جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

■ الشهادة التاريخية في مجلس الشيوخ
في جلسة استماع مفصلية أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي، وُجه سؤال جوهري لمديرة الاستخبارات الوطنية حول تداعيات استهداف القيادة الإيرانية. في تلك اللحظة، برزت جملة مفصلية لخصت عمق الأزمة الاستراتيجية:
“إن قتل السيد خامنئي وعائلته قد حوله إلى ‘شهيد’ في الوجدان الشيعي، مما يورطنا في صراع دائم نتيجة غياب الفهم العميق للمحركات الشعبية والدينية في المنطقة. إن القراءة السطحية التي تتجاهل رمزية الإمام الحسين وواقعة كربلاء تجعل من ‘الشهادة’ نصراً معنوياً وتاريخياً، وتخلق فجوة هائلة بين الحسابات المادية العسكرية وبين الإدراك الثقافي الذي يرى في القتل تخليداً للفكرة لا نهاية لها.”
هذا النص ليس مجرد نقد سياسي عابر، بل هو اعتراف صريح بصدام محتدم بين نموذج فكري مادي يرى في القتل إزالة مادية للخصم، وبين نموذج فكري روحي يرى في القتل وقوداً للحضور الأبدي. إنه اعتراف بأن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة أمام “كيمياء الشهادة” التي تعيد صياغة الهزيمة الميدانية لتجعل منها نصراً وجودياً عابراً للقرون.
■ أولاً: الفلسفة العقائدية.. كربلاء كمحرك استراتيجي
في الوجدان الشيعي، لا تُصنف الشهادة كـ “نهاية بيولوجية”، بل هي فعل اختيار واعي لتغيير مسار التاريخ. تنبع هذه الفلسفة من واقعة “الطف” في كربلاء (61 هـ)، حيث تحول دم الحسين بن علي من انكسار عسكري بمقاييس الجيوش إلى انتصار أخلاقي بمقاييس الزمن.
إن الخطأ الاستراتيجي الذي يرتكبه قادة مثل “ترامب ونتنياهو” يكمن في اعتبار القائد “هدفاً” ينتهي بموته. بينما في العقيدة الشيعية، الشهيد لا يموت بل “يرزق” في وعي الجماهير. عندما يُقتل “الولي” في مواجهة ما يوصف بـ “الاستكبار”، فإنه يتحرر من قيود الجسد ليتحول إلى أيقونة مقدسة. الموت هنا هو “صك الخلود” الذي يمنح الفكرة حصانة ضد النسيان، ويجعل من محاربة النهج مهمة مستحيلة للآلة العسكرية؛ لأن الخصم لم يعد بشراً يمكن قتله، بل أصبح “قيمة” تسكن القلوب.
■ ثانياً: التحول الاجتماعي.. صناعة “الأمة الشاهدة”
تؤدي الاغتيالات إلى تحول كيميائي في بنية المجتمع، ينسف الأهداف الاستراتيجية للعدو عبر ثلاث ركائز:
▪︎ وحدة الدم المقدسة: الغرض من الاغتيال هو التفكيك، لكن “دم الشهيد” يعمل كـ “مادة لاصقة” تصهر الخلافات البينية. يتحول المجتمع من “جمهور سياسي” إلى “أمة شاهدة” تلتف حول ضريح الرمز، مما يمنح التنظيمات تماسكاً داخلياً صلباً يفوق ما كانت تملكه في حياة القائد.
▪︎ استنساخ القدوة: الشهادة تنهي “الشخص” لتبدأ “المدرسة”. اجتماعيًا، يتحول القائد إلى “نموذج يُحتذى”، مما يؤدي لولادة آلاف القادة الصغار الذين يرون في سلوكه خارطة طريق، فتتحول القيادة من مركزية الهيكل إلى لامركزية الفكرة المشاعة.
▪︎ تبدل مفهوم الردع: عندما يرى المجتمع قادته يتقدمون نحو الموت بيقين، يسقط حاجز الرهبة. يتحول الموت من تهديد مرعب إلى “أمنية لقاء”، وهو ما يمحو تماماً فاعلية “الردع” التي تنشدها القوى الكبرى.
■ ثالثاً: أدبيات المقاومة.. هندسة الوعي وصناعة الخلود
تكتمل حلقة “محق أهداف العدو” عبر القوة الناعمة؛ فالفن والأدب في هذه الثقافة هما سدنة الخلود:
▪︎ الشعر والنشيد كخندق: لا ينتهي أثر الاغتيال عند الجنازة، بل يبدأ في “القصيدة المقاومة” و”النشيد التعبوي”. هذه الأدبيات تربط بين القائد المغتال وبين “النسق الحسيني”، مما يمنحه شرعية مطلقة ويحول كراهية القاتل إلى واجب ديني وأخلاقي ينتقل عبر الأجيال.
▪︎ عولمة المظلومية: بينما يحاول الإعلام الغربي تصوير الاغتيال كـ “نجاح تقني”، يركز خطاب “سحر الدم” على سمو التضحية. دائماً ما ينتصر هذا الخطاب الوجداني لأنه يخاطب الروح والخلود، بينما تخاطب التكنولوجيا اللحظة الزائلة، مما يضمن بقاء اسم الشهيد حاضراً في كل بيت ومحفل.
■ رابعاً: الخاتمة.. من الثأر التاريخي إلى الفعل السياسي الحديث
إن “فلسفة الشهادة” هي السلاح الذي لا تمتلك أجهزة الاستخبارات الغربية “مضاداً حيوياً” له. الفجوة الحضارية هنا تكمن في أن القاتل يظن أنه “أنهى المشكلة”، بينما هو في الحقيقة قد “جذّرها” وأخرجها من حيز السياسة القابل للتفاوض إلى حيز العقيدة الذي لا يقبل المساومة.
■■ إن الثأر في الثقافة الشيعية ليس مجرد عاطفة غاضبة، بل هو “المحرك النفاث” للأدوات السياسية الحديثة.
إنه يتحول إلى “مؤسسات”، و”جيوش”، و”صناعات عسكرية” تهدف لتحقيق العدالة المؤجلة. القاتل محكوم بدورة انتخابية أو عمر بيولوجي، بينما “المنتقم” محكوم بـ “زمن عقائدي” مفتوح لا يسقط بالتقادم.
بقتلهم القيادات وعائلاتهم، هم لم يغلقوا ملفاً، بل فتحوا “جبهة وجدانية” عابرة للحدود. لقد حولوا “المقاومة” من تنظيم عسكري يمكن رصده، إلى عقيدة وجودية تسكن في كل بيت، وتنتظر لحظة القصاص العادل مهما طال الزمن. إن تجاهل رمزية عاشوراء ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو انتحار حضاري يستدعي قوى تاريخية لا يمكن للصواريخ إيقافها، مما يجعل أهداف الاغتيال تتبخر أمام حرارة الإيمان بأن “الدم دائماً ينتصر على السيف”.


