الأكثر قراءة

دول الخليج ليست مكسر عصا للحرس الثوري

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تقوم العلاقة الأمريكية ـ الإيرانية في إطار الاتفاقات القائمة على معادلة معقدة تتداخل فيها المصالح والضغوط، حيث يعتمد الحرس الثوري الإيراني أسلوبًا يقوم على استخدام النفوذ والابتزاز السياسي بهدف منع انفجار الأوضاع في المنطقة، مع الحفاظ على أوراق القوة التي يمتلكها.

إلا أن التعويل على الحرس الثوري كشريك يمكن الاعتماد عليه في أي تفاهم أو توافق سياسي مستقبلي يبقى أمرًا محل شك، نظرًا لطبيعة عقيدته السياسية والأيديولوجية. فالحرس الثوري لا يتعامل فقط من منطلق حسابات الدولة التقليدية، بل يستند إلى رؤية مرتبطة بمفهوم ولاية الفقيه، ويعتبر الحفاظ على ما يراه مصالح استراتيجية لإيران خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تنازل يُنظر إليه داخل هذه المؤسسة على أنه مساس بالمشروع الإيراني أو بنفوذها الإقليمي قد يكون مرفوضًا، حتى لو كانت كلفته كبيرة على الداخل الإيراني. وتبقى دول الخليج أمام معادلة حساسة، إذ لا يمكن أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة ضغط في أي مواجهة بين طهران وواشنطن. فدول الخليج تمتلك مصالحها وأمنها الوطني، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها أداة في الصراع الإقليمي. وأي استقرار حقيقي في المنطقة يتطلب تفاهمات تقوم على احترام سيادة الدول، وليس على استخدام القوة أو التهديد كوسيلة لفرض النفوذ الإيراني.

بداية القضية وتصعيد الحرس الثوري

بدأت القضية عندما قامت إيران وحرسها الثوري بمهاجمة ناقلات النفط القطرية بتاريخ 7 تموز في خليج هرمز، لمنعها من العبور في الممرات البحرية وتصدير موادها النفطية، وخاصة أن قطر، إلى جانب الدول الخليجية، تلقت من إيران العديد من الضربات الهجومية بحجج واهية. وبالرغم من أن قطر تعمل بكل جهد كوسيط لتخفيف التصعيد بين الطرفين، إلا أن العقلية المتشددة لدى الحرس الثوري الإيراني توجه ضرباتها ضد قطر ودول الخليج العربي نتيجة حسابات سياسية وعدائية متراكمة.

التصعيد العسكري بين الطرفين

يلجأ الحرس الثوري بين الفينة والأخرى إلى مواجهة عسكرية لتثبيت مطالبه بقوة النار، حيث يعلم جيدًا أن الرئاسة الأمريكية لا تريد الحرب، وبالتالي فإن استخدام التصعيد يأتي بهدف ابتزاز الإدارة الأمريكية.

وبتاريخ 8 تموز 2026، نجم عن التصعيد العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران تبادل ضربات استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران ومصالح أمريكية في الخليج. حيث أعلنت الولايات المتحدة شن 80 ضربة عسكرية ضد أهداف عسكرية إيرانية في العمق الإيراني، وردّت إيران، بحسب تعليق الحرس الثوري، بسلسلة هجمات واسعة على قواعد أمريكية في دول الخليج العربي وصلت إلى 85 هدفًا.

  • نفذت الولايات المتحدة ضربات واسعة داخل إيران استهدفت أكثر من 80 موقعًا، بحسب القيادة المركزية الأمريكية، في إطار الرد على هجمات استهدفت سفنًا تجارية في مضيق هرمز.
  • أعلنت إيران الرد عبر الحرس الثوري باستهداف 85 موقعًا عسكريًا أمريكيًا في البحرين والكويت، إضافة إلى الإعلان عن إسقاط طائرة مسيّرة أمريكية من طراز MQ-9.

أصبح مضيق هرمز محور الأزمة بسبب أهميته الاستراتيجية في نقل النفط عالميًا، مع تهديدات إيرانية برفض أي تدخل خارجي في إدارته. وتحاول إيران تثبيت معادلة من خلال التفاوض مع الولايات المتحدة لتثبيت دورها كطرف يتحكم بحركة النقل في الخليج، من خلال العائدات والرسوم والإغلاق والضغوط.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التوتر البحري في الخليج بعد هجمات طالت ناقلات نفط قرب سواحل عُمان، ورفع مستوى التحذير الأمني في المنطقة. كما يتصاعد الصراع السياسي والاقتصادي بالتوازي مع المواجهة العسكرية، حيث ألغت الولايات المتحدة ترخيصًا يسمح بتسويق النفط الخام الإيراني.

ورغم الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وطهران، إذ اتهمت إيران الولايات المتحدة بخرق تفاهمات سابقة، بينما اعتبرت واشنطن ضرباتها ردًا على تهديدات أمنية، فإن الإدارة الأمريكية مستمرة في التفاوض لتقطيع مرحلة معينة من الصدام القادم كما يبدو. وإيران تعلم ذلك، وأنه في حال عدم حدوث مواجهة، فإنها تحاول تحقيق شروطها على الولايات المتحدة.

إن استمرار التوتر يهدد مستقبل المفاوضات ووقف إطلاق النار، مع استمرار الضربات المتبادلة واحتمال تأثيرها على جهود التوصل إلى اتفاق دائم. لذلك تعتمد إيران على أسلوب الضغط على الولايات المتحدة من خلال إطلاق النار وممارسة أعمال القرصنة في البحر، باعتبار أن القرصنة هي ورقتها الاقتصادية الأساسية. وقد يأخذ التوتر الأمريكي ـ الإيراني طابعًا له انعكاسات اقتصادية عالمية، خصوصًا على أسعار النفط، بسبب المخاوف من اضطراب حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز. لكن انتقال التوتر الأمريكي ـ الإيراني إلى مرحلة عسكرية مباشرة، مع توسع المواجهة من الملف النووي والعقوبات إلى صراع على النفوذ والأمن البحري والطاقة في منطقة الخليج، يرفع مخاطر اتساع رقعة الأزمة إقليميًا ودوليًا.

ومن هنا، فإن استخدام ضرب الخليج العربي لم يعد مقبولًا من إيران، كما أن توجيه الضربات إلى دول الخليج العربي بهدف ابتزاز الولايات المتحدة لا يمكن أن يجعل الدول العربية مكسر عصا لتحقيق شروط سياسية. فأي استهداف لدولة خليجية يعني استهداف كل دول مجلس التعاون، وأيضًا كل الدول العربية، لأن الأمن العربي خط أحمر. وبات مطلوبًا تحريك الضغط الخليجي للوصول إلى اتفاق مع إيران يحمي أمن الخليج من خلال ضمانات دولية أمريكية وصينية وروسية، لأن مصالح واقتصاد هذه الدول تفرض فتح حوار مع الدول الخليجية وضمان أمن المنطقة.

https://hura7.com/?p=81406

الأكثر قراءة