الأكثر قراءة

خيبة أمل متجددة تحت قبة مجلس الوزراء

متى تُترجم وعود العهد؟

د. جاد طعمه

 

جريدة الحرة ـ بيروت

في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة يوم الجمعة 5 أيلول 2025، قدّم قائد الجيش اللبناني خطّةً لاستعادة “حصرية السلاح” بيد الدولة، غير أنّ الوقائع سرعان ما دحضت الشعارات التي بدت أقرب إلى استعراضات إعلامية منها إلى طروحات واقعية قابلة للتنفيذ.

فما إن دخل قائد الجيش إلى قاعة الاجتماع، حتى انسحب وزراء “الثنائي الشيعي” بعد تبادل التحية، احتجاجاً على ما اعتبروه استكمالاً لقرار غير ميثاقي اتخذته الحكومة، التي يُفترض أنّهم جزء لا يتجزأ منها. وكأنّ المطلوب أن تُتخذ كل القرارات في لبنان بتزكية شاملة من جميع الأطراف، مع العلم أنّ مبدأ “الميثاقية” في قرارات الحكومة ليس سوى بدعة مستحدثة لا يكرّسها نص دستوري صريح ولا يحميها عرف دستوري راسخ.

وعند تلاوة مقرّرات الجلسة، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام ترحيب حكومي بخطةٍ أراد مجلس الوزراء إبقاءها مبهمة بذريعة “السرّية”. وحيث تحضر السرية، تغيب الشفافية، وحيث تغيب الشفافية تضيع الحوكمة الرشيدة. بل أكثر من ذلك، تتحول السرية إلى باب مفتوح للتأويلات وإعادة إنتاج معادلة مسمومة عرفها لبنان منذ مطلع التسعينيات: “لا غالب ولا مغلوب”.

الخلاصة أنّ الحكومة لم تحدّد أي توقيت لتنفيذ الخطة، وفق ما أعلنه وزير الإعلام بول مرقص، بل بدت وكأنها تتعمّد الاكتفاء بعبارات مطّاطة قابلة لألف تفسير، هروباً من اتخاذ قرارات صريحة لا تحتاج سوى إلى شجاعة سياسية.

اليوم، يضيف اللبنانيون إلى سجل هذا العهد إخفاقاً جديداً وفادحاً: فلا تقدّم في مكافحة الفساد، ولا إنجاز في ملفات العدالة التي تشغل الرأي العام كجريمة انفجار مرفأ بيروت وحقوق المودعين، ولا تحرّك جديّاً لمواجهة التبعية السياسية للخارج، وكل ذلك نتيجة طبيعية لفساد الدولة العميقة وتماهي الوافدين الجدد مع شروط “النادي السياسي” القائم.

وإذا كان لبنان دولة مسروقة لا منهوبة فقط، فأي خطة عملية لاسترداد الأموال المنهوبة وُضعت؟ وهل يمكن أن يكون الطاقم الذي تغاضى عن موبقات الماضي واستفاد منها هو نفسه أداة الإصلاح؟

في هذه المرحلة العصيبة، كان يفترض أن يتركّز الجهد على توحيد القرار السياسي اللبناني ليرتفع فوق الإملاءات الدولية. غير أنّ العهد ما زال بعيداً في أدائه عن كل ما وعد به في خطاب القسم والبيان الوزاري. الحقيقة الوحيدة الثابتة أنّه ماضٍ في التزام إرضاء الموفدين الأميركيين، ولو على حساب السيادة والكرامة الوطنية، بينما تُترك مناطق الجنوب وأهالي القرى الحدودية لمصير غامض، في ظل اتفاقيات غير متوازنة لم تُحترم.

وليس خافياً أنّ الوسيط الأميركي ملتزم بخط الإدارة الأميركية الداعمة لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، بلا أي اعتبار لمصلحة لبنان. ويبقى السؤال: أين هو الوسيط الفرنسي الذي كان شريكاً في رعاية الاتفاق؟ وأين الموفدون الفرنسيون اليوم؟

منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية في كانون الثاني الماضي، ظلّت الشعارات الكبرى التي حاكت أحلام اللبنانيين حبراً على ورق، بلا أي ترجمة فعلية على الأرض. فخطة الجيش لم تتجاوز إطار الاستئناس، فيما خيوط القرار الداخلي ما زالت في أيدي الخارج.

الأخطر أنّ العهد يتجاهل التداعيات الاجتماعية للتعثّر المستمر؛ فالإحباط الشعبي يتعمّق، والثقة بالدولة تتآكل. فلا مساواة، ولا عدالة، ولا إصلاح قضائي حقيقي. حتى قانون استقلالية القضاء جرى تفريغه من مضمونه، وتشكيلات قضائية فُرضت كأمر واقع، فيما الفساد يواصل تغلغله في مؤسسات الدولة دون رادع.

يتأكد يوماً بعد يوم أنّ الحكومة عاجزة عن إدارة ملف على هذا القدر من الحساسية، أي ملف “حصرية السلاح”. والأسوأ أنّ مجلس الوزراء يتبنّى عن سابق تصور وتصميم المطالب الأميركية، جاعلاً منها معياراً للنجاح، فيما يشعر اللبنانيون أنّ دولتهم خاضعة للإملاءات الخارجية أكثر مما هي متمسكة بسيادتها.

والنتيجة: لا إنجاز يُسجَّل، والمشهد السياسي يزداد انقساماً بين فريق يقبل بخطة منقوصة وفريق يرفضها بالكامل، ما ينذر بمزيد من الاستقطاب والاحتقان الشعبي، وصولاً إلى تآكل متسارع في الثقة بالدولة.

ختاماً، أليس من الواجب على المسؤولين أن يدركوا أنّ “الوحدة الداخلية” هي شبكة الخلاص الوحيدة، لا الانحناء لضغوط الخارج؟ أيمكن أن تبقى السيادة والعدالة ومكافحة الفساد مجرّد شعارات خاوية؟ إنّ لبنان يستحق أن يكون دولةً حقيقية بكل ما للكلمة من معنى، لكن الدولة لا تقوم من دون روح عالية من المسؤولية لدى أصحاب القرار. وعلى ما يبدو، سنظلّ بحاجة إلى الكثير من الصبر والانتظار، فالمسار طويل، غير أنّنا محكومون بالأمل وموعودون بالانتصار مهما طال الزمن.

https://hura7.com/?p=65667

 

الأكثر قراءة