الحرة بيروت – بقلم: الدكتور محمد حلاوي، أستاذ جامعي – كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية
بعد أسبوع من سريان قرار وقف إطلاق النار وموافقة وتوقيع كل من الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية على الاتفاق الذي اقترحته الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت تتضح بعض الخلفيات الملحقة بهذا الاتفاق وغير المعلنة في متن الاتفاق الأساسي، والذي يتألف من ثلاثة عشر بنداً، إضافة إلى المؤثرات التي دفعت بالجانبين، كما بالدول الراعية للاستعجال بالموافقة عليه وإبرامه بالسرعة التي تم بها.
المؤثرات الضاغطة لقبول وقف إطلاق النار
لا نصر هنا ولا هزيمة هناك. من ربح هو من خسر ولا جواب قاطع في هذة السردية. خاتمة تماثل كل حروب العدو الصهيوني مع لبنان. وبالتالي حصل ما حصل فجر الأربعاء الواقع في 27 من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ووافق الطرفان على الاتفاق. ليس حباً بالسلام، وإنما نتيجة ظروف قاهرة عاشها كلاهما.
- من الجانب اللبناني:
لا أحد ينكر التفوّق الإسرائيلي من ناحية القدرة التدميرية، حيث بدأ يتظهّر حجم الدمار الواسع الذي لحق بلبنان، وبالأخص في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية.
ووفق الدولية للمعلومات وبعض المنظمات الأممية والمحلية، هناك ما يقارب 100 ألف وحدة سكنية تمّ تدميرها بشكل كامل يقابلها 100 أخرى مدمّرة بشكل جزئي. ما سينتج عنه فقدان أكثر من نصف مليون لبناني للمأوى في الفترة المقبلة، المجهولة المدى.
هذا إضافة إلى الدمار الذي حلّ بالمنشآت الاقتصادية على مختلف أنواعها، وهي ضريبة كبيرة لا تستطيع الدولة اللبنانية تسديدها في ظل الانهيار الاقتصادي الحاصل، ولا حتى حزب الله.
أضف إلى ذلك سقوط ما يزيد عن 4000 شهيد و20000 جريح أصيب معظمهم خلال الشهرين الأخيرين. ناهيك عن دخول فصل الشتاء الذي كان سيرخي بعبئه على مليون ونصف نازح.
- من الجانب الإسرائيلي:
لم تتمكن القوة العسكرية للجيش الرابع عشر عالمياً من تحقيق الأهداف التكتيكية للحرب (عودة نازحي الشمال) إضافة إلى فشل الجيش الإسرائيلي في تسجيل إنجاز حقيقي في الميدان يضمن وصول قواته إلى مجرى الليطاني بعد ثمانية أسابيع من المعارك الضارية. عدا عن ارتفاع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي الذي ناهز المائة جندي، والخسائر الضخمة في العتاد، وهو ما صرّحت به بعض محطات التلفزة الإسرائيلية ووكالة رويترز خلال التغطية اليومية لسير المعارك. وهو أيضاً ما أشار إليه الصحافي الأمريكي المستقل إريك وارسو، حيث أعلن عن خسارة الجيش الإسرائيلي لأكثر من ستين دبابة ميركافا باهظة الكلفة، ستة منها استهدفت في اليومين الأخيرين للحرب. إضافة إلى عدد من الطائرات المسيرة، ومعدّات أخرى.
يضاف إلى ذلك ما حصل يوم الأحد الواقع في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي حيث هرع أربعة ملايين إسرائيلي إلى الملاجىء بعد أن أطلق حزب الله ما يقارب 500 صاروخ باتجاه الأراضي المحتلة، وهو ما اعترف به ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة في اليوم التالي من الهجوم، مشيراً إلى فشل منظومة الردع في إسقاط هذه الصواريخ.
هذه الأحداث دفعت بالجانب الأمريكي للضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل الموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار خوفاً من “انهيار سمعة الجيش الإسرائيلي” كما أشار الصحافي إريك.
ويتوافق هذا الكلام مع مقابلة بنيامين نتنياهو عقب توقيع الاتفاق، عبر المحطة التلفزيونية الرابعة عشرة المتطرفة يمينياً، والتي أشار خلالها إلى أن أحد أسباب قبول الاتفاق هو إعطاء إسرائيل فرصة لإعادة التعبئة وتسليح جيشها من جديد.
