الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

خديعة “التحالف” وعقيدة “الأطماع”: لبنان في منظار الاستعلاء الصهيوني وأوهام الضمانات

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

في المشهد السياسي اللبناني المعقد، تبرز تصريحات لمسؤولين ووجوه إعلامية إسرائيلية تتجاوز في خطورتها البعد العسكري المباشر لتلمس جوهر السيادة والهوية. إن الادعاء الذي أطلقه الإعلامي الصهيوني إيدي كوهين، المقرب من دوائر صنع القرار في حزب “الليكود” اليميني والباحث بمركز “بيغين السادات” للدراسات الاستراتيجية، والذي زعم فيه بنبرة استعلائية أن “بساتين التفاح في جزين تعود ملكيتها لأجداده الصهاينة”، ليس مجرد تصريح عابر أو “شطحة” فردية. بل هو تعبير فجّ عن عقيدة توسعية تتبناها أوساط فاعلة في الكيان، تكشف زيف الرهانات اللبنانية على “الانبطاح” كوسيلة للنجاة، وتؤكد أن الأطماع الصهيونية لا تفرق بين خصم ومسالم.

■ تاريخ الغدر: دروس من “الأطلال” المنسية

لم تكن علاقة الكيان الغاصب بمن تسميهم “حلفاءها” في لبنان يوماً قائمة على الندّية أو الاحترام. فالتاريخ يوثق سلسلة من “الخيانات الوظيفية” التي بدأت مع اجتياح عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، حين استُخدمت القوى المحلية كغطاء أمني، لتنتهي بذروة الإذلال في الرابع والعشرين من شهر أيار لعام ألفين. في تلك الليلة، أغلق جيش الاحتلال بوابات الحدود في وجه من خدموه لعقود، تاركاً إياهم يتوسلون الدخول خلف السياج كلاجئين من الدرجة الثالثة. كانت الرسالة الصهيونية واضحة: “الخائن لوطنه لا يُؤتمن، ومكانه الطبيعي هو النبذ”.

■ خديعة “الاستهداف الانتقائي”: الوهم والحقيقة

يلعب العدو بذكاء على أوتار الخلافات الداخلية اللبنانية، موهماً بعض الفئات أن اعتداءاته تستهدف “فئة محددة” فقط، ملمحاً لآخرين بأن هذا الاستهداف يصب في مصلحتهم السياسية. لكن الحقيقة التي يثبتها التاريخ أن هذا “هراءٌ محض”؛ فالعدو الذي يستبيح فئة اليوم لن يتورع عن استباحة الجميع غداً بمجرد تبدل المصالح أو انتفاء الحاجة للأداة الوظيفية. إن “النجومية السياسية” التي يحلم بها البعض على أنقاض شركائهم في الوطن هي مجرد سراب، لأن المحتل لا يقيم وزناً لمن يبيع سيادة بلده مقابل وعود واهية، بل يرى فيهم مجرد أدوات لتبرير إجرامه أمام العالم.

■ الأطماع الجغرافية ونهج الاستغلال السياسي

إن الادعاء بملكية تفاح جزين، أو الترويج لأن “الحدود الطبيعية هي نهر الليطاني”، ينسف السردية التي يحاول بعض اللبنانيين تسويقها حول “السلام الممكن”. المحتل يرى في اللبناني (مهما بلغت موالاته) مجرد “سكان مؤقت” فوق أرض يراها إرثاً تاريخياً مزعوماً. هذا الخطاب يُعرّي المنبطحين ويظهرهم بمظهر من يبيع بيته لمن يدعي ملكيته أصلاً. إن تواصلهم مع العدو ليس اعترافاً بقيمتهم، بل هو استثمار صهيوني في “خيانة الخطاب” لتعميق جراح الداخل اللبناني وتبرير استباحته كلياً.

■ وهم الضمانات الدولية: المصلحة الإسرائيلية أولاً

بنى “لبنان السلطة” وجوده تاريخياً على استجداء ضمانات خارجية (سواء من القوى الغربية أو المنظومة الدولية). وبينما تتعامل هذه الدول مع لبنان كساحة مصالح، يبقى الثابت الوحيد: لا توجد مصلحة لبنانية يمكن أن تتقدم في الميزان الدولي على “فوقية الكيان الصهيوني” وأمنها. الرهان على أن الخارج سيحمي سيادة لبنان أمام الأطماع الصهيونية هو رهان انتحاري، فالخارج هو الراعي والممول لصاحب هذه الأطماع، ولن يضحي بمصالحه الاستراتيجية من أجل كيان يراه مجرد “ورقة تفاوض”.

■ ميثاق الخصومة الشريفة: لا استقواء بالعدوان

إن الوعي الوطني اللبناني يحتم وضع حدٍ فاصل وحاسم بين “الاختلاف السياسي الداخلي” وبين “العدوان الخارجي”. فمهما بلغت حدة التباينات حول بناء الدولة، ومهما كانت هذه الهواجس نابعة من منطلقات وطنية محقة، فإنه يُحظر وطنياً وأخلاقياً تجيير هذه الخلافات لصالح خطاب يصب في مصلحة العدوان.

إن اللجوء إلى “الخارج المعتدي” للاستقواء على “الشريك الداخلي” هو وصفة للخراب الشامل. إن القضايا التي يجب أن تُحل داخلياً، تُحل تحت سقف المؤسسات والحوار الوطني، ولا يجوز تبرير أي خطاب يمنح العدو ذريعة لاستباحة لبنان. فالتاريخ يعلمنا أن من صعد على ظهر الدبابة الإسرائيلية نزل عنها إلى “أطلال” وطن مهدم، فاقداً للشرعية والكرامة والوجود ككل.

■ العودة إلى سقف الدستور

إن بناء بلد حقيقي يتطلب التوقف عن البحث عن ضمانات في عواصم القرار الدولي، والبدء بتحصين الجبهة الداخلية عبر الالتزام بـ مقدمة الدستور التي تحسم هوية إسرائيل كـ “دولة عدوة ومحتلة”. هذا النص ليس وجهة نظر، بل هو سقف الكرامة الوطنية والدرع الذي يحمينا جميعاً.
إن “تفاح جزين” ليس مجرد ثمر، بل هو رمز لسيادة تأبى الانكسار أمام ادعاءات صهيونية واهية. كرامة اللبناني تبدأ من قدرته على فصل خصوماته الداخلية عن مواجهته للعدو، وإدراك أن مصلحة الوطن العليا تسمو فوق كل اعتبار فئوي، وأن وحدتنا في وجه “الأطماع التاريخية” هي الضمانة الوحيدة والنهائية لوجودنا كوطن وكشعب.

https://hura7.com/?p=76890

الأكثر قراءة