جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تشير التحركات الدبلوماسية الأخيرة التي قادتها باكستان إلى تصاعد الحديث عن دور ما يُعرف بـ”دبلوماسية الدول الناهضة” في إعادة تشكيل مسارات التفاوض بين القوى الكبرى، خصوصاً في الملفات المعقدة مثل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
فقد برزت باكستان خلال الفترة الأخيرة كوسيط نشط في محاولات تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، عبر الدفع نحو بلورة “إطار تفاهم أولي” يمكن أن يشكل قاعدة لمفاوضات أوسع لاحقاً. وتشير هذه المقاربة إلى محاولة ردم الهوة السياسية العميقة بين الطرفين، وفتح مسار تدريجي قائم على التدرج في بناء الثقة بدل المواجهة المباشرة.
نجاح باكستان نتيجة موقعها الجيوسياسي والاقتصادي
تنطلق إسلام آباد في هذا الدور من توظيف موقعها الجيوسياسي الحساس، وعلاقاتها المتوازنة مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى طموحها في تعزيز حضورها كفاعل دبلوماسي في النظام الدولي، وليس فقط كدولة محورية في جنوب آسيا. كما تستند في تحركها إلى ما بات يُعرف في الأدبيات السياسية بـ“دبلوماسية الدول الصاعدة أو الناهضة”، حيث تسعى هذه الدول إلى لعب أدوار وساطة في القضايا الدولية المعقدة بدل الاكتفاء بموقع المتلقي للتوازنات الكبرى.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى التحرك الباكستاني، الذي يتم عبر قنوات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة، باعتباره محاولة لتقديم نموذج مختلف في إدارة الأزمات الدولية، يقوم على فكرة التدرج في بناء الأطر التفاوضية، بدلاً من القفز نحو اتفاقات نهائية مباشرة في بيئة تتسم بانعدام الثقة.
وتستند هذه المقاربة أيضاً إلى تحالفات وتنسيقات ضمن ما يمكن وصفه بـ“التجمعات الدولية الصاعدة”، التي تسعى إلى تعزيز أدوار الوساطة خارج الإطار التقليدي للدول الكبرى، بما يتيح مساحة أوسع لإعادة صياغة بعض الملفات الإقليمية والدولية العالقة.
ومع ذلك، فإن مسار هذه الجهود لا يزال في مرحلة اختبار حقيقية، إذ إن الانتقال من “إطار التفاهم” إلى “اتفاق نهائي” يتطلب توافقات سياسية وأمنية معقدة، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية وتعدد ساحات التوتر بين واشنطن وطهران.
وتراهن باكستان على أن نجاح أي مسار تفاوضي من هذا النوع، حتى لو كان تدريجياً، قد يعزز موقعها الدولي ويمنح الدول الناهضة مساحة أوسع في إدارة النزاعات العالمية، بعيداً عن الاحتكار التقليدي للدبلوماسية من قبل القوى الكبرى، ويفتح الباب أمام نموذج جديد في العلاقات الدولية يقوم على تعددية الوسطاء بدل مركزية الفاعل الواحد.
الدبلوماسية الناهضة :
الدبلوماسية الناهضة هي مفهوم يُستخدم للإشارة إلى الدبلوماسية التي تعتمدها الدول الصاعدة أو القوى الناشئة من أجل تعزيز حضورها وتأثيرها في النظام الدولي، عبر أدوات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية، بدل الاعتماد فقط على القوة العسكرية التقليدية.
ويُقصد بها أيضًا نوع من الدبلوماسية الحيوية والمرنة التي تسعى إلى إعادة تموضع الدولة في الساحة الدولية، من خلال بناء الشراكات، وتوسيع النفوذ الاقتصادي، والانفتاح على التحالفات الجديدة، واستثمار القوة الناعمة.
نشأة مفهوم الدبلوماسية الناهضة
تشير العديد من الدراسات إلى أن جذور مفهوم “الدبلوماسية الناهضة” تعود إلى أربعينيات القرن العشرين، وقد ارتبطت مبكرًا برؤية رئيس الوزراء الكندي ويليام ليون ماكنزي كينغ، الذي أشار إلى أهمية أن تمتلك الدول المتوسطة دورًا مستقلًا ومؤثرًا داخل النظام الدولي، حتى وإن كانت مواردها محدودة مقارنة بالدول العظمى.
لكن هذا المفهوم لم يصبح شائعًا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت مجموعة من الدول المتوسطة في تنشيط دورها الدبلوماسي من أجل إيصال صوتها داخل المؤسسات الدولية والمشاركة في صياغة التوازنات العالمية الجديدة التي ظهرت بعد الحرب.
