السبت, فبراير 14, 2026
15.2 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

د. عبده جميل غصوب – قراءة قانونية لقانون تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية الذي أقرّه مجلس النواب في جلسته الأخيرة المنعقدة في 28/11/2024

الحرة بيروت – بقلم: الدكتور عبده جميل غصوب، كاتب ومستشار وخبير قانوني دولي

يعالج هذا القانون النواحي التالية:

أ- تعليق المهل القانونية والعقدية

ب- تعليق المهل القضائية

ت- الإشكالية

ث- تعليق المهل القانونية لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها

ج- تعليق المهل في المواد الجزائية

ح- الاستثناءات من أحكام التعليق

مرة أخرى تحتّم الأحداث على المشترع اللبناني تعليق المهل. فالزمن “عامل طبيعي” لا يقوى عليه إلّا المشترع؛ وحده المشترع يستطيع “إيقاف الزمن” لتغليب النص على الواقع، وللحؤول دون أن يؤدّي الزمن إلى “محو حقوق” المواطنين.

إنه “التوهم القانوني” Fiction juridique الذي لا بدّ منه، وإلّا تمّ هدر حقوق المواطنين في “زمن قاسٍ” يسري بدون “استئذان” أحد.

هذه المرة اختلف قانون تعليق المهل عن المرات السابقة، في فصله بين المهل القانونية والعقدية من ناحية، والمهل القضائية من ناحية أخرى. ففي حين قرر المشترع في القوانين السابقة عودة المهل العقدية والقضائية إلى السريان بدءاً من تاريخ 31 آذار 2022، اعتبر في القانون الجديد هذا التاريخ منطلقاً لتعليق المهل القضائية لغاية تاريخ استئناف سريانها في 30 حزيران 2024. ولسنا نعلم لماذا لغاية هذا التاريخ دون سواه!

أ ـ تعليق المهل القانونية والعقدية:

في المادة الأولى، الفقرة الأولى من القانون، علّق المشترع حكماً المهل القانونية والعقدية بين تاريخ 8 تشرين الأول 2023 و31 آذار 2025 ضمناً، مراعياً في ذلك “الحرب الأخيرة” بدءاً من “جبهة الإسناد” وانتهاءً بـ”العدوان الإسرائيلي على لبنان”.

لن نطيل الكلام هنا عن بدء مهلة التعليق وانتهائها لأنها واضحة ومعروفة الأسباب والدوافع. وقد أتى نطاق التعليق هنا شاملاً “جميع المهل القانونية والعقدية الممنوحة لأشخاص الحقّين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها سواء أكانت هذه المهل شكلية أو إجرائية أو جمركية، أو امتدّ أثرها إلى أساس الحق”.

ولكن تقتضي الإشارة حالاً إلى أن المشترع استثنى في البند 4 من المادة الثانية جميع المهل القانونية التي تم عقدها قبل صدور هذا القانون. فماذا يعني بالمهل “التي تمّ عقدها”؟ فالعبارة غامضة، ويبقى للقضاء أن يوضحها.

ب ـ تعليق المهل القضائية:

فصل المشترع هذه المرة بين المهل القانونية المنصوص عنها في الفقرة الأولى من هذه “القراءة” وبين المهل القضائية التي شاء المشترع هذه المرة ربط بدء مهلة التعليق الجديدة، بتاريخ انتهاء مهل التعليق المحددة في قوانين التعليق السابقة وهو تاريخ 31 آذار 2022 ولغاية تاريخ 30 حزيران 2024 ضمناً.

إذا كانت دوافع تحديد بدء مهلة التعليق في 31 آذار 2022 واضحة ومعروفة، فإننا لا نعلم سبب تحديد مهلة انتهاء التعليق في 30 حزيران 2024 ضمناً؛ علما بأن الحكمة من التشريع Ratio legis، تفترض اعتماد تاريخ انتهاء تعليق المهل القانونية المذكورة في الفقرة الأولى والمحددة في 31 آذار 2025، وليس تاريخ 30 حزيران 2024.

