جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تقع مجموعة من الدول في قلب أوروبا الشرقية وعلى تخوم روسيا، وتشكل خطًا فاصلًا بين الشرق والغرب، وتُعد محورية في تحديد التوازنات الجيوسياسية في المنطقة والعالم. تُعرف هذه الدول باسم “دول الحافة” أو “الجمهوريات الغربية” للاتحاد السوفيتي السابق، ويمثل هذا الخط الفصل بين النفوذ الروسي من جهة والمشروع الأوروبي من جهة أخرى. في هذا السياق، سنتناول أبرز هذه الدول وأدوارها في الوقت الراهن.
دول البلطيق: القطيعة الكاملة مع الماضي السوفياتي
تُعد دول البلطيق، التي تضم إستونيا، عاصمتها تالين، تبلغ مساحتها 45,227 كم² ويعيش فيها حوالي 1.3 مليون نسمة. لاتفيا، عاصمتها ريغا، فتبلغ مساحتها 64,589 كم² وسكانها حوالي 1.8 مليون نسمة. وليتوانيا، التي عاصمتها فيلنيوس، تبلغ مساحتها 65,300 كم² وسكانها حوالي 2.8 مليون نسمة. حيث تعتبر هذه الدول كما يطلق عليها دول المثلت مثالًا حيًا على الاندماج السريع في الغرب. هذه الدول قطعت صلتها تمامًا مع الإرث السوفياتي واتبعت سياسات تتماشى مع قيم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. منذ عام 2004، أصبحت هذه الدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما يعكس تحوّلاً استراتيجيًا نحو الغرب.
بالإضافة إلى ذلك، حققت دول البلطيق مستويات تنمية بشرية مرتفعة جدًا، ونجحت في التحول الرقمي، حيث تُعد إستونيا رائدة عالميًا في الخدمات الإلكترونية والتحول الرقمي الحكومي. كما تخلت دول البلطيق عن الإرث السوفياتي بشكل شبه كامل سياسيًا وثقافيًا، وأسست هويات وطنية أوروبية واضحة، بعيدة عن النفوذ الروسي.
بيلاروسيا: الذراع الأقرب لروسيا
من ناحية أخرى، تُعتبر بيلاروسيا، أو روسيا البيضاء، وعاصمتها مينسك، تبلغ مساحتها 207,600 كم² ويعيش فيها حوالي 9.2 مليون نسمة. تعتبر الحليف الأكثر ثباتًا لروسيا في المنطقة. تلعب هذه الدولة دورًا استراتيجيًا هامًا في صراع النفوذ بين الشرق والغرب، حيث تشكّل حاجزًا أمنيًا بين روسيا وأوروبا الشرقية. بيلاروسيا عضو في دولة الاتحاد مع روسيا ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، ما يعزز من علاقتها الأمنية والسياسية الوثيقة مع موسكو.
تشهد بيلاروسيا وجود نظام حكم مركزي قوي واقتصاد يعتمد على الصناعة الثقيلة والزراعة، مع ملامح سوفيتية واضحة في هياكلها الاقتصادية. النظام السياسي في بيلاروسيا بقيادة الرئيس ألكسندر لوكاشينكو يعد استبداديًا، حيث يعزز التحالف مع روسيا رغم الضغوط الغربية.
أوكرانيا: قلب الصراع الجيوسياسي
أوكرانيا، عاصمتها كييف، تبلغ مساحتها 603,550 كم² ويعيش فيها حوالي 37 مليون نسمة، وهي أكبر دول الحافة من حيث المساحة والسكان، تُعد واحدة من أكثر البلدان تأثيرًا في الصراع الجيوسياسي بين روسيا والغرب. منذ عام 2014، أصبحت أوكرانيا مركزًا للصراع العسكري المفتوح، وواحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الدولية.
تواجه أوكرانيا نزاعًا عسكريًا مفتوحًا مع روسيا منذ غزو القرم، وتعمل بجدية للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، مما يجعلها خطًا فاصلًا بين المشروع الأوروبي والنفوذ الروسي. مكانتها الاستراتيجية تجعلها هدفًا دائمًا في محاولات روسيا لفرض هيمنتها في المنطقة. ومع تطور الأحداث، أصبحت أوكرانيا في جوهر الصراع بين الشرق والغرب.