وقد أدركت هذه الدول أن النظام الدولي لم يعد قائمًا فقط على الهيمنة العسكرية، بل أصبح يعتمد أيضًا على القدرة على التفاوض، وبناء التحالفات، والتأثير السياسي والإعلامي، والمشاركة في المنظمات الدولية.
تعريف الدبلوماسية الناهضة
الدبلوماسية الناهضة هي نمط حديث من العمل الدبلوماسي تقوم من خلاله الدول بتوسيع أدوات تأثيرها ونفوذها على المستويين الإقليمي والدولي، عبر استخدام وسائل سياسية وإعلامية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية متطورة، بهدف تعزيز حضورها الدولي وتحقيق مصالحها الاستراتيجية دون الاعتماد فقط على القوة العسكرية التقليدية.
وتعكس الدبلوماسية الناهضة انتقال الدولة من الدور التقليدي المحدود في العلاقات الدولية إلى دور أكثر نشاطًا ومرونة وتأثيرًا، يعتمد على القوة الناعمة، والخطاب السياسي، والإعلام، والدبلوماسية الرقمية، وبناء التحالفات، وإدارة الأزمات الدولية.
اهمية الدبلوماسية الناهضة
تكمن أهمية الدور الذي تؤديه الدول الناهضة في قدرتها على إعلان صوتها للعالم وفرض حضورها داخل النظام الدولي، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال أدوات إعلامية وثقافية واقتصادية ودبلوماسية متطورة. فهذه الدول تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها قوى مؤثرة تمتلك رؤية ومصالح ومشاريع قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام أحد أهم أدوات الدبلوماسية الناهضة، إذ تستخدمه الدول لنقل خطابها السياسي، وترويج صورتها، وتفسير مواقفها أمام المجتمع الدولي. فالقنوات الفضائية، والمنصات الرقمية، والمؤسسات الثقافية، وحتى الخطاب السياسي الرسمي، تتحول إلى وسائل لإظهار القوة الناعمة وتعزيز النفوذ الخارجي.
كما تحاول هذه الدول من خلال خطابها الإعلامي أن تبني صورة جديدة عن نفسها، تقوم على أنها شريك اقتصادي وسياسي وثقافي قادر على المنافسة والمشاركة في صناعة القرار الدولي. لذلك، تعمل على توظيف اللغة السياسية، والرموز الثقافية، والرسائل الإعلامية المؤثرة، من أجل كسب التأييد الدولي وتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن أهمية الدبلوماسية الناهضة لا تقتصر على إدارة العلاقات السياسية فقط، بل تمتد إلى صناعة الصورة الذهنية للدولة عالميًا، وتحويل الإعلام إلى مساحة للصراع على النفوذ والتأثير وإعادة تشكيل التوازنات الدولية.
البعد السياسي لمفهوم الدبلوماسية الناهضة
يرتبط مفهوم الدبلوماسية الناهضة بالتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، خاصة مع تراجع الهيمنة الأحادية التي قادتها بعض القوى الكبرى لعقود طويلة، وظهور قوى دولية وإقليمية جديدة تسعى إلى تثبيت حضورها وتأثيرها في الساحة العالمية. وفي هذا السياق، لم تعد القوة العسكرية وحدها الوسيلة الأساسية لفرض النفوذ، بل أصبحت الدبلوماسية بأدواتها السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية وسيلة رئيسية لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
وتسعى الدول الناهضة من خلال هذه الدبلوماسية إلى بناء شبكة واسعة من التحالفات والشراكات الاقتصادية والاستراتيجية، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة. كما تعمل هذه الدول على استثمار قوتها الناعمة، مثل الإعلام والثقافة والتكنولوجيا والمساعدات الاقتصادية، لتقديم نفسها بوصفها شريكًا دوليًا قادرًا على التأثير والمنافسة.
ومن الناحية السياسية، تعكس الدبلوماسية الناهضة محاولة لإعادة صياغة النظام العالمي باتجاه التعددية القطبية، حيث تسعى القوى الصاعدة إلى تقليص سيطرة القوى التقليدية على القرار الدولي، والمطالبة بدور أكبر في المؤسسات الدولية والملفات الاقتصادية والأمنية العالمية. لذلك، أصبحت الدبلوماسية أداة للصراع السياسي والتنافس على النفوذ، لكنها في الوقت نفسه تمثل وسيلة لإدارة التوازنات الدولية وبناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة بدل الهيمنة المباشرة.