ولكن تطرح في هذا السياق الإشكالية التالية:

ت ـ الإشكالية:

نص القانون في الفقرة الثالثة من مادته الأولى أنه: “في المواد الجزائية، تعلّق المهل المقررة للمدّعي الشخصي أو للمدّعى عليه أو للمتهم للطعن بالدفوع الشكلية وبالأحكام والقرارات النهائية، ويستفيد من هذا التعليق المسؤول بالمال والضامن فيما يختص بالقرارات القابلة للطعن منهما”.

فهل يقصد المشترع من خلال هذه الفقرة المهل القانونية والعقدية (المعلقة بين 8 تشرين الأول 2023 و31 آذار 2025) أم المهل القضائية (المعلقة بين 31 آذار 2022 و30 حزيران 2024)؟

الأمر ليس واضحاً على الإطلاق.

ففي حين يدفعنا النص ذاته الذي ميّز بين المهل القانونية والعقدية من جهة والمهل القضائية من جهة أخرى الى اعتبار أن التعليق المقصود في المواد الجزائية يخضع لتعليق المهل القضائية، يدفعنا واقع المنفعة العملية من النص إلى التساؤل عن الفائدة من التعليق بين 31 آذار 2022 و30 حزيران 2024، في الوقت الذي انقضت فيه مفاعيل قوانين التعليق السابق “وضرب من ضرب وهرب من هرب!” فلماذا “زعزعة” الاستقرار التشريعي والاجتماعي في كل مرة “يطيب” ذلك للبعض؟

إن تعليق المهل القضائية بين تاريخي 31 آذار 2022 و30 حزيران 2024، يعقّد الأمور أكثر مما يسهّلها، لأن العودة إلى تاريخ 31 آذار 2022 بعد انقضاء فترة طويلة من الزمن واستقرار الأوضاع التشريعية والاجتماعية، ليس عملاً موفقاً على الإطلاق، بل إنه ـ زيادة على “ضرب الاستقرار التشريعي والاجتماعي” ـ سيؤدي ربط التعليق بهذه المهل إلى سلوك طرق “إعادة المحاكمة” وفقاً لما نصت عنه المادة الخامسة من القانون الجديد. أفلا يكفي المحاكم تراكماً جديداً في الملفات القضائية؟!

نحن بحاجة إلى التخفيف من وطأة “إغراق” المحاكم بملفات جديدة، فلماذا “زيادة الطين بلة” والعودة بالتعليق إلى تاريخ سابق بات من الماضي؟!

ولكن تقتضي الإشارة إلى أن المشترع استثنى من التعليق في الفقرة -4- من المادة الثانية “جميع المهل القانونية… التي تم عقدها قبل صدور هذا القانون”. فكيف يمكن الجمع بين هذه الفقرة والمادة الخامسة من القانون التي تجيز إعادة المحاكمة ضدّ كل حكم مبرم لم يراعَ فيه تعليق المهل الملحوظة في هذا القانون؟

كما تطرح إشكالية أخرى، فانطلاقاً من المادة الخامسة ذاتها إن اعادة المحاكمة تمارس فقط ضد الأحكام المبرمة التي لم تراعَ فيها أحكام تعليق المهل الملحوظة في القانون الجديد، ما يعني بأن القانون المذكور يطبق فوراً على الخصومات التي ما زالت عالقة أمام القضاء؛ وبالتفسير الناهض من البند الثاني من المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات المدنية الذي نص على وجوب تطبيق القوانين المعدلة للمهل متى كانت المهلة قد بدأت قبل العمل بتلك القوانين.

ولكننا نعود ونطرح هنا الإشكالية المطروحة في المادة الثانية ـ البند 4 التي استثنت من التعليق جميع المهل القانونية التي تم عقدها قبل صدور هذا القانون؛ المتناقضة كلياً مع المادة الخامسة من القانون التي تنص على أن “كل حكم مبرم لم يراعَ فيه تعليق المهل الملحوظة في هذا القانون يكون قابلاً لإعادة المحاكمة من تاريخ نفاذ هذا القانون”.

ث ـ تعليق المهل القانونية لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها:

نص قانون تعليق المهل الجديد في الفقرة الثالثة من مادته الأولى أنه: “يشمل تعليق المهل… المهل القانونية لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها”.