مولدوفيا: الدولة الصغيرة ذات العقدة الكبرى
مولدوفيا، والتي عاصمتها كيشينوف، تبلغ مساحتها 33,846 كم² ويعيش فيها حوالي 2.5 مليون نسمة. الواقعة بين أوكرانيا ورومانيا، هي دولة صغيرة لكنها تواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة. رغم أنها مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن التحديات الأمنية التي تواجهها، مثل إقليم ترانسنيستريا الانفصالي المدعوم من روسيا، تعرقل هذا المسار.
يشكل إقليم ترانسنيستريا، الذي يسيطر عليه انفصاليون موالون لروسيا، التحدي الأكبر في مسار مولدوفيا نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي. ورغم وضعها الأمني الهش، تسعى مولدوفيا إلى التوازن بين التحالفات الغربية والضغوط الروسية.
لماذا هذه الدول شعوبها تكره روسيا وتحاول الابتعاد عنها؟
إذا نظرنا إلى تاريخ هذه الدول، نجد أن شعوبها عانت لفترات طويلة تحت الهيمنة الروسية، بدءًا من الحقبة السوفياتية وما تلاها من سياسات قمعية. فعلى الرغم من محاولات روسيا تعزيز نفوذها في هذه الدول، إلا أن الشعوب المحلية ما زالت تشعر بمرارة كبيرة تجاه ممارسات موسكو. قد تكون السياسات القمعية، والانتهاكات بحقوق الإنسان، ومحاولات فرض النموذج الروسي على هذه الشعوب من أهم الأسباب التي جعلت هذه الدول تبتعد عن روسيا وتسعى نحو الاندماج في الغرب.
إذن، إن سبب كراهية شعوب دول الحافة لروسيا ومحاولتها الابتعاد عنها يمكن أن تتجسد في تجربتين تاريخيتين رئيسيتين خاضتهما هذه الدول مع روسيا:
1-التجربة الأولى: في عهد الإمبراطورية الروسية
في فترات سابقة، كانت هذه الدول تحت الاستعمار الروسي، حيث كانت جزءًا من الإمبراطورية القيصرية تحت شعار “اتحاد الدول السلافية”. روسيا في ذلك الوقت فرضت هيمنتها على هذه الدول، حيث كانت تُعدُّ جزءًا من الإمبراطورية الروسية بشكل قسري. هذه الدول كانت تعمل تحت النفوذ الروسي، وقاومت محاولات الاندماج القسري، ما جعلها تحمل مشاعر سلبية تجاه السيطرة الروسية، الأمر الذي زرع في شعوب هذه الدول رغبة في التحرر والانفصال عن الهيمنة الروسية.
2-التجربة الثانية: في عهد الاتحاد السوفياتي
أثناء الثورة الاشتراكية وبداية الحقبة السوفيتية، كانت دول الحافة جزءًا من الاتحاد السوفيتي، وهو ما تم تحت شعار “النموذج الاشتراكي” و “بناء الجدار الأممي”. لكنها شهدت تحولًا في العلاقة مع روسيا، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت هذه الدول تتحمل العبء الأكبر من الصراعات العسكرية، بينما كانت تعمل تحت القيادة الروسية كدول “من الدرجة الثانية”. ورغم شعارات الاشتراكية والمساواة، إلا أن هذه الدول كانت تُستخدم كدروع بشرية أمام المخاطر العسكرية وتحت ضغوط اقتصادية هائلة.
ولكن الأمور تغيّرت بشكل كبير مع تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي في التسعينيات.
لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وجدت هذه الدول نفسها مُهملة تمامًا، حيث تم تركها لتواجه مصيرها بمفردها في بناء اقتصادها وحكمها من الصفر. ورغم تطلع العديد من هذه الدول لبناء علاقات اقتصادية جديدة مع الغرب، إلا أن روسيا، التي كانت قد أصبحت قوة جديدة على الساحة الدولية، حاولت إعادة السيطرة عليها مجددًا بعد أن اشتدت قوتها الاقتصادية. روسيا سعت إلى توسيع نفوذها الاقتصادي واستخدام هذه الدول كمتراس في الحرب الجيوسياسية الجديدة، مما جعل الشعوب في هذه الدول تشعر بالخوف والتردد من العودة للنفوذ الروسي.
لذلك، يمكن القول إن هذه الدول تخشى العودة إلى الهيمنة الروسية، لأنها تعود إلى تجارب تاريخية طويلة من الاستغلال والهيمنة التي لم تُؤتِ ثمارها بالنسبة لهذه الشعوب.
لماذا تتطلب هذه الدول التوجه نحو الغرب؟
إن الشعوب في هذه الدول تسعى إلى التوجه نحو الغرب بسبب مسألتين أساسيتين:
-الأولى، الرفاهية الاقتصادية. معظم دول الحافة عانت لفترة طويلة من الاقتصاد المعدم. فعلى الرغم من مرور العديد من السنوات على انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن روسيا لم تقدم أي استثمارات حقيقية لتطوير اقتصادات هذه الدول. بدلاً من ذلك، ظلَّت اقتصاداتهم تعاني من الركود أو النمو البطيء، مما جعل الدول الأوروبية الخيار الأكثر جذبًا.
-الثانية، في ظل رفض روسيا مساعدة هذه الدول بخطط تنموية اقتصادية، تُركت العديد من البلدان في المنطقة لتواجه مشاكلها الاقتصادية بمفردها. علاوة على ذلك، رجال الأعمال والعصابات الروسية الذين يسعون للهيمنة على قطاعات اقتصادية معينة في هذه الدول، يساهمون في تفشي الفساد وإضعاف السيادة الوطنية لهذه الدول.
من هنا، تتزايد مشاعر الخوف من النفوذ الروسي، خاصة بعدما شهدت أوكرانيا مصيرًا مشابهًا، مما دفع شعوب هذه الدول إلى الانخراط ضمن المشروع الأوروبي وطلب الحماية العسكرية.
إذن، السؤال الذي يطرحه الواقع الجيوسياسي لهذه الدول هو: لماذا هذه الدول شعوبها تكره روسيا وتحاول الابتعاد عنها؟ إن الإجابة تكمن في أن هذه الدول تعاني من الظروف الاقتصادية الصعبة تحت النفوذ الروسي، حيث أن روسيا لم تقدم أي استثمارات حقيقية لرفع مستويات المعيشة، بل على العكس، فإنها تساهم في إعاقة النمو الاقتصادي. كما أن رفض روسيا مساعدة هذه الدول في خطط التنمية جعلها تشعر أن المستقبل في الاتحاد الأوروبي وحماية حلف الناتو هو الخيار الأنسب للبقاء والتطور بعيدًا عن سيطرة روسيا.
بالنهاية، دول الحافة وتحديات المستقبل
تُمثل دول الحافة الخطوط الأمامية في الصراع الجيوسياسي بين روسيا والغرب. تعتبر هذه الدول جزءًا أساسيًا من التوازن الأمني والاقتصادي في المنطقة، مع اختلافاتها الواضحة في الهوية والنظام السياسي. في الوقت الذي تسعى فيه بعض هذه الدول إلى الاندماج الكامل في الغرب، تبقى دول أخرى تحت نفوذ روسي قوي. ومع استمرار التوترات بين الشرق والغرب، فإن مستقبل هذه الدول سيظل محط اهتمام عالمي في السنوات القادمة، حيث تواجه تحديات أمنية واقتصادية كبيرة.
تتمثل تحديات هذه الدول في كيفية الحفاظ على استقلالها السياسي والاقتصادي في مواجهة القوى العظمى التي تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة وفقًا لمصالحها. في الوقت ذاته، يشكل التوجه نحو الغرب الخيار الأكثر وضوحًا لتأمين مستقبل أفضل من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، لكنه ليس خاليًا من المخاطر، خاصة في ظل الضغوط الروسية المستمرة.


