الحرة بيروت ـ بقلم: الدكتور بشير عصمت، متخصص في التاريخ الاجتماعي
أرسطو (Aristotle): “السلطة تمنح لأولئك الذين يحكمون من أجل مصلحة الشعب، وليس من أجل مصلحتهم الشخصية”.
منذ لحظة انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، بدأت اللقاءات المرتبكة في بلاطات الطبقة السياسية التقليدية، حيث ظهر واضحًا أنها لن تسمح بسهولة لأي مسار إصلاحي أن يأخذ مجراه. هذه الطبقة، التي أُجبرت على القبول برئيس جديد تحت ضغط دولي زاجر على قدر عطر سمعتها وما ينظر إليها من الخارج وغضب شعبي وتغيرات إقليمية، تحاول تحويل الأمر إلى مناورة لشراء الوقت. لكن محاولاتها للالتفاف على التغيير لم تعد خافية. الأدوات ذاتها التي استخدمتها لعقود لإجهاض أي مشروع إصلاحي – من المال السياسي والإعلام المأجور إلى التحالفات الطائفية والمصالح الضيقة – تُستخدم اليوم لتسمية رئيس حكومة “مغوار” ينقذها ويعكس استمرارًا لنهجها المدمّر.
في قلب هذه المحاولات يبرز إسمان: نجيب ميقاتي وفؤاد مخزومي. شخصيتان مختلفتان في الشكل، لكنهما تنتميان إلى النهج ذاته الذي أوصل لبنان إلى ما هو عليه. كلاهما يمثلان امتدادًا لطبقة سياسية جعلت البلاد رهينة مصالحها، وتحركت بين الموالاة والمعارضة وفقًا لمصالحها الشخصية لا وفقًا لمصلحة الوطن.
هل يعطى الفاسد فرصة أخرى؟
نجيب ميقاتي، الذي شغل رئاسة الحكومة مرات عدة، لم يكن يومًا بعيدًا عن قلب نظام المحاصصة. هو أحد أبرز وجوه السياسة التقليدية، حيث استُخدمت فتراته الحكومية لتكريس نهج تقاسم الحصص وتثبيت التحالفات القائمة على المصالح الاقتصادية والطائفية. المليارات التي تكدست في حساباته ليست مجرد مصادفة، بل هي نتيجة مباشرة لاستغلاله النظام الاقتصادي والسياسي في البلاد.
الميقاتي، الذي لطالما تحدث عن الاستمرارية، يمثل استمرارية الفساد والجمود السياسي، حيث لم تكن أي من حكوماته قادرة على اتخاذ خطوات جادة نحو الإصلاح. بل على العكس، شهدت فتراته الحكومية تفاقم الأزمة الاقتصادية، بينما بقي الشعب يدفع ثمن السياسات العشوائية والمحاصصة الطائفية التي يديرها.
إن عودة ميقاتي إلى رئاسة الحكومة لن تعني سوى تثبيت الواقع الراهن، حيث تُدار البلاد بعقلية “الاستمرارية”، وهي عقلية لم تقدّم سوى الفشل.
زعامة سياسية متعثرة بلا مضمون
على الجانب الآخر، يأتي فؤاد مخزومي، رجل الأعمال والنائب الذي حاول بناء زعامة سياسية على مدى سنوات دون مضمون حقيقي. مخزومي، الذي تقلّب بين الولاء للنظام السوري والانقلاب عليه، ومن ثم ركوب موجة الثورة الشعبية في 17 تشرين، ليس أكثر من انعكاس للانتهازية السياسية.
خفة مخزومي في التعاطي مع القضايا الكبرى، مثل استعادة أموال المودعين، تكشف عن افتقاره لأي رؤية حقيقية لإصلاح الوضع الاقتصادي. بدلًا من تقديم حلول واضحة، يعتمد على خطاب شعبوي خدماتي يسعى من خلاله إلى تعزيز صورته كبديل، لكنه سرعان ما يسقط عند اختبار الحقيقة. بيروت، التي يعرف أهلها جيدًا هذه الخفة، عاقبته انتخابيًا، حيث لم يتمكن إلا من الفوز بمقعده الشخصي، بينما خسرت لائحته في عقر دارها.
