الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

دور روسيا في الحرب الأمريكية الإيرانية: كيف يمكن أن تستفيد موسكو؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي


في عالم السياسة الدولية، تُعتبر العلاقات بين القوى الكبرى ذات تأثيرات عميقة على الاستراتيجيات الاقتصادية والجيوسياسية. الحرب الأمريكية الإيرانية، أو أي صراع محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، يمكن أن تكون مفيدة لروسيا من عدة جوانب، خاصة على صعيد الاقتصاد والسياسة الجيوستراتيجية. رغم أن مثل هذا الصراع سيكون له تبعات ضارة على المستوى الإنساني والاقتصادي، إلا أن روسيا قد تجد نفسها في وضع يسمح لها بتحقيق مكاسب ضخمة على الصعيدين السياسي والاقتصادي وفقًا للتالي:.

1- الاستفادة الاقتصادية من ارتفاع أسعار النفط

إيران تُعد من أكبر منتجي النفط في العالم، وأي اضطرابات أو تصاعد في التوترات بين إيران والولايات المتحدة في منطقة الخليج قد يؤدي إلى زيادة في أسعار النفط. روسيا، باعتبارها إحدى أكبر دول العالم المنتجة للنفط، سوف تستفيد من هذا الارتفاع في الأسعار، سواء بسبب تقييد الإمدادات من منطقة الخليج أو بسبب تزايد المخاوف من تعطيل تجارة النفط عبر مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر من خلاله حوالي 20% من تجارة النفط العالمية.

في حال نشوب صراع عسكري أو تصاعد التوترات بشكل أكبر في الخليج العربي، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب في حركة الشحن البحرية أو حتى إغلاق مضيق هرمز، فإن أسواق النفط العالمية ستشهد زيادة في الأسعار. بالنسبة لروسيا، زيادة أسعار النفط تعني زيادة في الإيرادات التي تُستخدم في تمويل الاقتصاد الروسي، خصوصًا في ظل اعتماد موسكو الكبير على عائدات النفط والغاز كمصدر رئيسي لتمويل ميزانيتها الوطنية.

روسيا قد تجد نفسها في موقف يسمح لها بالاستفادة من انخفاض الإمدادات من دول أخرى، وبالتالي تعزيز قدرتها على تصدير المزيد من النفط بأسعار أعلى. هذا سيعطيها مزيدًا من القوة الاقتصادية في مواجهة الغرب ويمكنها من تقليل آثار العقوبات الغربية المفروضة عليها.

2- التأثير على العقوبات الاقتصادية الغربية على إيران

عندما تفرض الولايات المتحدة والدول الغربية عقوبات اقتصادية على إيران، فإن هذه العقوبات تُثقل كاهل الاقتصاد الإيراني وتحد من قدرتها على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية. ولكن هذه العقوبات تُعطي روسيا فرصة لتوسيع علاقاتها التجارية مع إيران في مجالات متعددة، مثل النفط، الغاز، الأسلحة، والتكنولوجيا.

على سبيل المثال، منذ فرض العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، دخلت روسيا في علاقة اقتصادية وعسكرية وثيقة مع طهران، حيث قامت بتزويدها بأنظمة دفاعية مثل صواريخ إس-300، بالإضافة إلى دعمها في قطاع الطاقة. وبالنظر إلى أن إيران تُعتبر سوقًا كبيرة للطاقة والأسلحة، فإن استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران سيكون فرصة لموسكو لتوسيع نفوذها في السوق الإيرانية.

إذا نشب صراع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران، فمن المحتمل أن تستمر روسيا في تقديم الدعم الاقتصادي والعسكري لطهران، مما سيساعد في تعزيز التعاون الثنائي، بما في ذلك في مجالات الطاقة والدفاع. هذا التعاون سيزيد من مكانة روسيا كحليف استراتيجي لإيران في مواجهة الضغوط الغربية.

3- التأثير الجيوسياسي: استغلال الفراغ الاستراتيجي

روسيا تعتبر واحدة من القوى الكبرى المنافسة للولايات المتحدة في الساحة الدولية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. إذا نشب صراع بين الولايات المتحدة وإيران، فإن روسيا قد تجد نفسها في موقف يمكنها فيه استغلال الفراغ الاستراتيجي الناجم عن انشغال الولايات المتحدة بالحرب أو التوترات المستمرة. في هذا السياق، قد تسعى موسكو إلى زيادة نفوذها في المنطقة عبر تعميق وجودها العسكري والاقتصادي في دول مثل سوريا والعراق، حيث تقوم بتوسيع قاعدتها العسكرية.