وبذلك رضخ الجانبان لتوقيع الاتفاق بعد مفاوضات تحت النار – أقلّ ما يقال عنها أنها كانت عسيرة، غامضة، ومركّبة – أنتجت اتفاقاً هشاً مهدداً بالانهيار.
بين النعمة والنقمة
وكأن قدر هذا البلد الصغير أن يتأرجح ما بين النعمة واللعنة. حيث أنعم الله عليه بجمال طبيعته وطيبة شعبه وقدراته وإبداعه من جهة، ولعنة انتقاله من وصاية إلى أخرى بسبب فساد زعماء فشلوا في حُكمه وإدارة شؤونه وتغنّوا بتبعيتهم الخارجية من جهة أخرى.
- منذ إعلان استقلاله ولغاية العام 1975، تاريخ بداية الحرب الأهلية في لبنان، لم تنفك الدول الكبرى (فرنسا وأمريكا) والدول العربية (مصر والسعودية) من التدخل بمصير الانتخابات الرئاسية، وذلك بسبب عجز القوى اللبنانية عن اتخاذ قرار وطني مستقل.
- بعد الحرب الأهلية سُلّمت الوصاية إلى الجمهورية السورية بمباركة عربية.
- بعد الاجتياح الصهيوني عام 1982 تمكنت إسرائيل من فرض رئيس للجمهورية.
- بعد مشاركة سوريا مع التحالف الدولي في عاصفة الصحراء (معركة إخراج الجيش العراقي من الكويت) تم تكريمها وأعيدت لها الوصاية على لبنان بالتعاون مع المملكة العربية السعودية، ما عُرِف حينها بـ”س، س”.
- بعد خروج الجيش السوري من لبنان استلمت إيران الدفة من خلال تعاظم قوة حزب الله وأثرها على الساحة اللبنانية، السياسية والداخلية.
- وبعد توقف حرب الإسناد وتوقيع الاتفاقية، استقر الوضع في لبنان على ما يشبه الوصاية الأمريكية الفرنسية، حيث ستتولى فرنسا عملية الانتظام السياسي. وهذا ما عبّر عنه الموفد الفرنسي جان إيف لودريان قبيل مغادرته لبنان الأسبوع الماضي بعد عدة لقاءات جمعته بأطراف سياسية، حيث أكدت مصادر فرنسية متابعة لجولاته على الدور الفرنسي ضمن خطة من أربعة بنود: انتخاب رئيس للجمهورية؛ تعزيز تسليح الجيش اللبناني؛ إعادة الإعمار؛ وضرورة إجراء حوار دستوري لإعادة تفعيل اتفاق الطائف من أجل الوصول إلى صيغة فعّالة للنظام اللبناني.
في حين سينحصر الدور الأمريكي أمنياً بتطبيق القرار 1701 وبنود الوثيقة الثلاثة عشر.
وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت إلى مبتغاها في فرض وجود أمني طويل الأمد في لبنان، الأمر الذي يفسّر الاستثمارات الضخمة (مليار ومئتان مليون دولار) لبناء سفارتها في منطقة عوكر، والتي كانت مدار جدل واسع بين جميع الاطراف اللبنانية.
ويشير حجم السفارة الأمريكية والتقارير عن مهامها الجديدة إلى أنها ستكون مركزاً لإدارة العمليات العسكرية والأمنية الأمريكية في لبنان وسورية وصولاً إلى فلسطين المحتلة وقبرص، كما أشارت صحيفة “رأي اليوم” بتاريخ 28/11/2021. حيث من الممكن أن تكون بديلاً عن سفارتها في العراق بعد الوصول الى اتفاق أميركي – عراقي ينص على خروج قوات التحالف بدءاً من أيلول/ سبتمبر 2025. وقد نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة قولها إن الخطة تتضمن الانسحاب الكامل بحلول العام 2026، وذلك بحسب ما أشارت إليه شبكة RT بتاريخ 22/09/2024. علماً أن هذا الاتفاق وقّع في وقت كانت فيه المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل تجري تحت النار.
