الثلاثاء, يناير 13, 2026
9.7 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

دولة “إسرائيل الكبرى”… كيف يسقط المشروع؟

يوسف ناصر

 

جريدة الحرة ـ بيروت

منذ تأسيسها عام 1948، لم تكن إسرائيل مجرد كيان سياسي، بل مشروعاً متشابكاً يقوم على مزيج معقد من الدين والسياسة والأيديولوجيا. هذا التعقيد جعل من تركيبة المجتمع الإسرائيلي نموذجاً فريداً، لكنه أيضاً مليئاً بالتناقضات الداخلية والصراعات المستمرة.

يشكّل اليهود النواة الأساسية للمجتمع الإسرائيلي، لكنهم ليسوا كتلة واحدة، بل مجموعات دينية متباينة:

  • اليهود العلمانيون (حوالي 45%): يمثلون التيار الأكبر، يؤمنون بدولة حديثة ذات طابع قومي أكثر منه ديني.
  • اليهود الأرثوذكس المتشددون (الحريديم): يتمسكون بالشريعة اليهودية، ويمارسون ضغطاً كبيراً لفرض أنماط دينية على الحياة العامة، مثل قضايا الزواج والتعليم والخدمة العسكرية.
  • اليهود القوميون الدينيون: يجمعون بين التدين والعقيدة القومية الصهيونية، وغالباً في طليعة الاستيطان في الضفة الغربية.

إلى جانب ذلك، هناك أقليات دينية أخرى تعيش في إسرائيل، مثل المسلمين (نحو 18% من السكان)، المسيحيين (2%)، والدروز الذين يحتفظون بمكانة خاصة في البنية العسكرية والسياسية للدولة.

مشروع “إسرائيل الكبرى”: حلم توراتي أم خطة سياسية؟

منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، ظلّت فكرة “إسرائيل الكبرى” حاضرة في الخطاب الديني والسياسي لبعض التيارات الإسرائيلية. ورغم أن المشروع لم يتحوّل يوماً إلى سياسة رسمية معلنة، إلا أن أثره يطفو في الممارسات الميدانية والسياسات التوسعية للدولة العبرية.

تعود فكرة “إسرائيل الكبرى” إلى التفسير التوراتي الذي يحدد حدود “أرض الميعاد” من النيل إلى الفرات. هذا التصور تبنته بعض المدارس الدينية القومية التي رأت أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 لم يكن نهاية المشروع، بل بدايته. كما أن انتصار إسرائيل في حرب حزيران 1967، واحتلالها للقدس الشرقية والضفة الغربية والجولان وسيناء، أعاد إحياء الخطاب التوسعي باعتباره “تحقيقاً للوعد الإلهي”.

البعد السياسي والاستراتيجي

في السياسة الإسرائيلية، لا يُطرح هذا المشروع كوثيقة رسمية، لكنه ينعكس في عدة محاور، أبرزها الإستيطان والتوسع في الضفة الغربية والقدس الشرقية، واعتبارها مناطق غير قابلة للتفاوض. كما رفض الانسحاب وتشديد اليمين الإسرائيلي على أن التنازلات الإقليمية تهدد الأمن القومي وتُضعف الحق التاريخي. ومن أهم الإسترتيجيات التطبيع الإقليمي وتوسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة العربية عبر اتفاقات سلام أو تعاون اقتصادي، بما يضمن سيطرة غير مباشرة على المجال الجيوسياسي.

أما الدين والسياسة فهما في خدمة مشروع الأحزاب الدينية القومية، وعلى رأسها التيار الاستيطاني، حيث تتعامل مع الأراضي المحتلة ليس كملف سياسي بل كقضية عقائدية. بالنسبة لهم، أي انسحاب من “يهودا والسامرة” (الاسم التوراتي للضفة الغربية) هو خيانة للوعد الإلهي. في المقابل، يجد اليمين السياسي في هذا الخطاب وسيلة لحشد القاعدة الشعبية وتبريراً لسياسات الضم التدريجي.

“الليكود” حزب اليمين الأكبر في إسرائيل، بزعامة بنيامين نتنياهو، لا يعلن أنه مع “إسرائيل الكبرى” في الأيدولوجيا الحزبية، لكنه يرفض أي انسحاب من الضفة الغربية ويرى أن السيطرة الإسرائيلية عليها ضرورة استراتيجية وتاريخية. برنامج الحزب ينص صراحة على أن “الأردن هو الدولة الفلسطينية”، ما يعني عملياً الإبقاء على الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية.

