الأكثر قراءة

خيبة قضائية في مطلع العهد: لعبة الكراسي الدوّارة تجهض الاستقلالية

د. جاد طعمه

 

جريدة الحرة ـ بيروت

في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي يعيشها المواطن اللبناني، والذي علّق آماله على أن يحمل العهد الجديد مقاربات مختلفة، لا سيما على مستوى القضاء، باعتباره حصن العدالة والضامن للحقوق، ومنه وحده تبدأ مسيرة المحاسبة، تعود اليوم التسريبات الإعلامية بشأن التشكيلات القضائية — بأسمائها المدرجة والمواقع المرتقبة — لتستحضر في الأذهان سيناريوهات التدخلات السياسية المعهودة، التي لطالما قامت على المحسوبيات، وأكدت استمرار هيمنة منظومة لم تحترم يوماً استقلالية السلطة القضائية، بل أسهمت في تقويضها.

قد يصحّ القول إن المناصب القضائية العليا، كرئاسة غرف محاكم التمييز والاستئناف، تتطلب بطبيعتها تعيين قضاة من رتب معينة. لكن المستجدّ اليوم أن العهد، الذي وعد بالتغيير والمحاسبة، لا يبدو مختلفاً في مقارباته عن خيارات المنظومة نفسها، خاصة في ما يتصل بالمراكز الأولى في القضاء الجزائي. ولكي لا يبقى مبدأ احترام استقلالية القضاء شعاراً يُستَحضَر عند اللزوم، لا بد من الالتفات إلى القضاة النزيهين الذين دفعوا ثمناً مهنياً باهظاً نتيجة تمسّكهم باستقلالهم، عوضاً عن الاقتصار على إعادة تدوير الأسماء والمناصب بين قضاة المنظومة أنفسهم، فيما يشبه لعبة الكراسي الدوّارة، الأمر الذي من شأنه أن يصيب انطلاقة العهد الجديد برصاصات قاتلة.

من حق كل لبناني أن يسأل: أين نحن من خطاب القسم؟ وأين هي مواقف رئيس الحكومة المتعلقة باحترام الدستور؟ وأين اختفت الشعارات التي بشّرت ببناء دولة القانون والمؤسسات؟

ولا تقف الخيبة عند حدود التسريبات المتعلقة بالتعيينات القضائية المثيرة للجدل، بل تمتدّ إلى قرار فتح دورة استثنائية لمجلس النواب، والتي يرى كثيرون أن هدفها غير المعلن هو تعطيل مهمة المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، بدل دعم مسار العدالة وتعزيزه.

ويُضاف إلى كل ذلك الموقفُ الحكومي الهشّ إزاء الاعتداءات الصهيونية المتكرّرة، والخروقات اللا-متناهية لبنود اتفاقية وقف إطلاق النار — ببنودها الغامضة والسرية — ما يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الطبقة السياسية بحماية لبنان وسيادته. وكأن من وقّع تلك الاتفاقية يعيش حرجاً مكتوماً مما أبرمه في تلك الليلة من تشرين الثاني، لكنه لا يملك الجرأة الكافية لمراجعة أخطائه.

صحيح أن أيّ عهد جديد يحتاج إلى وقت لإثبات جديّته، لكن فترة السماح قد انقضت، والأخطاء المرتكبة تتّسم بالجسامة إلى حدّ ينذر بإعادة إنتاج الأزمات نفسها. فالقضاء، الذي يُفترض أن يكون منقذًا للبلاد من الفساد والمحسوبيات، يتحوّل — إذا صحّت التسريبات — إلى جزء من المشكلة، لأن التعيينات تتمّ بالعقلية نفسها التي حكمت سابقًا.

ليس المطلوب التصويب على العهد الجديد من باب المعارضة المجانية، بل الإشارة إلى أن الخيبات تتوالى، وهذه المرّة من بوابة القضاء، أي من البوابة التي وعد اللبنانيون بأنها ستكون حجر الأساس لأي إصلاح حقيقي.

المطلوب اليوم مراجعة سريعة وحاسمة، قبل أن يتحوّل الإصلاح الموعود إلى مجرد سراب جديد. فاللبنانيون، الذين تحمّلوا ما لا يُطاق، لم يعودوا يملكون رفاهية الصبر على وعود بالإصلاح لم ولن تُنجز، في ظلّ استمرار التدهور وانسداد الأفق.

ختامًا، الخيبة القضائية ليست سوى حلقة إضافية في سلسلة خيبات متراكمة، لكنها قد تكون الأخطر، لأنها تعني ببساطة أن العدالة ستكون غائبة، بانتظار وعود جديدة، وعهدٍ آخر قادر على الإيفاء بالتزاماته التي يقطعها طواعية أمام المواطنين.

اللبنانيون، الذين صمدوا في وجه الانهيارات المتلاحقة، لم يعودوا قادرين على تحمّل مزيد من الوعود العاجزة، ولا على إصلاحات تُستهلك شعارات دون أثر فعلي، فيما الانحدار مستمر.

https://hura7.com/?p=57171

 

الأكثر قراءة