روسيا تمثل حليفًا رئيسيًا للنظام السوري في حربه ضد المعارضة المسلحة، كما أنها تُعد لاعبًا أساسيًا في محادثات السلام المتعلقة بسوريا. لذا، فإن أي توترات بين الولايات المتحدة وإيران قد تفتح المجال أمام روسيا لتعزيز موقعها في المنطقة العربية بشكل عام، ومن خلال دعمها المستمر لطهران، قد تحقق موسكو نفوذًا أكبر في المعادلة الإقليمية.

من خلال تعزيز وجودها في دول مثل العراق وسوريا، يمكن لروسيا أن تلعب دورًا أكبر في تحريك التوازنات السياسية في الشرق الأوسط. هذا قد يعني تراجع الدور الأمريكي، خاصة في حالة تفرغ الولايات المتحدة لمواجهة إيران أو مواجهة الأزمات الاقتصادية الداخلية الناتجة عن التداعيات العسكرية.

4-فرص تجميع الثروات عبر التجارة والأسواق الموازية

في حال تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، قد تسعى طهران إلى شراء المزيد من الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية من دول مثل روسيا، التي تمتلك تقنيات متقدمة في الصناعات العسكرية. تاريخيًا، روسيا كانت واحدة من الموردين الرئيسيين للأسلحة إلى إيران، وتُعتبر العلاقات العسكرية بين الدولتين جزءًا من تحالف استراتيجي قد يعزز من تعزيز قدرات إيران الدفاعية في مواجهة الضغوط الغربية.

إذا استمرت الولايات المتحدة في فرض العقوبات على إيران، فإن روسيا قد تستفيد من هذا الوضع عبر زيادة صادراتها من الأسلحة إلى طهران. يمكن أن تشمل هذه الصادرات أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المقاتلة، والصواريخ بعيدة المدى، بالإضافة إلى الدعم التقني في مجالات مثل النووي والفضاء. بالنظر إلى أن إيران ستحتاج إلى تحديث معداتها العسكرية في حالة مواجهة صراع واسع النطاق، سيكون هذا فرصة ضخمة لروسيا لتعزيز تجارتها مع طهران ودول أخرى في المنطقة.

5-استفادة روسيا من ضعف المنافسين

أحد أهم العوامل التي يمكن أن تعزز من دور روسيا في الحرب الأمريكية الإيرانية هو استنزاف موارد الولايات المتحدة. في حال اندلعت حرب طويلة الأمد أو استمرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، سيكون هناك استنزاف للموارد الأمريكية، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية. هذا الاستنزاف من شأنه أن يضعف قدرة الولايات المتحدة على التدخل في قضايا أخرى في الساحة الدولية، مما يعطي روسيا فرصة للاستفادة من هذا الوضع لصالحها.

ستتمكن روسيا من تعزيز نفوذها في مناطق أخرى من العالم، مثل أوروبا وآسيا، حيث قد تزيد من الضغط على حلفائها الغربيين، وتستفيد من حالة الفوضى الناجمة عن انشغال الولايات المتحدة بصراع طويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط. هذا التحول يمكن أن يعزز من مكانة روسيا كقوة عالمية منافسة للهيمنة الأمريكية.

لابد من القول إن ارتفاع أسعار النفط سيساعد روسيا في تجميع ثروة مالية ضخمة تمكنها من تغطية تكاليف الحرب ضد أوكرانيا، خاصة مع وصول سعر برميل النفط إلى 175 دولارًا أو أكثر. لكن هذا لن يمكنها من الخروج من أزمتها أو فرض شروطها على أوروبا وأوكرانيا. بل على العكس، فإن هذه الزيادة في الإيرادات قد تؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من حسمها لصالح روسيا.

إذاً، الحرب الأمريكية الإيرانية أو حتى التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران توفر فرصًا استراتيجية لروسيا على عدة أصعدة. روسيا يمكن أن تستفيد اقتصاديًا من ارتفاع أسعار النفط، وتوسع علاقاتها التجارية مع إيران، وتعزز نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لروسيا أن تستغل الفراغ الاستراتيجي الناتج عن انشغال الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد، مما يعزز من مكانتها كقوة عالمية منافسة للغرب. ومع ذلك، يجب أن نلاحظ أن أي صراع من هذا النوع سيكون له تبعات خطيرة على المستوى الإنساني، وقد يؤدي إلى تغييرات غير متوقعة في المشهد الدولي بشكل عام.

https://hura7.com/?p=77243

الأكثر قراءة