ونص في البند الرابع  من المادة الثانية من القانون ذاته، ومن ضمن الحالات المستثناة من التعليق أنه تستثنى منه “المهل المتعلقة بانعقاد الهيئات العامة للنقابات والتعاونيات التي تمّ عقدها قبل صدور هذا القانون”.

كما نصّت المادة الثالثة من قانون تعليق المهل الجديد أنه “تستمر النقابات والتعاونيات بهيئاتها العامة والتنفيذية في أعمالها لغاية مواعيد انعقاد الجمعيات العادية وفق ما هو منصوص عنه في القوانين والأنظمة العائدة لكل منها، وتبقى قائمة برئيسها ومجالسها وهيئاتها، وتعتبر قانونية الأعمال التي تقوم بها وفقاً للأحكام المحددة في قوانينها وأنظمتها”.

يدفعنا ذلك الى التطرق لمبدأ التعليق (1) والاستثناءات المطروحة (2)، انتهاءً بتقييمنا لهما (3).

1 ـ مبدأ تعليق مهل انعقاد الهيئات العامة:

يشمل قانون تعليق المهل الجديد “تعليق المهل القانونية لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها” (المادة الأولى من القانون).

وكان المشترع أكثر وضوحاً إذ لم يترك الأمور لتقديرات “أي كان”، ولم يربط التعليق بتواريخ زمنية محددة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فنص في المادة الثالثة من القانون أنه “تستمر النقابات والتعاونيات بهيئاتها العامة والتنفيذية في أعمالها لغاية مواعيد انعقاد الجمعيات العادية وفق ما هو منصوص عنه في القوانين والأنظمة العائدة لكل منها، وتبقى قائمة برئيسها ومجالسها وهيئاتها، وتعتبر قانونية الأعمال التي تقوم بها وفقاً للأحكام المحددة في قوانينها وأنظمتها” (وليس الجمعيات والأندية، التي يقتضي استبعادها من أحكام التعليق لعدم ذكرها ولكون قوانين تعليق المهل تفسّر حصراً).

وهذا يعني أن الجمعيات العمومية العادية للنقابات والتعاونيات ستبقى معلقة للسنة القادمة وسوف تستمر المجالس الحالية بأعمالها التي تعتبر قانونية. (إن شمول “الهيئات العامة” بالتعليق، هو عبارة خاطئة إذ إن الجمعيات العمومية مستمرة وهي تتشكل من الأعضاء المنتسبين للنقابات والتعاونيات ولا تخضع استمراريتها لأي قوانين!)

وهذا يدفعنا إلى التوجه إلى جميع المنتسبين للنقابات والتعاونيات بالقول: “عليكم خير للسنة القادمة!” لا تنتظروا انعقاد أي جمعية عمومية هذا العام، انتظروا انعقاد الجمعيات العمومية في مواعيدها القانونية القادمة. فلا مجال للتفسير، لأن النص واضح، قاطع وصريح.

2 ـ الاستثناء على التعليق:

استثنى المشترع من التعليق في المادة الثانية – البند 4 “المهل المتعلقة بانعقاد الهيئات العامة للنقابات والتعاونيات التي تّم عقدها قبل صدور هذا القانون”.

هنا نقول بأنه لا مجـــال للتفسير والاجتهاد في معــــــرض النص، فالجمعيات العمومية التي انعقدت “زمطت بريشها” من “شباك” التعديل، وما حصل قد حصل، ولا يسعنا سوى تهنئة الأعضاء الجدد المنتخبين في مجالسها.

ولكن الإشكالية تبقى مطروحة فيما قصده المشترع في البند ذاته من المادة ذاتها باستثناء “جميع المهل القانونية التي تمّ عقدها قبل صدور هذا القانون من التعليق”.

3 ـ تقييم النص والعبر الواجب استخراجها منه:

كنا وما زلنا مدافعين عن القانون، لا سيما القوانين النقابية، فنقابتنا كانت، ما زالت وستبقى في أولويات حياتنا المهنية ومسيرتنا القانونية.