الدبلوماسية الناهضة وصوت الدول المتوسطة
بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الدول المتوسطة أن امتلاك القوة العسكرية وحده لا يكفي لبناء النفوذ، لذلك اتجهت نحو تطوير أدوات جديدة للتأثير، مثل الإعلام الدولي، والدبلوماسية متعددة الأطراف، والوساطات السياسية، والعلاقات الاقتصادية.
ومن هنا ظهرت فكرة “الدبلوماسية الناهضة”، التي تعني قدرة الدولة على تعظيم تأثيرها الدولي رغم محدودية مواردها مقارنة بالقوى العظمى، عبر استخدام أدوات حديثة ومرنة في السياسة الخارجية.
ولهذا، أصبحت القوى المتوسطة الناهضة عنصرًا مهمًا في النظام الدولي الحديث، خاصة في ظل تراجع الهيمنة الأحادية، وظهور نظام عالمي أكثر تعددية وتنافسًا على النفوذ السياسي والاقتصادي والإعلامي.
تُعدّ “القوى الناهضة المتوسطة” من المفاهيم المهمة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وقد برز هذا المفهوم بشكل أوضح خلال ثمانينيات القرن الماضي مع تصاعد دور عدد من الدول التي لم تكن تُصنَّف ضمن القوى العظمى، لكنها امتلكت قدرة متزايدة على التأثير السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في محيطها الإقليمي والدولي.
تُعدّ الدبلوماسية الناهضة في العصر الحديث إطارًا متطورًا يشهد تنوعًا في أدواته وأشكاله، ومن بينها ما يمكن تسميته بـالدبلوماسية الناهضة، بوصفها امتدادًا ديناميكيًا يتكيف مع التحولات الدولية المتسارعة. وفي هذا السياق، أصبحت الدبلوماسية ضرورة أساسية لضمان الاستقرار وتعزيز التعاون الدولي، وترسيخ التفاهم بين الشعوب في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات السياسية والعلمية والتكنولوجية. كما باتت الدبلوماسية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإعلام والخطاب السياسي ووسائل الاتصال الحديثة، التي تلعب دورًا محوريًا في التأثير والإقناع وصناعة الرأي العام، الأمر الذي يجعل منها إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية المعاصرة.
إذا كان تخصص العلاقات الدولية يرى منذ زمن طويل أن السياسة الخارجية محصورة بالدول نفسها وبسياستها الداخلية، فإن مفهوم نهوض الدول الصاعدة أحدث تحولًا مهمًا في هذا الإطار. فقد باتت الأدوات المساعدة للدولة، بما في ذلك الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية، تخدم سياسات هذه الدول، ولم تعد السياسة الخارجية حكراً عليها وحدها.
في النهاية، يمكن القول إن نجاح مفهوم الدبلوماسية الناهضة يعكس تحوّلًا عميقًا في بنية السياسة العالمية، حيث لم تعد القدرة على التأثير حكرًا على القوى الكبرى فقط، بل أصبحت الدول الصاعدة تمتلك أدوات فاعلة لإعادة تشكيل مسارات التفاعل الدولي.
فقد لعبت هذه الدول دورًا متزايد الأهمية في تعديل المفاهيم التقليدية للعلاقات الدولية، سواء من خلال الوساطة أو بناء التفاهمات أو طرح مبادرات سياسية مبتكرة تُسهم في تخفيف التوترات. ويُعدّ الدور الباكستاني مثالًا على هذا التحول، إذ إن أي نجاح في تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، أو الدفع نحو إنتاج إطار تفاوضي بينهما، يعكس بوضوح قدرة دولة صاعدة على التأثير في ملفات شديدة التعقيد.
إن مثل هذه التحركات لا تُقرأ فقط من زاوية نتائجها المباشرة، بل من زاوية أعمق تتعلق بإعادة توزيع مراكز التأثير في النظام الدولي، حيث باتت الرؤية السياسية والقدرة على المناورة الدبلوماسية عنصرًا لا يقل أهمية عن القوة الصلبة.
وبذلك، فإن ما يُعرف بالدبلوماسية الناهضة يؤكد أن العلاقات الدولية تتجه تدريجيًا نحو تعددية في الفاعلين، وأن احتكار القرار لم يعد ممكنًا كما كان في السابق، وأن الدول الصاعدة باتت جزءًا أساسيًا من هندسة التوازنات الجديدة في العالم.


