطقة النبطية ومركزها ومحيطها في قلب هذا التحول الحرج، إذ تقع المدينة ومعظم قرى قضائها خارج الحزام الأمني المباشر الذي يحتله العدو الإسرائيلي، لكن أطرافها الشرقية كمرتفعات علي الطاهر وزوطر والنبطية الفوقا لا تزال تشهد محاولات توغل وقصف مستمر من قبل العدو لتأمين عمقه العسكري، وهي مرشحة لتكون ضمن نموذج “المناطق التجريبية” وسط نداءات أهلية من فعاليات وشخصيات النبطية لإعلانها مدينة آمنة ومفتوحة تحت السلطة الحصرية للجيش لحماية معالمها وتسهيل عودة سكانها، حيث تبذل فرق الهندسة في الجيش اللبناني والدفاع المدني جهوداً لفتح الطرق وتفكيك القذائف غير المنفجرة لتمكين الأهالي من تفقد أضرارهم.

بناءً على هذه المعطيات، فإن صياغة المشهد القادم تتأرجح بين تحديات بنيوية كبرى وسيناريوهات ميدانية محددة؛ إذ تبرز معضلة غياب الجداول الزمنية الملزمة لانسحاب العدو الإسرائيلي، واستمرار خروقاته الجوية وقصفه لمناطق مثل ميفدون والنبطية الفوقا، فضلاً عن تعقيدات ربط أموال إعادة البناء بالتحقق الأمني الصارم في بيئة اجتماعية متداخلة. وتتراوح التوقعات الحقيقية بين سيناريو “التطبيق الشكلي المرن” الذي يقوم على تفاهمات صامتة لإخلاء “المناطق القيادية التجريبية” من المظاهر المسلحة وتسهيل عودة جزئية للسكان وتدفق محدود لأموال الإعمار، وبين سيناريو “الانسداد الأمني الشامل” في حال رفض التفتيش أو استمرار العدو في تثبيت احتلاله، مما يؤدي إلى تعليق المساعدات وتجميد عودة النازحين. أما على مستوى إعادة البناء، فإن الواقع يفرض إما عماراً هجيناً تتولى فيه المنظمات الدولية ومجلس الجنوب تأهيل المرافق العامة بينما يتكفل المغتربون بالملكيات الخاصة، وإما جموداً كاملاً للركام جراء الشروط السياسية.

وتكمن خطط الحلول الواقعية للمرحلة المقبلة في اعتماد تفاهم أمني مستتر يحيد المواجهة الداخلية ويمنح الدولة الغطاء اللازم لسحب الذرائع من العدو الإسرائيلي، مع إنشاء صندوق مالي محايد تشرف عليه جهات دولية وعربية مباشرة لتمويل بناء بلدات نموذجية وتوفير مساكن مسبقة الصنع لتسريع إيواء العائدين، وتوسيع مهام الجيش اللبناني تدريجياً ليكون الصلاحية الحصرية للمداهمات والتفتيش مع حصر دور المجالس المحلية في الملف الإغاثي.

وفي خصوص مدينة النبطية، يتطلب الإنقاذ الفعلي تبني الحكومة لنداء تحييد المدينة ونشر لواء عسكري كامل فيها، وفصل الميدان العسكري في المرتفعات عن التجمع السكني عبر مجموعة التنسيق الثلاثية، مع تركيز طاقة التمويل الفوري خلال الأيام التسعين القادمة على إنعاش خدمي طارئ يشمل تأمين الطاقة البديلة لمحطات ضخ مياه الشفة، وتشغيل مستشفى النبطية الحكومي بكامل طاقته، وتطهير محيط الأسواق التجارية لإنقاذ الموسم الاقتصادي وتثبيت صمود المجتمع الأهلي.

https://hura7.com/?p=80815

الأكثر قراءة