لن نعود إلى الماضي، لن نعود إلى قرار مجلس النقابة الذي “أجّل” انعقاد الجمعية العمومية للمحامين، بل نكتفي بالقول أننا لم نجد فيه المبررات القانونية المقنعة.

ولكن ليست وظيفة مجلس النقابة إقناعنا أو إقناع أي من زملائنا، بل هم يقومون بالذي يرونه لازماً ومناسباً. ولكن علينا وعلى كل محام مؤمن بسمو القانون وبمصلحة نقابته العليا أن يبدي رأيه. وكل من لا يعبّر عن رأيه يكون قد غيّب نفسه بنفسه عن مهنته وعن نقابته.

أضيف بأن بيان التأجيل ربما كان مقنعاً سياسياً، اجتماعياً، أو ربما إنسانياً، ولكن ليس أكثر من ذلك.

نحن لم نكن يوماً ضدّ التأجيل، بل ذكرنا وجوب اعتماد “القوة القاهرة” والقوة القاهرة وحدها سبب للتأجيل في حال توافرت شروطها لحظة افتتاح الجمعية العمومية ومباشرة أعمالها، وليس العودة إلى نظريات بائدة أم مطبقة على المرافق العامة ـ ونحن الى أجل آخر ـ لسنا مرفقاً عاماً ولن نصبح كذلك.

لو اعتمدت نظرية القوة القاهرة للتأجيل لكنا ضربنا “عصفورين بحجر واحد”. لكنّا حثينا المشترع على عدم “ترحيل” ممارسة حقوقنا النقابية إلى السنة القادمة! فأبعدنا كأس هذا التمديد “المرّة” لسنة كاملة. وأبعدنا أيضاً عن أنفسنا مسؤولية التأجيل إلى هذا التاريخ البعيد. ووضعنا أنفسنا في موقع يؤمن لنا “الحماية القانونية اللازمة”، مهما كانت الحلول الاشتراعية القادمة.

وفي كل الأحوال، البلد كان وما زال على “كف عفريت”؛ فانتظار هذا الاستحقاق، أو حتى استحقاقات أخرى ربما تكون أكثر أهمية يبقى “بيد الله”؛ الذي نتضرع إليه أن نبقى جميعاً بخير للسنة القادمة. وليس لدينا ما نقوله للزملاء الأحباء سوى عبارة: “عليكم خير، توكلوا على الله”.

ولكن الأهم من كل ذلك أن المشترع شرّع بصورة واضحة، أكيدة وحاسمة نتائج الجمعيات العامة للنقابات والتعاونيات التي انعقدت قبل صدور قانون التعديل الجديد.

هذا يعني بأن استحالة انعقاد الجمعية العمومية العادية لم يكن “مستحيلاً” على الإطلاق، ولم يكن مبرراً لا بنظرية الظروف الاستثنائية “الغريبة” كلياً عن نظام نقابتنا القانوني، ولا بنظرية “تبرير الضرورات للمحظورات”، التي ذهبت إلى غير عودة مع إلغاء أحكام المجلة بقانون الموجبات والعقود ولا بالمبررات الإنتخابية، الإنسانية، الوطنية والإجتماعية وسواها التي استند إليها قرار التأجيل؛ بل إن احتمال حصول الجمعية العمومية كان قائماً وممكناً في ظلّ عدم تثبت مجلس نقابتنا الكريم من توافر عناصر القوة القاهرة ساعة بدء أعمال الجمعية العمومية التي لم تنعقد أصلا للأسف الشديد.

لسنا في مجال “نبش الماضي”؛ فلا فائدة من ذلك إطلاقاً. ولكننا شئنا الاستفادة من صدور هذا القانون الجديد الذي طال انتظاره لاستخلاص العبر من الماضي.

ج ـ تعليق المهل في المواد الجزائية:

لم يثر القانون الجديد، الإشكالات التي أثارتها القوانين السابقة في شقه المتعلق بـ”المواد الجزائية”. فنص ـ على خلاف القوانين السابقة ـ أنه: “في المواد الجزائية، تعلق المهل المقررة للمدّعي الشخصي أو للمدّعى عليه أو للمتهم للطعن بالدفوع الشكلية وبالأحكام والقرارات النهائية، ويستفيد من هذا التعليق المسؤول بالمال والضامن فيما يختص بالقرارات القابلة للطعن منهما”( نشير إلى أن ما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من أنه “تعود المهل المذكورة إلى السريان مجدداً بانقضاء مهلة التعليق”، هو عبارة عن “لزوم ما لا يلزم” لأن المهل المذكورة تعود حكماً إلى السريان وبقوة القانون بانقضاء مهلة التعليق.