الأحزاب الدينية القومية

البيت اليهودي (حالياً ضمن الصهيونية الدينية): يعتبر الضفة الغربية يهودا والسامرة أرضاً توراتية لا يمكن التخلي عنها.

عوتسما يهوديت (قوة يهودية): حزب متطرف بقيادة إيتمار بن غفير، يدعو علناً إلى ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الكاملة عليها، ويدفع باتجاه مشروع “إسرائيل الكبرى” بلا مواربة.

شاس ويهدوت هتوراه (الأحزاب الحريدية): رغم أن تركيزها الأساسي ديني واجتماعي، إلا أنها تتحالف غالباً مع أحزاب اليمين التي تتبنى التوسع الاستيطاني، ما يجعلها شريكاً ضمنياً في المشروع.

إلى جانب الأحزاب الرسمية، هناك حركات شعبية وسياسية مثل غوش إيمونيم (الكتلة الإيمانية سابقاً) والتي تُعد من أبرز الحركات الداعمة للاستيطان في الضفة منذ السبعينات، وتعتبر أن بناء المستوطنات خطوة في سبيل تحقيق “إسرائيل الكبرى”.

أما في السنوات الأخيرة، فبرزت تيارات يمينية أكثر تطرفاً، تدعو ليس فقط لضم الضفة بل أيضاً إلى التفكير في توسيع حدود الدولة باتجاه الأردن أو غزة. ورغم أن هذه الأفكار لا تحظى بغطاء رسمي، فإنها تعكس الحلم المستمر لدى جزء من اليمين الديني والقومي.

إنّ الأحزاب المطالبة بـ “إسرائيل الكبرى”، لا تعمل من خلال إعلان رسمي واحد، بل عبر سياسات متراكمة: الاستيطان، الضم التدريجي، ورفض أي دولة فلسطينية. وهذا يعكس أن المشروع، حتى وإن لم يُقر كوثيقة سياسية، يبقى راسخاً في ذهنية اليمين الإسرائيلي والتيارات الدينية، ويحدد مستقبل الصراع في المنطقة.

مشروع إسرائيل الكبرى من الحلم التوراتي إلى التبخر السياسي

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، ظلّت فكرة المشروع الممتدة من النيل إلى الفرات وفق التفسيرات التوراتية – حاضرة في الخطاب الديني والقومي الإسرائيلي. غير أن العقود الماضية أظهرت أن هذا المشروع يتآكل شيئاً فشيئاً أمام تحديات الواقع السياسي والديموغرافي والدولي، حتى بات مجرد شعار تاريخي أكثر من كونه خطة قابلة للتحقق. فالتحدي الديموغرافي أكبر ضربة لمشروع “إسرائيل الكبرى” جاءت من الواقع السكاني. فكل توسع إسرائيلي نحو الضفة أو غزة أو حتى أبعد يعني إدماج ملايين الفلسطينيين والعرب داخل الدولة العبرية، وهو ما يقوض الطابع اليهودي الذي تتمسك به إسرائيل. هذه المعادلة جعلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتردد في أي خطوة ضم شاملة خشية فقدان الأغلبية اليهودية. لذلك تتبع إسرائيل سياسة التهجبر والتنكيل والمجازر والتجويع وهذه السياسة أثبتت فشلها لأن الشعوب تتجذر في أرضها ولا تتنازل عنها مهما علا شأن المجرم والظالم على حد سواء.

إنّ الانقسام بين العلمانيين والدينيين ساهم أيضاً في تراجع المشروع. فالعلمانيون يرون أن هذا الحلم خرافة توراتية تُدخل الدولة في صراعات لا نهاية لها، بينما يتمسك التيار الديني القومي بها كواجب عقائدي. هذا الصراع الداخلي جعل الحكومات عاجزة عن صياغة رؤية موحدة.

إسرائيل الكبرى التفتيت كأداة لتحقيق المشروع

منذ ظهور الفكرة التوراتية لإسرائيل الكبرى، أدرك صناع القرار في تل أبيب أن تحقيقها عبر التوسع العسكري المباشر غير ممكن في ظل توازنات إقليمية ودولية معقدة. لذلك، تحوّل المشروع تدريجياً إلى استراتيجية غير مباشرة تقوم على تفتيت الدول العربية من الداخل، وإضعاف شعوبها عبر النزاعات والحروب الأهلية، بما يتيح لإسرائيل فرض هيمنتها الجيوسياسية.

النكسة عام 1967 منحت إسرائيل شعوراً بقدرتها على التوسع، لكنها سرعان ما واجهت حدود القوة العسكرية في حرب 1973 وفي لبنان لاحقاً. هذا التحول دفعها – بدعم من قوى غربية – إلى الاستثمار في إثارة الانقسامات الطائفية والمذهبية في الدول العربية المجاورة كبديل عن الاحتلال المباشر.