مخزومي ليس بعيدًا عن النهج ذاته الذي يمثله ميقاتي. كلاهما يتحرك في مساحة السياسة التقليدية، حيث الأولوية للمصالح الشخصية وبناء تحالفات وقتية دون أي رؤية وطنية حقيقية.
منيمنة: المثقف الشاب التغييري
على النقيض من رموز النظام التقليدي، يبرز إبراهيم منيمنة كخيار يمثل روح التغيير الحقيقية. هذا المثقف الشاب البيروتي لا ينتمي إلى منظومة الصفقات السياسية أو التحالفات الطائفية، بل هو جزء من التيار الشعبي العابر للطوائف والمناطق، الذي تجسد في ثورة 17 تشرين.
منيمنة، الذي قاد لائحة “بيروت مدينتي” في الانتخابات البلدية هز أركان تحالف مافيات الطوائف واستطاع أن يكسر بلائحته الشبابية التغييرية لوائح التحالفات الزعاماتية التقليدية في الانتخابات النيابية في بيروت الثانية، محققًا فوزًا استثنائيًا يعبّر عن رغبة الناس في رؤية جيل جديد يقود الدولة. وبما يمثل من ثورة تشرين هو الأكثر توافقًا مع برنامج الرئاسة الجديد الذي يهدف إلى إعادة بناء الدولة على أسس وطنية و عصرية.
إن حملات التشويه التي تقودها رموز الفساد وأدواتها الإعلامية والمالية ضده، تثبت منيمنة كخيار يعكس طموحات اللبنانيين. فوجوده على رأس الحكومة يمثل فرصة لإطلاق مسار إصلاحي حقيقي يعيد الثقة بالمؤسسات.
ثورة 17 تشرين: التيار الأجدر بتنفيذ برنامج الرئاسة
التيار الذي أطلقته ثورة 17 تشرين هو التيار الأكثر قدرة على تنفيذ برنامج الرئاسة الإصلاحي. هذا التيار، الذي نجح في توحيد اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق، يمثل نقلة نوعية في المشهد السياسي اللبناني. حضوره البيروتي اللافت هو جزء من حضوره الوطني الأوسع، الذي يمتد من أقصى البلاد إلى أقصاها.
إن اعتماد شخصيات من هذا التيار، مثل منيمنة، ليس فقط خطوة نحو تحقيق الإصلاح، بل هو رسالة واضحة بأن العهد الجديد يضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار.
لبنان اليوم أمام خيار واضح بين البناء والهدم. الأسماء المطروحة من رموز النظام التقليدي، مثل ميقاتي ومخزومي، ليست سوى استمرار للنهج الذي أوصل البلاد إلى الانهيار. هذه الأسماء لا تمثل سوى ماضٍ مليء بالفساد والمحاصصة، حيث تُدار الدولة بعقلية الصفقات وتقاسم الغنائم.
على الجانب الآخر، يمثل منيمنة والتيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه أملًا حقيقيًا لبناء دولة حديثة ومدنية. هذا الخيار يعكس طموحات اللبنانيين في رؤية قيادة سياسية جديدة تعيد للبلاد مكانتها وتحقق العدالة والمساواة.
إن تشكيل الحكومة المقبلة ليس مجرد إجراء دستوري، بل هو اختبار للعهد الجديد وقدرته على مواجهة المنظومة التقليدية. الشعب اللبناني، الذي تحمل سنوات من الأزمات، لن يقبل بأن يُعاد إنتاج الفشل.
منيمنة، برؤيته الإصلاحية وكفاءة فريق الاعتراض ومعرفته وحضوره الوطني، يمثل فرصة للانتقال إلى مرحلة جديدة. أما استمرار التعويل على رموز الهدم، مثل ميقاتي ومخزومي، فلن يكون إلا تكريسًا للانهيار. لبنان بحاجة إلى قيادة شجاعة وجريئة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. الفرصة موجودة، والقرار سيُحدد مستقبل البلاد لعقود قادمة.
وكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا يستوي من يحرص على المصالح العليا للوطن والشعب مع أصحاب الصفقات.