هنا تقتضي الإشارة فوراً إلى أن “المواد الجزائية”، يجب إخضاعها إلى “تمديد المهل القضائية” وليس إلى “تمديد المهل القانونية والعقدية”؛ أي يجب تعليقها بين تاريخي 31 آذار 2022 و30 حزيران 2024 وليس بين تاريخي 8 تشرين الاول 2023 و31 آذار 2025، مكررين اعتراضنا على التواريخ أعلاه، وفقاً لما أبديناه في مستهل هذه “القراءة”.

وقد استثنى المشترع من التعليق المذكور “المهل القضائية المتروكة لتقدير القاضي ومهل الترك وإخلاء السبيل في القضايا الجزائية”. ولنا عودة إلى هذه الاستثناءات وسواها في الفقرة المخصصة للاستثناءات.

ح ـ الاستثناءات من أحكام التعليق:

نصت المادة الثانية من قانون تعليق المهل الجديد أنه: “يستثنى من أحكام التعليق:

  1. المهل القضائية التي يترك القانون للقاضي أن يقدرها.
  2. المهل الممنوحة من الإدارة أو المحددة من قبلها تبعاً لسلطتها الاستنسابية.
  3. مهل الإسقاط ومرور الزمن والترك وإخلاء السبيل في القضايا الجزائية، على أن تبقى المهل المحددة لممارسة الحقوق الشخصية معلقة فيها.
  4. جميع المهل القانونية والمهل المتعلقة بانعقاد الهيئات العامة للنقابات والتعاونيات التي تمّ عقدها قبل صدور هذا القانون.
  5. المهل المتعلقة بشؤون العائلة من نفقة ووصاية ومشاهدة وسواها.
  6. المهل الواردة في قانون الإيجارات الصادر بتاريخ 9/5/2014 وتعديلاته.

لقد تطرقنا إلى بعض هذه الاستثناءات أعلاه في “القراءة” الحاضرة، فسوف يقتصر بحثنا على معالجة النقاط غير المعالجة وهي الآتية:

  1. المهل القضائية.
  2. المهل الممنوحة من الإدارة بصورة استنسابية.
  3. مهل الإسقاط.
  4. مرور الزمن.
  5. مهلة الترك.
  6. مهلة إخلاء السبيل في القضايا الجزائية.
  7. المهل المتعلقة بشؤون العائلة (نفقة، وصاية، ومشاهدة).
  8. المهل الواردة في قانون الإيجارات الصادر بتاريخ 9/5/2014 وتعديلاته.

نتطرق تباعاً وبإيجاز كلي إلى كل هذه النقاط.

1 ـ المهل القضائية:

هي المهل التي يمنحها القاضي سلطته الاستنسابية، كمهل الجواب، وتقصير المهل عندما يرى ذلك مناسباً، أو سوى ذلك من المهل القضائية، التي لا تثير أي إشكالية في معرض هذه “القراءة”.

2 ـ المهل الممنوحة من الإدارة بصورة استنسابية:

وهي مهل تصدرها الإدارة المختصة ضمن نطاق عملها، بموجب تعاميم يكون الهدف منها انتظام العمل الإداري. وهي لا تغيّر في طبيعة الأعمال القانونية شيئاً ولا تثير أي نقاش في معرض هذه “القراءة”.

3 ـ مهل الإسقاط:

هنا تكمن إشكالية كبرى، سوف تولد عدة مشاكل شكلية، إجرائية وقانونية.

فقد نص المشترع عن مهل الإسقاط بصورة عامة في المادة 422 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي جاء فيها أن: “جميع المهل المعيّنة في هذا القانون لاستعمال حق ما يؤدي تجاوزها لسقوط هذا الحق”.