إسرائيل لا تحتاج اليوم لاحتلال النيل إلى الفرات بالمعنى الجغرافي، بل تسعى لخلق واقع إقليمي يقوم على دول ضعيفة، ممزقة داخلياً، (خطاب أقليات، طائفي مذهبي، عرقي، عشائري) فهي غير قادرة على تشكيل أي تهديد جماعي. بهذا المعنى يتحقق مشروع إسرائيل الكبرى، عبر تفوق إسرائيلي وسط محيط عربي مفكك.

أبرزهذه النماذج للتفتيت سوريا، العراق، لبنان، غزة، السودان واليمن.

الدول والمجتمعات العربية كيف تسقط هذا المشروع؟

إنّ تطبيق العلمانية في العالم العربي هو سلاح الوحدة ضد الإنقسامات والطموحات الإقليمية لإسرائيل الكبرى. ففي ظل التحولات السياسية والإجتماعية المتسارعة في العالم العربي، يبرز المشروع العلماني كخيار استراتيجي قادر على توحيد الشعوب العربية وتجاوز الانقسامات التقليدية التي استنزفت طاقاتها لعقود. العلمانية، بفصلها بين الدين والسياسة، تقدم إطاراً يحمي الدولة من الاستقطابات الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية، ويسمح بمواطنة متساوية لكل المواطنين دون تمييز.

تاريخياً، شكلت الانقسامات الطائفية والمذهبية حجر عثرة أمام أي مشروع عربي موحد. فقد استغلت قوى داخلية وخارجية هذه الانقسامات لتفتيت الدول العربية وإضعاف قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية. في هذا السياق، يظهر المشروع العلماني كآلية عملية لمقاومة كل أشكال الهيمنة الخارجية خاصةً الوجه القذر للإمبريالية العالمية ألا وهي إسرائيل، وخصوصاً في مواجهة أطماع إسرائيل الكبرى، التي تسعى لتقسيم المنطقة وتثبيت نفوذ غير عربي على أراضيها الحيوية.

العلمانية تعمل على بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات القبلية أو الطائفية. فهي تتيح للمواطن العربي التركيز على قضايا التنمية، التعليم، الاقتصاد، والسيادة الوطنية، والتطور والتكنولوجيا والمعرفة والثقافة والتربية الوطنية الجامعة، بدل الانشغال بالصراعات الداخلية. هذه الوحدة الداخلية تمثل الدرع الأقوى أمام أي محاولات لتفتيت الدول العربية واستنزاف مواردها لصالح مشاريع إقليمية أجنبية.

من منظور استراتيجي، نجاح المشروع العلماني لا يقتصر على تحقيق الاستقرار الداخلي فحسب، بل يمتد إلى تعزيز موقف العرب على الساحة الدولية. دول عربية علمانية قوية قادرة على التفاوض والتصدي لمخططات خارجية، بما فيها تلك التي تسعى لإقامة “إسرائيل الكبرى”، لأن أي ضعف داخلي يُترجم فورًا إلى استغلال خارجي.

إلى جانب ذلك، يعزز المشروع العلماني المشاركة السياسية الشاملة ويكسر الاحتكارات الطائفية والعشائرية للسلطة، ما يمكّن الشعوب من التحكم بمصيرها والتخطيط لمستقبل مشترك. وفي هذا السياق، يصبح العلمانيون دعاة لمواطنة حقيقية، ومحصنة أمام مشاريع التقسيم التي يعتمد عليها الاحتلال لتثبيت نفوذه.

إنّ العلمانية هي الضربة القاضية لمشروع التفتيت ويمكن القول إن المشروع العلماني في العالم العربي ليس مجرد خيار سياسي، إنه المقاومة الحقيقية من دون خسائر وهي لا تلغي الإيمان بالله ولا بالمقدسات ولا تروج للمثلية إن العلمانية لا تزوج الأخ للأخت ولا العم لإبنت أخيه العلمانية هي استراتيجية وطنية لمواجهة الانقسامات الداخلية والتحديات الإقليمية الكبرى. إنه أمل الوحدة، وأداة الدفاع الأمثل ضد المشاريع الاستعمارية والتوسعية، وأمل حقيقي لتحقيق سيادة الشعوب العربية واستقلالها السياسي نعم هي المقاومة الحقيقية لإسقاط مشروع إسرائيل الكبرى.

 https://hura7.com/?p=66077

 

الأكثر قراءة