الحرة بيروت ـ بقلم: الدكتورة ميرنا داود
يبدو أن الدول الهشة في منطقتنا التعيسة تفتح شهية الذئاب الإقليمية المسعورة! فهناك من يحاول جرّ المنطقة إلى مكان آخر. سيناريوهات كثيرة مطروحة على رقعة الشطرنج. جهات دولية حضّرت لكل شيء: التدريب العسكري، المسيرات، التكتيك العسكري، طريقة التفاوض عندما تحاصر المواقع. وهذا لايشبه ما كان مألوفاً في السنوات الماضية.
نحن أمام مشهدية جغرافية وديموغرافية جديدة. الوقت كفيل بالإجابة عن الكثير من الأسئلة لكن المؤكد أن شعوب منطقتنا هي وقود هذه المرحلة.
في الفترة التي تفصل بين نظام دولي انتهى أو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ونظام دولي لم يتبلور بعد، تنشأ حالة تدعى بـ”المرحلة الهجينة”. هي فترة من الانقطاع أو “الفجوة” في حكومة أو منظمة أو نظام اجتماعي.
من الناحية التاريخية، كانت الكلمة تعبّر عن الفترة الزمنية بين عهد ملك ولّى وخليفته. وتمّ تطبيق المصطلح على الانتقال الرئاسي للولايات المتحدة، وهي الفترة الزمنية الممتدة بين انتخاب رئيس أمريكي جديد وتنصيبه، والتي يظل خلالها الرئيس المنتهية ولايته في السلطة، ولكن كصورة في الظل.
الأهم في هذه المرحلة هو تطبيق هذا المصطلح على المرحلة الممتدة من سقوط الإتحاد السوفييتي حتى الآن، حيث لم يتبلور نظام دولي بعد أن انتهى النظام الدولي السابق. وخطورة الأمر هو التفلّت من أغلب القواعد الناظمة للنظام الدولي، حيث نشهد حالياً مخاطر قتل السياسيين. وهي قاعدة لم تكن متّبعة في قوانين وقواعد الحرب، لأنه ببساطة، عندما تحارب، تحتاج بعد فترة أن تفاوض، وعندما تقتل السياسيين فلا يوجد من تفاوضهم، ما يعني مزيداً من الفوضى.
كذلك نشهد اليوم إنذارات بحروب عالمية، لأن قواعد التعامل بين الكبار قد تفككت. وأفضل تعبير عن هذه المرحلة الممتدة ما بين موت نظام عالمي وعدم ولادة نظام جديد، بأنها مرحلة التوحش حيث يكون كل شيء مباحاً.
ويضاف إلى خطورة هذه المرحلة أنها تتميز بما لم يكن معروفاً في سابق العهود وهو عدم اليقين uncertainty مما هو قادم، ومن سرعة التبدّل والتغير وهشاشة الأوضاع في كل مكان في العالم بما فيه لدى الدول الكبرى. كل ذلك يجعل العالم خطيرًا للغاية. لكن هل تقاسم المصالح يؤدّي الى انتقال السلطة بالإكراه، وهل هذا المشهد الضبابي من شأنه أن يزيد حالة الفوضى التي تشهدها المنطقة منذ سنوات؟
أسئلة مشروعة وعلينا قراءة كل ما يحدث حولنا بعقل بارد. نعم، العالم كله إلى فوضى وإلى سنين طويلة من العبث. للأسف هذه هي الحقيقة. وهنا أتفق مع Richard Hass في بحثه في مجلة “Foriegn Affairs” تحت عنوان كيفية “الاستجابة لعالم فوضوي”.
المحرك الأساسي الذي يبث الفوضى المعاصرة هو منطقة الشرق الأوسط. ومع كل المقارنات التي أجريت مع الحرب العالمية الأولى أو الحرب الباردة إلّا أن ما يحصل في المنطقة اليوم يشبه كثيراً حرب الثلاثين عاماً حيث كانت هناك ثلاثة عقود من النزاع الذي دمّر أجزاء كبيرة من أوروبا في النصف الأول من القرن السابع عشر.
بسبب الفوضى العالمية، سيكون هناك، على الأرجح، في السنوات المقبلة، العديد من الدول الضعيفة غير القادرة على ضبط مساحات شاسعة من أراضيها. وسيكون هنالك الكثير من المجموعات الإرهابية التي تعمل على زيادة نفوذها. وسيكون هناك أيضاً حروب أهلية وحروب بين الدول.
من خلال الفوضى العالمية سوف تظهر الهويات الطائفية والمجتمعية بشكل أكبر وتتفوق على الهويات الوطنية. وسوف يستمر اللاعبون المحليون بالتدخل بالشؤون الداخلية لدول الجوار، يحرّكهم الدافع نحو الإمدادات الهائلة من الموارد الطبيعية. أما اللاعبون الخارجيون فسيبقون عاجزين أو غير راغبين في إحلال الاستقرار في المنطقة.
باختصار، إن ذروة الحكمة اليوم هي الخروج من هذا الكمين التاريخي بأسرع وقت ممكن وعدم الركون الى التحليلات النمطية واستهلاك الوقت!


