حنا صالح
جريدة الحرة ـ بيروت
وحده الفشل، وهو فشل لبناني وليس أميركياً بالتأكيد، الصفة التي يمكن إطلاقها على الزيارة الثالثة للموفد الرئاسي الأميركي توم برّاك الذي لم ينجح في إحداث أي خرق في الموضوع المحوري: سحب سلاح حزب الله، الثقيل والخفيف، وكل سلاحٍ لا شرعي ومن ضمنه سلاح المخيمات والمنظمات الفلسطينية.
مباحثات برّاك أظهرت حجم التباين في قراءة أبعاد التطورات العاصفة، وانكشف هزال التذاكي الرسمي في التعاطي مع الرؤية التي تضمنتها الورقة الأميركية. من البداية عبّر براك عن الإستياء من عدم طرح الورقة الأميركية على مجلس الوزراء، وكانت واشنطن اشترطت أن يقر مجلس الوزراء الموقف اللبناني لجهة سحب السلاح. واتسعت الهوة في نقاشاته عندما وجد أن لا إشارة لبنانية لبرنامج زمني ملزم لجمع السلاح. وعندما سأل رئيس المجلس نبيه بري الموفد الأميركي عن “إمكانية تقديم خطوة ما تشجع حزب الله على الإنخراط في الإتفاق” جاء الرد حازماً: “لا يمكننا أن نعطيكم شيئاً ما لم تعطونا إلتزاماً واضحاً من قبل الدولة بسحب سلاح حزب الله وبوضع جدولٍ زمني واضح مع تواريخ محددة”. وهنا كان لافتاً للإنتباه أن الورقة الأميركية صنفت كل الأسلحة المطلوب سحبها لجهة الأسماء والنوعية، كما ركزت على موضوع الترتيبات مع سوريا التي يجب أن يسير بها لبنان.
لقاء بري-برّاك والذي روِّج له بأنه اللقاء المنتظر، مع العلم أنه مسار يظهر أن الدولة لا تتحدث بلغة واحدة، توج فشل الزيارة لأن بري لم ينجح في أخذ أي شيء من حزب الله المتمسك بالسلاح والذي لا يريد أن يدرك أن لبنان (كما المنطقة) ليس عشية طوفان الأقصى بل بعد المآسي التي جرّها الطوفان وجرتها حرب المشاغلة والإسناد. يتجاهل أنه الجهة التي تسببت بوجود عشرات ألوف الأسر بدون مساكن ويتجاهل أنه في الظرف الراهن لا إعادة إعمار ولا إمكانية لإنتشال البلد. ويتجاهل واقع جنوب الليطاني المدمر والذي يتحول يوماً بعد آخر إلى منطقة غير قابلة للعيش. فيطرح الشروط ويتحدث عن حوار حول إستراتيجية دفاعية تحفظ له سلاحه!
في الزيارة الثالثة للموفد الأميركي، والتي لا يُعلم متى يمكن أن يقوم بزيارة رابعة، أعاد التشديد على أن حزب الله منظمة إرهابية لا تتحاور معها واشنطن، والحزب وسلاحه مسؤولية داخلية لبنانية، وقطع الطريق على ترويجات وإيحاءات تحدثت عن سيناريوهات بإمكانية تفاوض ما بين الحزب وبرّاك الذي أراد توجيه رسالة حاسمة بأن لا هدايا لحزب الله مقابل تسليم السلاح، وهذا الإستحقاق لا يمكن للبنان الرسمي، الذي ظهر في موقف تبني طروحات الحزب، الإلتفاف عليه لأنه سيرتب على لبنان واللبنانيين الأثمان الكبيرة.
يبقى أن قول الموفد الأميركي بأنه لا يرى حرباً إسرائيلية جديدة ضد لبنان، فهذا قول لا ينبغي أن يطمئن أحد. فالعدو الإسرائيلي لم يوقف الحرب بل حوّلها إلى عمليات يومية يصطاد من خلالها عناصر حزب الله وكادراته، ويدمر ما يدعي أنه مخازن أسلحة وأماكن عسكرية ويعمم الخراب، والأهم أنه عبر هذا المنحى الإجرامي يحرم لبنان من الأمن والإستقرار ومن الحد المقبول لإستعادة دورة الحياة.
كرة النار في حضن السلطة التنفيذية رئاسة وحكومة، المطالبة بتنفيذ أجندة إتفاق وقف النار علها تستعيد ثقة أشقاء لبنان وأصدقائه، لتكون في موقع مواجهة سياسية مع الغطرسة الإسرائيلية لتحرير الأرض وتأمين شروط العودة المستدامة للمهجرين ووضع البلد على سكة التعافي. يستحق هذا الجانب بعض الإهتمام ولا أحد يطلب لا الإمتناع عن التمتع بمهرجانات الصيف ولا المهام الخارجية!