باختصار، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية في رسم لوحة لخارطة جديدة لشرق أوسط جديد بريشة الجنرال المخضرم، مسوؤل لجنة الإشراف على تطبيق بنود الوثيقة الثلاثة عشر، “جاسبر جيفرز”، رئيس لجنة المراقبة على وقف إطلاق النار. ويبدو أن ما يجري في سوريا منذ ستة أيام ليس بعيداً عن تلك اللوحة التي نأمل في أن تكون خالية من مشاهد الدمار والموت التي شهدتها كل من أفغانستان في العام 2001 والعراق في العام 2003.
أما فيما خص لبنان والشعب اللبناني، فعليه أن يتعلم العِبر من هذة الوصايات وأن يتخلص من طبقة سياسية فاسدة، ذات أجندات خارجية، لم تبلغ بعد سن الرشد السياسي والوطني وتتوارث المناصب للحفاظ على المصالح الخاصة ضاربة مصلحة الوطن بعرض الحائط.
مفاوضات مركّبة… ومعقّدة
يخطئ من يعتقد أن المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وبرعاية الولايات المتحدة، اقتصرت على الأطراف الثلاثة، وأنها ذات هدف واتجاه واحد هو البنود الثلاثة عشر للوثيقة.
- على مستوى الأطراف المشاركة:
- إيران: حيث لا يمكن لهذا الاتفاق أن يتحقق دون التدخل الإيراني. وقد أشارت صحيفة “نداء الوطن” يوم الجمعة الماضي إلى تواصل فرنسي إيراني يضمن موافقة حزب الله على الوثيقة، مقابل أن تحفظ فرنسا دوراً لحزب الله على المستوى السياسي لاحقاً.
- أطراف عربية، خليجية، وبالأخص المملكة العربية السعودية وقطر ودورها في إعادة إعمار لبنان بعد انتظام العمل السياسي.
- روسيا وسوريا معاً: حيث ينصّ أحد البنود الثلاثة عشر على مراقبة الحدود البرية لمنع دخول أسلحة جديدة إلى حزب الله.
- فرنسا: وهي أحد أعضاء اللجنة الأمنية لمراقبة تطبيق القرار الأممي 1701، والتي تحفظت على قرار المحكمة الجنائية الدولية، مقابل موافقة إسرائيل على وجودها في اللجنة.
- على مستوى الاتجاهات:
- مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل نتج عنها البنود الثلاثة عشر واتفاق هش لوقف إطلاق النار.
- مفاوضات أمريكية إسرائيلية غير معلنة نتج عنها وثيقة سرية لا يعلم بتفاصيلها سوى أصحاب العلاقة، وهو ما صرّح به وزير الشؤون الاستراتيجية رون دريمر بعد لقائه الرئيس المنتخب دونالد ترامب منتصف تشرين الثاني في الولايات المتحدة. هذه الوثيقة التي تضمن لإسرائيل حق الدفاع عن النفس وضرب أي هدف مشكوك بأمره متى وأين شاءت. وما يؤكد صحة وجود هذة الوثيقة السرية العدد الكبير للخروقات العسكرية الإسرائيلية المتكررة طيلة الأسبوع المنصرم. كما أن الخوف من هذة الوثيقة السرية بأن تجعل لبنان أمام مشهد مماثل للنموذج السوري، حيث تُقصف المدن والأهداف دون حسيب أو رقيب. وما ردّ حزب الله مساء الاثنين على الخروقات الإسرائيلية إلّا خير دليل على هشاشة الاتفاق.
- مفاوضات أمريكية – فرنسية – لبنانية غير معلنة توضح الدور المستقبلي للبنان سياسياً وأمنياً، حيث ظهرت أولى ملامحها في التمديد لقائد الجيش في جلسة مجلس النواب اللبناني يوم الخميس الماضي، والإعلان عن موعد جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية في التاسع من كانون الثاني/يناير المقبل بعد شغور رئاسي دام لأكثر من سنتين.
ويبقى الخوف، كل الخوف، من وجود ترتيبات أخرى في خفايا تلك المفاوضات غير المعلنة تمسّ بالسيادة اللبنانية، كترسيم حدود برية غير عادل على نسق ترسيم الحدود البحرية الذي تخلى فيه لبنان عن جزء مهم من حقوقه النفطية لصالح الكيان الإسرائيلي.