شمل القانون في مادته الأولى جميع المهل في المواد الإدارية والمدنية والتجارية. وعلّق حكماً بين تاريخ 31 آذار 2022 و30 حزيران 2024 ضمناً سريان جميع المهل القضائية أمام جميع المحاكم اللبنانية على اختلاف أنواعها ودرجاتها، الممنوحة لأشخاص الحقّين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها، سواء أكانت هذه المهل: شكلية أو إجرائية أو امتدّ أثرها إلى أساس الحق.

ولكنه عاد وتطرق للمواد الجزائية في فقرة مستقلة ودون أي إشارة إلى المواد المدنية. فذكر أنه في المواد الجزائية، تعلق المهل المقررة للمدّعي الشخصي أو للمدّعى عليه أو للمتهم للطعن بالدفوع الشكلية (والأصح القول بالقرارات الفاصلة بالدفوع الشكلية) وبالأحكام والقرارات النهائية ، ويستفيد من هذا التعليق المسؤول بالمال والضامن فيما يختص بالقرارات القابلة للطعن منهما.

يجب حصر البند الثالث من المادة الثانية من قانون تعليق المهل الجديد، لجهة استثنائه مهل الإسقاط ومرور الزمن، بالمواد الجزائية دون المدنية منها، حسبما يتبيّن من الفقرة المذكورة التي تضمنت عبارة “في القضايا الجزائية”، ما يقتضي حصر هذا الأثر بالمواد الجزائية دون المدنية منها وإلا أجهزنا على القانون في جزئه الأكبر.

وهذا ما تستوجبه الطريقة المنهجية السليمة في تفسير النصوص القانونية، إذ إن أي تفسير آخر للبند -3- من المادة الثانية يفرغ القانون من الجزء الأكبر من مضمونه. وهذا ما لا يتوافق مع الغاية منه.

كان لازماً على المشترع أن يصيغ هذا البند بصورة أكثر وضوحاً، فلا يحمل القارىء على الاعتقاد بأن مهل الإسقاط ومرور الزمن تشمل أيضا المواد المدنية والإدارية.

ولكن تبقى الإشارة إلى أن المشترع أوقعنا في التناقض عندما شمل في المادة الأولى، فقرة 4 من القانون مهل الطعن بالدفوع الشكلية والأحكام والقرارات النهائية، ثم عاد، واستثنى من أحكام التعليق مهل الإسقاط في المادة الثانية، فقرة 3، علماً بأن مهل الطعن هي مهل إسقاط ! نرى أنه طالما أن المشترع أدخل طرق الطعن في دائرة التعليق بعبارة صريحة وواضحة، فيقتضي عدم شمولها بمهل الإسقاط المستثناة من التعليق بموجب المادة الثانية ـ بند 2 من القانون.

4 ـ مرور الزمن:

في المواد الجزائية أوقعنا المشترع في التناقض، فمن جهة استثنى مرور الزمن من التعليق، ومن جهة أخرى وفي الفقرة ذاتها ( المادة الثانية ـ بند 3 )، نص عن إبقاء المهل المحددة لممارســـة الحقوق الشـــخصية معلقة فيها. فكيف الجمــع بين “صد” و “عجز” الفقرة ذاتها؟

وإن تفسير النص بالطريقة التي تجعله ينتج أثراً، وليس بالطريقة التي تعدم محتواه، يحملنا على القول أن مرور الزمن لممارسة الحقوق الشخصية يبقى معلقاً بفعل القانون الجديد. فنكون قد غلبنا ـ وفقاً للطريقة السليمة في تفسير النصوص القانونية ـ “عجز” المادة القانونية على “صدرها”؛ وما كنا بحاجة إلى هذا “المجهود” لو كان المشترع أكثر دقة واهتماماً.

5 ـ مهلة الترك:

إن “مهلة الترك” المقصودة هنا هي تلك الناشئة عن قرارات “ترك” المدّعى عليه حراً من قِبل قاضي التحقيق بعد إحالته موقوفاً إلى دائرته من قِبل النيابة العامة الاستئنافية المختصة.

