جريدة الحرة
وكالات ـ في وقتٍ أحيا فيه استئناف المفاوضات في الدوحة بشأن اتفاقٍ محتمل لوقف إطلاق النار في غزة الآمال بإنهاء الحرب، بدّدها – ولو مؤقتًا – تصريح الموفد الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، الذي حمّل حركة حماس مسؤولية استمرار القتال. وفي موازاة ذلك، برزت مواقف لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى تؤكد أن الهدف الأساسي لحكومة بنيامين نتنياهو لا يزال يتمثّل في مواصلة الحرب، وصولًا إلى تنفيذ خطة تهدف إلى تهجير أهالي قطاع غزة.
وقد تزايدت حدّة المواقف الإسرائيلية تشددًا في مواجهة موجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية، أو بالأحرى، التصريحات الصادرة عن عدد من الدول الغربية الكبرى التي أبدت استعدادها للإقدام على هذه الخطوة.
وتتفاعل في الأوساط السياسية الإسرائيلية تبعات القرار الفرنسي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلًا عن استعدادات عشرات الدول الأخرى – بعضها يُعد من أقرب حلفاء إسرائيل – للقيام بالخطوة ذاتها.
تصعيد سياسي في مواجهة الاعترافات بالدولة الفلسطينية
اللافت أن المستوى السياسي الإسرائيلي، بدلاً من التفاعل الإيجابي مع الضغوطات والدعوات الدولية المتزايدة، اتجه نحو مزيد من التشدد برفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية. وقد تجلى ذلك في تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وعدد من وزرائه، فضلًا عن أصوات مؤثرة في النخب السياسية والإعلامية الإسرائيلية.
رئيس الكنيست: “ابنوا الدولة الفلسطينية في باريس أو لندن”
في هذا السياق، أثار رئيس الكنيست أمير أوحانا موجة من الجدل خلال كلمته في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي في جنيف، حين رفض إقامة دولة فلسطينية واتهم الدول الداعمة لذلك بـ”مكافأة حماس”، محذرًا من أن تلك الخطوة “ستُفاقم العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.
وقال أوحانا في كلمته: “إذا كنتم تريدون دولة فلسطينية، فابنوها في لندن أو باريس”، في إشارة مباشرة إلى مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. واعتبر أن العاصمتين الأوروبيتين “باتتا شبيهتين بالشرق الأوسط”، في انسجامٍ مع خطاب اليمين المتطرف الذي يعتبرهما تغمرهما الهجرة، خاصة من منطقة الشرق الأوسط.
وحذر أوحانا من أن محاولات بعض الدول الأوروبية “فرض ما تسميه سلامًا” قد تؤدي، في الواقع، إلى مزيد من الحروب.
وزير التراث الإسرائيلي يتنصّل من الأسرى ويدعو لاحتلال غزة
من رئيس الكنيست إلى وزير التراث الإسرائيلي المثير للجدل، عميحاي إلياهو – أحد أبرز رموز التطرف في حكومة نتنياهو – الذي سبق أن دعا إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة. هذه المرة، دعا الوزير المنتمي إلى حزب “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية)، إلى “اعتبار المختطفين في غزة أسرى حرب تُناقش قضيتهم فقط بعد هزيمة حماس”، معتبرًا أن “التركيز المفرط على قضية الرهائن يُضعف الجهد الحربي”.
وأضاف إلياهو: “شعار ’المختطفون أولًا‘ لا يجب أن يُحدّد عنوان المهمة الحالية. هذا التخبط هو ما أبقاهم في غزة حتى الآن”، داعيًا إلى احتلال القطاع بالكامل.
وقد أثارت تصريحاته موجة واسعة من الإدانة، بدأت بعائلات الأسرى الإسرائيليين أنفسهم، التي اعتبرت أن “دعوة الوزير لتعريف المختطفين بأسرى حرب تُعبّر عن فشل أخلاقي فادح”، مؤكدة أن “إلياهو لا يمثّل إرادة الشعب، الذي يُطالب باستعادة كل المحتجزين ووقف الحرب”.
في المقابل، قال زعيم المعارضة يائير لابيد: “بعد دعوته لإلقاء قنبلة ذرية، يقترح وزير التراث الآن التخلي عن الرهائن ليموتوا. إذا لم يُطرد من الحكومة، فذلك يُعدّ اعترافًا رسميًا بتخلّيها عنهم”.
كما علّق النائب المعارض يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين، بالقول: “إلياهو يقول علنًا ما تُنفذه الحكومة في الخفاء: التضحية بالمخطوفين، وتمديد الحرب بلا نهاية، سعياً وراء التهجير والاستيطان”.
نتنياهو يعد وزراءه بالضم والتهجير: خطة لبقاء الحكومة
وفي السياق نفسه، تأتي تعهدات نتنياهو لوزيره المتطرّف إيتمار بن غفير بشأن ضمّ مناطق من غزة، وبدء ما وصفه بـ”التهجير الطوعي” للفلسطينيين من القطاع.
وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن رئيس الوزراء تعهد لوزير الأمن القومي بالبدء في تهجير آلاف الفلسطينيين من غزة خلال أسابيع، في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع حماس. وأشارت الصحيفة إلى أن نتنياهو باشر مؤخرًا “بخطوات عملية ملموسة” في هذا الاتجاه، شملت عقد اجتماعات أسبوعية حول “ملف الهجرة الطوعية”، بمشاركة ممثلين عن الموساد ووزارة الخارجية الإسرائيلية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول حكومي – فضّل عدم الكشف عن اسمه – قوله إن “نتنياهو منخرط بشدة في هذا المسار، في محاولة لإقناع بن غفير بعدم الانسحاب من الحكومة”، كاشفًا عن “تفاهمات أولية مع خمس دول أبدت استعدادها لاستيعاب المهجّرين من غزة”.
دول يُتفاوض معها على استيعاب مهجّري غزة
وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، فإن الدول التي شملتها المباحثات تشمل ليبيا، وإندونيسيا، وإثيوبيا، وغيرها. كما أفادت الصحيفة أن رئيس الموساد، دافيد برنيع، الذي يتواجد في الولايات المتحدة، أبلغ واشنطن أن هذه الدول “أبدت استعدادًا لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين”، وطلب دعمًا أميركيًا لتقديم حوافز اقتصادية لها مقابل ذلك.
في موازاة هذه التطورات، نقلت الصحيفة أيضًا تعهدًا آخر من نتنياهو لوزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، يقضي “باحتلال أجزاء من غزة إذا لم يُنجز اتفاق مع حماس”، ما يكشف عن عمق التوجّه الحكومي نحو التصعيد العسكري والسياسي، وتكريس نهج “التهجير مقابل البقاء في الحكم”.


