د. محمد حلاوي
جريدة الحرة ـ بيروت
في قلب البقاع الغربي، حيث تتعانق الجبال مع الوديان وتُظلّل القلاع العتيقة الأسواق القديمة، تتألّق بلدة راشيا من جديد في يومٍ ليس كسائر الأيام. إنه «يوم الدبس»، الحدث السنوي الذي بات علامة فارقة في الروزنامة الوطنية والثقافية، لما يحمله من رمزية تجمع بين التراث اللبناني الأصيل، والهوية الزراعية، وروح الانتماء الوطني.
هذا العام، ازدانت البلدة برفع أكبر علم لبناني يرفرف فوق السوق الأثري القديم، في مشهدٍ مؤثر يُعيد إلى الأذهان لحظات مجد راشيا ودورها المحوري في صناعة الاستقلال اللبناني. هنا، بين حجارة القلعة العريقة، سُطّرت فصول من تاريخ وطنٍ أراد الحياة بحرية، فكانت راشيا شاهدةً على ميلاد الجمهورية وسيادة القرار الوطني.
لكن يوم الدبس لا يقتصر على الاحتفاء بالتاريخ؛ فهو أيضًا احتفال بالنتاج والعرق واليد العاملة اللبنانية. فالعنب الذي تغذّيه شمس البقاع، يتحوّل في معاصر البلدة إلى دبسٍ ذهبيّ اللون، صافٍ، يحمل نكهة الأصالة التي توارثتها الأجيال منذ أكثر من 85 عامًا. هذه الصناعة لم تكن يومًا مجرّد حرفة، بل مصدر رزق لعشرات العائلات التي لا تزال تعيش من خيرات الأرض، وتعكس صورة لبنان المنتج الصامد في وجه التحديات.
إلى جانب الدبس، يزدهر في راشيا موسم التفاح، والعسل الطبيعي من الزهر والشوكيات، وصناعة الصوبيات والخزفيات والفضة التي تجاوز عمرها القرن. كل زاوية في هذه البلدة تنطق بالحياة، وكل حرفة تحكي قصة عائلةٍ تشبّثت بجذورها، ورفضت أن تذوب في عجلة الحداثة الخالية من الروح.
وفي موازاة كل ذلك، تتقدم السياحة الزراعية والتراثية لتجعل من راشيا وجهةً يقصدها اللبنانيون من مختلف المناطق، بحثًا عن الأصالة والفرح، وعن تجربةٍ حقيقيةٍ تمزج بين جمال الطبيعة، وعبق التاريخ، ونكهة الإنتاج المحلي.
إن «يوم الدبس» في راشيا ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل هو رسالة وطنية صافية: رسالة تقول إن هذا الوطن، مهما عصفت به الأزمات، لا يزال يملك في بلداته وأريافه نبض الحياة والإبداع، وتحت علمه الكبير، تتوحّد القلوب على حبّ الأرض والهوية.
تحيّة إلى راشيا… بلدة الدبس والعلم والاستقلال.