6 ـ مهلة إخلاء السبيل في القضايا الجزائية:

هذه المهلة لا تثير أي مشكلة إطلاقاً. ولا تستوجب أي استفاضة في التفسير.

7 ـ المهل المتعلقة بشؤون العائلة (نفقة، وصاية، ومشاهدة):

إن طبيعة هذه المواد لا تتفق مع الغاية من تعليق المهل نظراً للحاجة الإنسانية إليها. وهي لا تستوجب أي استفاضة في القراءة.

8 ـ المهل الواردة في قانون الايجارات الصادر في 9/5/2014 وتعديلاته:

هذه النقطة لا تثير جدلاً كبيراً وهي فقط تستوجب إبداء ملاحظتين اثنتين:

  • لقد دأب المشترع على استثناء المهل الواردة في قوانين الإيجارات في جميع قوانين تعليق المهل السابقة؛ وها هو اليوم في القانون الحاضر يسير في الاتجاه ذاته.
  • إن كلمة “تعديلاته ” الواردة الى جانب عبارة “القانون الصادر في 9/5/2014″، تدفعنا إلى التأكيد مرة أخرى بأن القانون الصادر في العام 2017 ليس سوى قانوناً تعديلياً وبالتالي، يجب احتساب مهلة إسقاط المستأجر من حق التمديد القانوني انطلاقاً من قانون العام 2014 وليس من قانون العام 2017 . (راجع دراستنا بهذا الشأن على “مشغّل غوغل” الآلي، تحت عنوان “المدة الواجب اعتمادها لوضع حد لتمديد عقود الإيجار السكنية”.

في الخلاصة يبقى أن نشير إلى أن قانون تعليق المهل الجديد الذي طال انتظاره، حمل الكثير في مضمونه. أما في المنهجية والشكل، فإنه إذا كان صحيحاً أن القوانين الاستثنائية غالباً ما تشكو من عيوب شتى نظراً لأنها معدّة لفترة قصيرة، ويتم تحضيرها بسرعة أيضاً، إلّا أن العيوب المنهجية التي أشرنا إليها في متن هذه القراءة، كثيرة خصوصاً لجهة بعض التناقضات وعدم الوضوح. فالصياغة التشريعية ـ القريبة من “التشريع البيروقراطي” لم تكن موفقة وكان على المشترع عدم ترك أي مجال للالتباس الذي أحدثه بصورة خاصة البند 3 من المادة الثانية، إذ كان يقتضي أن يضع المشترع عبارة “في القضايا الجزائية” في مستهل البند المذكور وليس في وسطه، كي يحول دون التسبب بأي التباس لدى القارىء. ذلك لأنه بطريقة الصياغة التي اعتمدها، أفسح المجال أمام التفسيرات والتأويلات التي نخشى أن تؤدي إلى استبعاد “مهل الإسقاط ومرور الزمن” في القضايا المدنية من التعليق. لسنا نعلم إذا كانت عبارة “في القضايا الجزائية” مخصصة للترك وإخلاء السبيل ومهل الإسقاط ومرور الزمن، أم أنها فقط مخصصة للترك وإخلاء السبيل، في حين أن عبارة “مهل الإسقاط ومرور الزمن “تشمل جميع المواد المدنية والإدارية والجزائية.

الأمر متروك للقضاء، نأمل ألّا يستبعد في تفسيره مهل الإسقاط ومرور الزمن في القضايا المدنية والإدارية من التعليق، وإلّا تمّ إفراغ القانون في جزئه الأكبر من مضمونه. ونتمنى أيضاً أن يوضح القضاء قصد المشترع في البند 4 من المادة الثانية عندما استثنى جميع المهل القانونية التي تمّ عقدها قبل صدور هذا القانون، من التعديل. فهل يقصد المشترع أن العقود التي أبرمت على حقوق كانت ساقطة وشملها التعليق تبقى قائمة أم يقصد أي شيء آخر؟ الأمر متروك للقضاء.

يبقى أن نتمنى أن يكون قانون تعليق المهل موضوع هذه القراءة هو الأخير، فلا يتعرض وطننا الحبيب إلى “خضات” إضافية تستوجب قانون تعليق مهل جديد. حمى الله لبنان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأكثر قراءة